الأحد ٢٤ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٠
بقلم حسن الشيخ

قصص من تحت الرمال

يثار الكثير من الجدل، حول هوية القصة القصيرة جدا ومقارنتها بقصيدة النثر. ونعتقد ان القصة القصيرة جدا، يمكن تمييزها عن جنس قصيدة النثر، بخصلتين: الحكائية و القصر.

وتبقى القصة القصيرة (لأقصوصة) في مقدرتها على التكثيف الإبداعي، و تفجير لحظة الوعي عند المتلقي، بمهارة أسلوبية عالية. فلا كل حكاية، يمكن أن تندرج في إطار فن القصة القصيرة جدا. فهناك العديد من محاولات التجريب، التي لا يمكن ان ندرجها تحت هذا المسمى. و هناك الكثير من محاولات كتابة القصيدة النثرية، التي لا يمكن أن ندرجها تحت هذا المسمى أيضا. الزميل القاص حسن البطران، أهداني مجموعته القصصية (نزف من تحت الرمال) منذ مدة طويلة، و قرأتها، و استبطأ كتابتي عنها لمدة أطول. ولعل السبب في ترددي يكمن في مفهومي الشخصي (للأقصوصة)، وتذوقي الخاص بقراءة نصوصها. وطالما إنني لا اكتب نقدا علميا عن الأقصوصة، وإنما اكتب قراءة انطباعية، لها بعدها الوجداني. خشيت من غضب زميلنا القاص البطران، ان كتبت شيئا لا يرضيه. و الحقيقة ان ذوقي الخاص على مجموعته القصصية، ليس حكما نقديا على مهارته الإبداعية. وخاصة أن القاص البطران استحوذ على هامش نقدي كبير، جعله في مقدمة كاتبي القصة القصيرة جدا، على الساحة الأدبية المحلية. وليس بحاجة إلى شهادة مرور مني إلى عالم الأقصوصة. ورغم كل ذلك، فقد قرأت مجموعته القصصية، واستمتعت بها، وأظهرت كتابته القصصية العديد من جوانب قدراته الإبداعية في هذا الفن الجميل. وخاصة في مجموعة كبيرة من القصص أمثال (رائحة العلقم)،(رجولة)، (جرح)، (غفلة)، (ندى وقت الظهيرة) وغيرها من القصص الجميلة الأخرى، الذي يعتمد القاص فيها على مهارته في تفجير لحظة الوعي في كلمات القصة الأخيرة.

و بالمقابل هناك العديد من القصص التي اعتمدت على عنصر المقابلة في ثنايا السرد، وعنصر المفاجأة في ختام السرد، بها الكثير من المهنية الإبداعية. كما اعتمد القاص حسن البطران كثيرا على أسلوب( النهايات المفتوحة) كأحد تقنيات كتابة القصة القصيرة جدا. هذا الأسلوب الذي يترك للقارئ مساحة من المشاركة و التخيل لإكمال فكرة القاص. و تقنية النهايات المفتوحة، تستخدم في السرد الروائي، و القصة القصيرة، بعد ان يعيش القارئ أجواء النص، و يتقمص ادوار شخصياته، و يكتسب – من داخل النص السردي – مهارة توقع ردود فعل الشخوص، و يتعرف على إيقاعات البعد الزماني للنص، وملامح المكان. إلا انه في فن الأقصوصة، والتي لا يتجاوز طول سردها بضعة اسطر، أو بضع كلمات أحيانا، لا تمكن القارئ – مهما بلغ من الذكاء – من التعرف على كل ذلك. بل ان الأقصوصة عند حسن البطران – كما هو الحال عند غيره – مجردة من الشخوص. فلا وجود لشخصيات حقيقية لها ملامحها، التي يسهل التعرف عليها. بل إنها شخصيات وهمية، بلا اسم ولا أعمار ولا هوية. كما ان تلك الشخوص – بحكم طبيعة طول الأقصوصة - بلا أفعال متكررة، فالقارئ يعيش فعل وحيد، حدث بسيط، خاص بالأقصوصة فقط. ولا يستطيع القارئ ان يميز هوية محددة، ولا رسم محدد، ولا عمر، ولا اسم لتلك الشخوص المحتشدة في تلك النصوص.. أما الزمان و المكان فلا وجود لهما في معظم النصوص القصيرة جدا. وبذلك تفتقد القصة القصيرة جدا للحميمية، التي توفرها الرواية، أو القصة القصيرة. وتلك ليست عيوبا فنية عند القاص البطران. بل ان تقنيات كتابة الأقصوصة القصيرة جدا، لا تمكن القاص من تسمية الشخوص، ورسم ملامحهم، ورصد أفعالهم، و خلق زمان ومكان سردي لهم. ولم تم ذلك لتحولت الأقصوصة إلى قصة من بضع صفحات. ولتحولت القصة إلى رواية من عشرات الصفحات.

لا أظن أن القارئ قادر على تشخيص مهارة كتابة القصة عند المبدع. فالأمر بحاجة إلى ناقد حصيف. لان القاص قادر على خداع القارئ عندما يكتب قصة، ولكنه لا يستطيع ان يخادع القارئ عندما يكتب رواية. فالقاص يستطيع أن يحاجج القارئ، بأنه يكتب بتكثيف إبداعي، قصة من بضع صفحات. لا تستدعي من القاص رسم شخوص عدة، والإفصاح عن هويتها بدقة، و توظيف أكثر من حدث بسيط، يخدم لحظة الوعي الإبداعية. كذلك الزمان و المكان،فهما اختياريان، طبقا للحدث السردي العابر في القصة. أما الرواية فهي على العكس تماما.

الرواية عمل هندسي شاق، ودقيق، لا يستطيع الروائي خداع القارئ بسهولة. وإذا كان كل ذلك هو فن السرد القصصي والروائي، فان الأمر في الأقصوصة اقل التزما بكل ذلك. حتى ان البعض من النقاد راح يقارن بينها وبين قصيدة النثر. فكل قصيدة نثر بها حكاية، هي أقصوصة. وكل أقصوصة بها إيقاع موسيقي أو داخلي هي في نهاية المطاف قصيدة. ولعل الأصعب على القارئ، ان يكتب القاص بضع كلمات، ويطلب من القارئ ان يتخيل، نهاية مغلقة، لنهايات القصص القصيرة جدا المفتوحة. أما الكم الهائل من النصوص – في مجموعة واحدة - القصيرة جدا، يجعل القارئ يلهث، ويتخيل، و يقفز من نص لآخر. وطالما إنني اكتب عن الأقصوصة لا عن القاص حسن البطران. وطالما إنني اكتب بصفتي قارئا لا ناقدا، فلا بد من الإشارة إلى ما كتبه الناقد الدكتور جميل حمداوي عن (خصائص القصة القصيرة جدا عند القاص حسن البطران) الذي شخّص مهارات القاص الإبداعية بمهنية نقدية عالية. وبالطبع فإن شهادة حمداوي القادمة من المغرب، لا يمكن أن تكون مجروحة، كما لو شهدت أنا في حقه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى