الأحد ١ أيار (مايو) ٢٠٠٥
بقلم عايدة نصرالله

الجارزة السوداء

"خمس شعيرات بيض لامعة"

"لا شيب في رأسي"

نعم. لكنها تستوطن رقبة الجارزة، تزين السواد بلمعان طفيف أرى منه ذلك العشب الخريفي الذي أوشك على الذبول وشما يزدان ويتعتق على خريفي. أضعه على أنفي أشم بقايا العبق الذي ينفح مخيلتي وأنا أتلفع بشعيرات لا أجرؤ على إزاحتها من مكانها.

"اغسليها والبسيها"

"لا. سأحتفظ بها كما هي"

الموت يركن إلى خاصرتي، رأسي ثقيلة جدا.. جدا.

"أرجوك كن حنونا"

سأكون.

"عدني أن لا تشرخ روحي في البعد"

أعدك.. أعدك.. أعدك.. أعدك

رائحة رجل راجف، لهاث ناري، ورجفات قصيدة انسربت مهرولة من كم الجارزة.
الكلمات تتراقص على صدري، الكم الأيمن يتحول لفم مجنون "أشم بقايا لهثي المحروق"

عيناي تغيمان، أغمضهما، الكم يستريح إلى خدي، الكلمات تتعمشق ريقي.

"آه من مذاق الرضاب"

"آه من مذاق الرضاب"

ثلج يتسرب من قدمي.. أقف على حافة النهاية..

أفتح المساحات السوداء.. جمرات سقطت على يدي، هنا عنقه، رائحته مجبولة بهم التراب ووجع المسافات.

"هما هناك "راحيل ومحمد" ما زالا معلقين على حافة الروح يحاولان لم رذاذ روحينا؟
لكنك أنت.. يا أنت..

أنت، ما زلت تعب الأسئلة.. تعبُّ فيك وتعبُّ بكَ وعليك.

راحيل مفجوعة من ذلك الطفل الذي لا يريد أن يكف عنها ويفرح. روحها تستغيث بك أن تكف عن معاقبتها وفح أسئلتك فيّ.

هناك بحثا عن طقس للحناء، عل مآسينا تختصر، عبر طقس لا يشبه هذا الوقت المنعوف بالدم. عبثا بسجلات الديانات والسياسة على أوتار العود.

عوده الرنان أيها الطفل المستغيث، هل نسيته؟!! مازال يدندن على أوتار قلبي ونحن نسافر إلى الألق نحاول جمع الهنا.. والهناك.

هبني راحيل المشتتة التي بحثت عن كل ما كسرته الحدود واللغة. هبني راحيل أيها الطفل الشقي الذي يأبى إلا أن يميتني قبل بلوغه مرتبة الإشراق .

لماذا لا تكون لهاث الأوتار على جلد عزفته الأحلام؟

لم لا تكون صداح صوت "محمد" ينبت العشب في مراعينا وبيت لم يسكننا.

ما زالت روحي راحيل ومحمد، تستغيث بي وبك.. أنتَ.. يا أنتَ.

انتشلانا من طقوس ليست لنا.. أعيدا لنا الحناء.

أنتِ.. يا أنتِ.. أغيثينا من فقدان ذلك الطفل العصي على الفرح.

يوغل بي هذيان في آخر مسرب للنور . أشعر بالرائحة توشك أن تتركني. أتشبث بالجارزة أكثر.

"لم نغتسل، لا ماء هنا"

حمدا لله أننا لم نغتسل

تومض عيناه.. يضمني بقوة.

هو الآن يسبح في منعطفات الريح بحثا عن الأجوبة. وأنا أغرق هنا في وطن صغير، لا يتعدى أكمام هذه الجارزة التي تضمخت بعصارة ارتجاف حروفه على يدي.

تسرب لي من خلال الرائحة صوت بعيد

"لكنك محيط، وهو لم يشرب سوى نطفة؟"

"لم يستعد بعد للغرق. آثر التهويم في نقطة ماء"

"ما زال هناك، في البحث عن سوسنة لم تصل إلى عزف موسيقى يدي الهادرة، لم تعزف الرعد حين رقصت القصيدة، لم تصل إلى عنق أهدابي الموج.. الرغوة.. الأنين.. الأوتار السابحة في قلبي على ترابه. هي لم تستطع.. وهو لم يستطع الخروج منه ليراني"

"هل ستتمكن من رتق جراحه؟.

لم أصدق، لعبت شياطين الأرض في قلبي، هل جف ريقه وصوته، منذ أن أصبح باستطاعتها تزيين خلوته؟

"وحتى لغتك ركيكة"

كتب لي.
ابتعدت الجارزة عني قليلا، وجدت طريقها إلى الأرض ليس بعيدا عن قدمي.. خدر يدب في رؤوس أصابعي.. هل هي النهاية؟

حبوت إليها.. شهقات النور والنار تقترب.. زحفت.. زحفت.. سحبت نفسي إليها.. عيناه تطلان علي في ذلك الكهف البارد، تحتضناني.

نزيف حار غمرني حتى التيه.

وهل أنا التي..؟

وهل.. ولماذا.. لمااااااااذا؟ وكيف.. كيف ضعت.. كيف ضاع.. آه علي.. آه عليه.. آه.

كل الصور غابت متلاحقة كشريط سريع. وقف الشريط.

عينا الجارزة عبأتني.

بحنو تحسست الأكمام، مكان العنق، والصدر، أدخلت رأسي في العنق، في الصدر، في اليدين، لبست الرائحة.. وارتجفت المدينة في غرفتي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى