الخميس ١ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٥
بقلم أسماء صالح الزهراني

مجددا حول (فقه الفوضى ) لحامد بن عقيل

أحب أن أحتفل هنا بهذا القلم النقدي القادم بقوة، قلم الأستاذ حامد بن عقيل، وأعترف أنني قبل أن يصلني الكتاب كنت واقعة تحت تأثير المقولة المعروفة بأن الناقد شاعر سيء، مع قلبها وافتراض أن الشاعر ناقد سيء، هذا مع كوني عرضة للاتهامين معا كما الزميل حامد !!
وقد يكون قول الزميل فيصل الرويس في تعليق عابر على الكتاب على الشبكة:
"وأعتقد أن الشعر ليس في الرواية , بل في وجدان حامد بن عقيل , وهنا أتشائم من القراءة , اخاف أن أكون ضحية قراءة منشور عاطفي يتعاطف مع شخصيات الرواية ؛ ويعمل على تذويب مشاعر الكاتب في تأويلاته النقدية.

عندها ستكون زيف نقدي.,أو مشروع كتاب فلسفي إجتماعي تقريري. أو حركة ثقافية ترهق النص الأساسي. وتضغط عليه كمشروع تزاوج مبني على الإكراه. اعتقد أن الكاتب وضع نفسه على المحك. بإستشهدات وإحالات تتطاير من خلال العروض التقديمية للكتاب؟! "
قد يكون هذا هو ما كان يؤطر توقعاتي للكتاب..

حتى وصلني، فقرأت فيه ما يثلج الصدر:
قلم نقدي متكيء على حاسة نقدية قوية، تنساق مع النص، وتتفاعل معه دونما إخلال بالعلاقة المتوازنة بين القاريء والنص، القائمة على احترام استقلال كل منهما. وقد اشتغلت القراءة على نظريات نقدية حديثة بالنسبة للمشرق العربي، إذا أخذنا بالاعتبار تقدم النقد النظري في المغرب العربي وسبقه لكل جديد.. صنف الناقد قراءته في حدود النقد التأويلي، ثم استعان بمباديء نظريات القراءة، وبالتحديد نظرية ستانلي فش حول أسلوبية التأثير..

وبغض النظر عن بعض ملاحظ على العرض التقديمي المجزوء والمرتبك في بعض مواضعه _ مع العلم أن نسختي هي الأقدم، بمعنى احتمال تصويب العرض في النسخة الأخرى _ أجد الكاتب يبرع كثيرا حين ينطلق على سجيته في تحليل دلالي دقيق وجميل ومفتوح باتجاه الأجمل.

ومن أجمل ما لاحظت وهو يشير في الوقت نفسه إلى قوة الحاسة النقدية عند الكاتب، أن التطبيق يسفر عن فهم دقيق للنظرية المشتغل عليها: وهي في الإطار نظرية ستانلي فش، القائمة على عاملي: اللغة والزمن الكتابي والقرائي، وبطريقة تكشف عن استيعاب قوي عميق للنظرية، ويكشف هذا عن أن التطبيق أفصح عن قدرات الناقد من العرض النظري.. وهذا ما يجعلني أهيب بالأستاذ حامد بان يفسح المجال أمام قلمه للكتابة مباشرة حول / مع / داخل / بين النصوص، دون الانشغال كثيرا بالتنظير.. ولا أعني بالطبع إفلات المنهج، إنما إمساك العصى من المنتصف، التخفيف من العروض النظرية الجافة.. والتركيز على إعمال المنهج في التطبيق.. وما حدث في فقه الفوضى أن العرض النظري لم يكن بمستوى التطبيق المدهش من وجهة نظري، فقد انشغل الناقد بعرض نظري أقحم فيه أكثر من نظرية لا تخدم التطبيق، مما أخل بالعرض، وكان يمكنه الاقتصار على النظريتين المشتغل ضمنهما: أعني نظريتي فش، وايكو.. وعدم تركهما مائعتين وسط مصطلح عمومي يجمع مناهج القراءة كلها تحت ملفوظ مختزل (نظريات القراءة ) أو (مناهج القراءة)، يحجب حقيقة تنوع مناهج القراءة العريقة في النقد الغربي: السيميائي والبنيوي والتفكيكي والاسلوبي... الخ، والتي تداخلت مع مختلف مناهج النقد منذ استقلالها بالمصطلح قبل أكثر من ثلاثين عاما، واستقلت فروع كبيرة منها بمنظورات مختلفة.. كما عند ايكو مثلا..
انطلاق قلم حامد بن عقيل في الجانب التطبيقي من كتابه جعلني أحلم بنشاط نقدي مواز لفقه الفوضى، ينزل الى الساحة، ويخرج من نطاق العمل النظري المقيد للنقد، لا سيما وأن كثيرا من نقادنا الشباب لا زالوا مقيدين أقلامهم بحمى التنظير.. والحوم حول حمى المصطلحات دون الوقوع في استعمالها.. مما ينتج كثيرا من صور النقد الأعرج، المحتمي بفخامة اللغة دون الخوض في معامع النصوص..

وجدت نفسي بعد قراءة الكتاب وقد تحطمت كل توقعاتي المسبقة، ووقعت فيما يسميه التأويليون تصادم الافاق (مع استبدال مصطلح الانصهار)، ذلك أن واقع القراءة ألغى التوقع المسبق في اصطدام غاضب، غيرة للناقد المظلوم داخل كثير من الأدباء النقاد، وكثير منهم كان له بصماته في تاريخ النقد قديمه وحديثه..

من وقفاتي على الكتاب ما يتعلق بلغته، اللغة في فقه الفوضى لغة نقدية متوازنة، تحترم الجانب التواصلي كما لا تصادر الجانب الجمالي حين تصف لغة النص وجمالياته.. لغة تشير بقدر ما ترمز _عرضت للغة النص النقدي في مقال يتيم نشر منقوصا في جريدة اليوم / عدد يوم الخميس 12 ربيع الثاني الماضي.

بقي أن أشيد بنص الرواية، التي كانت الدافع الأصل لقراءة بهذا الجمال، وهي رواية _بالنظر لما أثير حولها_ ظلمت كثيرا وهضم حقها من التقدير. رواية تقوم على التكثيف والاختزال لبنية فكرية معقدة، تتضمن داخلها تراكبات من البنى: المجتمع / الوطن / الأمة / العالم /: ومفتوحة باتجاه أكبر قدر من القراءات كما كل عمل أدبي جميل..

حقيقة: كنت أتوقع أن تكون القراءة موظفة باعتساف التنظير لصالح الرواية، بالنظر إلى حجم الرواية الصغير، وهو أمر يدخل تحت ما أسميته في حوار آخر فتنة النظرية، لكني وجدت الرواية مكتوبة باحتراف، والدلالات الجميلة التي أبحرنا معها في القراءة المقدمة هنا مقصودة من قبل الروائية الجميلة ليلى، ومنثورة في كل زاوية من زوايا روايتها، بل لقد وجدتني وأنا أتجاوز عالم فقه الفوضى لأكتشف عوالم أخرى في فضاء النص الصغير، ولم يكن صغره الا علامة على مهارة التكثيف والاختزال على مستوى السرد لا اللغة وحدها.

ويقودنا هذا الحديث لنقطة منهجية مهمة في فقه الفوضى: كون الناقد اعتمد منهج إيكو / وهو منهج يعنى بفكرة القصدية: قصدية الكاتب، قصدية القاريء، وحتى قصدية النص المتضمنة في عمل لغته باستقلال عن نوايا كاتبه.. وفي هذا الاطار استخدم الناقد شواهد من كلام المؤلفة، في انسجام مع سيميائية ايكو التي يتوخى فيها احترام حياة الكاتب في نصه.. هذا مع ملاحظة وجود بعض الشواهد زائدة ومقحمة على موقعها التي وظفت فيه..

وهنا أعود لأؤكد أن الرواية بمقصدية كاتبتها المعروضة عبر لغتها وتقنياتها السردية تدعم القراءة، والدلالات التي خرجت بها.. مما يؤكد انسجام بنية القراءة، وهو شرط أساس مهم للحكم على نجاح أي عمل نقدي، أعني ما يشير اليه النقاد تحت مصطلح( التآلف ).. وهو مصطلح اعتنى به على الخصوص نقاد مناهج القراءة، الذين عدوا بناء التآلف هدف أخير لأي قراءة تنشد الرضى والاكتمال..

وأشير مرة أخرى لمقولة للزميل الرويس متابعة لتعليقه السابق:
" وذلك لإيماني التام بان الفردوس اليباب لا تحتاج إلى تأويل
لقد كفتنا الكاتبة مؤنة التأويلات بلغة السرد الواضحة والمباشرة وتسمية الأشياء بأسمها الصحيح وتحديد إتجهات العمل ! "

و أقول:
إن القراءة في فقه الفوضى لم تكن قائمة على اللغة وحدها، وقد يكون مصطلح التأويل في ارتباطه باللغة في تراثنا الأصولي هو من يوحي بهذا الظن.. بينما مرجعيته النظرية الحديثة تتجاوز المنطقة اللغوية بكثير. في فقه الفوضى نجد التأويل يطال السرد ككل، من منظور الدلالة، والدلالة في فقه الفوضى لم تكن تأتي من اللغة وحدها. لقد وجدتها تأتي من الحدث، ومن الشخصية، ومن اللغة، ومن أبسط تقنيات السرد كما أجلها.. وهنا أعيد التأكيد على جودة الحس النقدي لدى الناقد، واستيعابه للمنهج الذي يعمل ضمن مقولاته، بغض النظر _مجددا _ عن ارتباك العرض النظري لهذه المقولات..

وهنا أشير إلى ما سبق وأثير حول لغة الرواية وكونها موغلة في الشعرية، والنقد السردي يعد هذا عيبا من عيوب السرد ما لم يوظف باتقان، وهي حفرة وقع فيها الكثير من روائيينا العرب، وما وجدته في فردوس ليلى كان لغة متوازنة، توظف الشعرية لغرض التكثيف السردي، شعرية تخدم الحبكة الروائية القائمة على الاشارة للكثير في جسم حدث واحد أبطاله ثلاث شخصيات..

هذا مع كون الناقد في فقه الفوضى اعتمد هذا المعيار غير الدقيق، حين وصف لغة ليلى بالشعرية وعزى ثراء النص لهذا العامل كثيرا، دون أن يفرق بين شعرية السرد ككل وشعرية اللغة السردية، مع كونهما منطقتين مختلفتين من العمل السردي.. شعرية السرد: تقنية سردية تقوم على تكثيف العرض وتوظيف الحبكة بعناصرها _ومنها اللغة_ في هذا التكثيف الذي هو من سمات الشعر، ولهذا أطلقت عليه: شعرية السرد. أما شعرية اللغة فهي هي، أعني أنني لا أجد حاجة لشغل المساحة بشرحها هنا.

باختصار، يعد الكتاب إضافة نقدية مبهجة من جهات:
- كونه يحمل عملا نقديا مشرفا لكاتبه وللساحة النقدية الوطنية
- كونه يشتغل في مجال الابداع المحلي المفتقر للنقد والتوجيه وتقديمه للعالم
- كونه يتفاعل مع النص في حب وتواضع بإخلاص بدلا من أن يستعمله في استعراض لغوي فارغ.

وفيما يخص الجانب النظري في فقه الفوضى، لاحظت عناية الناقد بأن لا يزعج القاريء بالمصطلحات، لكنني حبذت أن يختصر من عدد النظريات التي عرضها من الأساس، بدلا من أن يضعها مجملة ثم يختزلها في اختصار مربك.. ذلك أن العناية بالقاريء لا تكون على حساب المنهج..
وهنا أشير إلى بعض ملاحظات حول المصطلح النقدي في الكتاب، وبعض المصطلحات المطبقة.. أحب أن أعرض لها هنا باختصار:

- مصطلح الايحاء، وجدت الكاتب يستخدمه بطريقة لا تخرجه من نطاق مصطلح (الشعرية ) ونعلم جميعا أن الشعرية ترتكز على الايحاء مع التكثيف.. فماذا لو تم استعمال مصطلح (الشعرية ) مكان الايحاء وتصريفاته.. وذلك سيخفف من عدد المصطلحات المستعملة لصالح القاريء طبعا..

- في مناقشة عنوان الرواية وجدت الكاتب يستعمل مصطلحي: ( الاطلاق) و ( التقييد) في شرح وظيفة الصفة من منظور نحوي تقليدي، وأعجبني جدا التفاتته الذكية لوظيفة الصفة في نزع الدلالة بدلا من تقييدها، مما يسهم في فتح المعنى بدلا من اغلاقه / وهنا وجدته يشرح التقييد والاطلاق بفتح الدلالة وإغلاقها كما تتداول في النقد الحديث.. ثم يعود لاستعمال التقييد والاطلاق في تطبيقه هو، حين قرأ دلالة العنوان.. ومجددا: ماذا لو تم الاكتفاء بمصطلح التقييد والاطلاق حين تعرضه في النحو القديم وحده، ومن ثم تبدله باتفاق مع القاريء بمرادفه في النقد الحديث: فتح الدلالة واغلاقها.. وهما مصطلحان سيستدعيان في ذهن القاريء مصطلحي النص المفتوح والنص المغلق مما يخدم القراءة انسجاما وسهولة..
- تمنيت لو توقف الكاتب عند مصطلح الدلالة في الجزء النظري وتطرق إلى ان الدلالة موظفة في الكتاب بحيث تشمل كل جوانب السرد وتقنياته وليس اللغة وحدها.. لأن ما هو موجود هو عمل عميق على الدلالة، لا يعبر عنه العرض النظري المختزل..

-  بالنسبة لنظرية ستانلي فش: أجدها مركزية في الكتاب، وتطبيقها جميل، لكن الكاتب لا يشير اليها مستقلة، بل يدمجها ضمن النقد التأويلي ونظريات القراءة.. مع أنها تخدم النص النقدي وحاضرة فيه بقوة.. وأحب أن ألفت نظرك لجانب نقدي مهم: وهو أن ستانلي فش وجهت لنظريته ماخذ من أهمها أنها تركز على اللغة، مما يجعلها لسانية محضة.. كما قال عنها ايزر.. بينما أجدها موظفة في الكتاب بحيث تشمل مستويات السرد كافة، حيث قابل الكاتب التقنيات السردية بعضها ببعض، وتتبع اشتباكاتها، وهذا توسيع للنظرية واضافة تحسب للكاتب فلم تهمل الحديث عنه والتوسع فيه ؟
- 
على سبيل المثال لا الحصر: شخصية صبا قبل حدث الخطبة وبعدها.. وكيف انحنى مسار الشخصية بعد الحدث، ويذكرنا هذا بمقولة فش حول تغير وقع مفردة ما حين تشتبك بالمفردة التالية.. وهذا هو المرتكز الزمني لنظرية فش.
- مجددا مع فش:
ذكر الكاتب مصطلح ارجاء الدلالة عند شرح النظرية، وهو مصطلح لا يرد عند فش _حسب علمي_ كما أنه مصطلح علم على تفكيكية جاك دريدا، فلا ينبغي ايراده هكذا مدغما دون تفصيل وإشارة لو في الهامش لدريدا..

أيضا هذا المصطلح لا يخدم مقولات فش.. فبحسب فش: المعنى هو أثر على القاريء، وهذا الأثر يتطور: تعديلا، نقضا، دعما.. بمضي القاريء في زمن القراءة، وزمن القراءة هو تراكم مفردات النص وتتاليها على الصفحة البيضاء _ كما يعبر فش _ وهو مساو لترتيب مرورها على عين القاريء، بحيث تؤثر كل مفردة في وقع المفردة السابقة لها، وتتأثر بها أيضا..

وهكذا لا نجد الإرجاء هنا إلا بمعنى سطحي: وهو كون المعنى لا يكتمل إلا بنهاية الجمله.. وهذه محصلة بديهية لم يقف عندها فش بحسب علمي أيضا..

وعلى هذا المنوال... لا ينصف العرض النظري المرتبك في فقه الفوضى التطبيق المدهش والمبتكر والمفتوح باتجاه الأجمل..

في النهاية أشكر الأستاذ حامد بن عقيل أن أتاح لي فرصة الاطلاع على كتابه بإهدائي نسخة من الكتاب، وهو تقدير ينضم إلى ما له من أياد عندي في تشجيع قلمي ودعمه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى