السبت ٨ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٢
بقلم عايدة نصرالله

لحظات دراماتورغية إلى قاسم مطرود

حبر أحمر اللون يتساقط ببطء في أنبوب معلق.

يحمل قلمه ودفتره يغرق في أحلامه.

كم سكبت حتى الآن من حبري؟

ليس بالكثير

سيحتاج الأمر حياة أخرى لكي أسجل ما رأيته، هنااااك الكثير، عن الأحذية التي غادرت أقدامها، عن رائحة الليمون تحت شباك جدتي القديمة، تلك الرائحة التي أشمها عبر الأثير تقص علي اختفاء الجد في يوم قائظ، وسنوات انتظارها وهي تحني شعرها وتكحل عينها «بالمرود» ليعود إليها بكامل عتاده، وأنا أرقب هذياناتها حتى غادرت وهي تحمل الليمونة فوقها والحناء لم يجف بعد.

عن رحيل الماء من الآبار، عن رحيل شفافية اللون من ماءها، قبل أن تسترها الجثث، عن أشجار النخيل التي أجبرت على الانحناء وارتفعت رغم السياط، عن النهرين الذين غيرا مجراهما للهروب من الدم، عن سلال الفواكه التي فرغت قبل أوانها، عن الأسواق التي غادرت مهمتها، والمخابز التي فغرت فاها مع الرماد.

جاء الطبيب، غرز إبرة في الكيس المعلق ليمرر الدواء عبر الأنبوب الى دمه.

ينظر إلى الكيس يراقب قطرات الدواء

"هذه القطرات غريبة، هل معقول أنها ستقضي على ذلك المجرم الذي يتربص بي؟

إما أنا وإما هو وسأريه.

قلت لها " سترين سأنتصر عليه حتى أرى كتابك عني"

ينظر ثانية لقطرات الدواء.

"مجرد اختراع زائف اسمه دواء"

يشعر بألم في يده مكان الإبرة

لا باس، أتحمل ساعة مرور هذا السائل المبهم. ومن ثم سأذهب غدا للحمام لأكنس كتلة من الشعر عن الأرض.

أبتعد عن الخروج او اللقاءات الصحفية مدة ما حتى يظهر الشعر مرة أخرى.

سأفترض أني حلقت راسي إتباعا للموضة. لا باس.

يشعر ألما مبرحا. يصر على أسنانه.

لا..لا يجب أن تتألم، وراءك الكثير مما تكتبه، هناك وصايا الأعمام والأخوال، الذي تركوا قبورهم منبوشة، ولكن الحمدلله وصاياهم لم تضع، لهذا لن ادعه يخذلني حتى اكتب وصاياهم

كل جثة كانت تريد أن تقول شيئا ما قبل أن تتعفن. صحيح أني جعلتها تحيا من جديد، فانا لي قوة تحيل الأموات إلى الحياة من جديد.
يقهقه.

يرتفع صوت قهقته. تأتي الممرضة على صوته.

تنظر في ملفه المعلق على سريره، تفحص النقاط التي تتسرب إلى وريده.

لا خطأ، فهو نفس الدواء وليس سائلا مسكرا

لكنه يستمر في القهقهة.

تبتسم الممرضة، تمسد على رأسه بخفة وتخرج

قبل ان تسافر أمي سفرتها الأبدية، أصرت على رؤيتي، لكني اعتذرت لها بمئات الصفحات أني سأكتب عنها بعد موتها، وقلت لها "موتي مستريحة يا أمي، فأنا مدان بالرحيل والنفي القسري من جفونك"
ماتت .

هي أيضا تنتظر كتابة وصيتها. كلهم ينتظرونني، كلهم يحملونني أعباءهم، والصناديق المفروشة لتحتضن البقايا ما زالت تنتظر لأن ارسمها صندوقا صندوقا، بما فيها من أيدي، أرجل، وفتات لحم مشوي. ياااااه كم سيستغرق هذا من الزمان. علي أن أنتصر على هذا الوحش الذي بداخلي.

هو قرار القيادة. نعم. قررت ان اكون دكتاتورا لكي انتصر عليه، سأعدمه حالا
غريب. استعمل مصطلحات القيادة. لا أجمل من قيادة النص، ولا اروع من تسلط النص علي، لهذا سأمنح للنص السلطة المطلقة في الانتصار على هذا الوحش.

تمر ساعتان. تأتي الممرضة، تسحب كيس الدواء من يده. يتنفس الصعداء. ويسألها. يفتح الجارور المحاذي لسريره يخرج الدفتر والقلم ويكتب.

"تحت شجرة الليمون، أمام بيتنا الهناك، الهنااااااااااااك، ماتت أمي وفي ريقها الأخير وقف اسمي على حدود الموت والحياة في شهقتها الأخيرة..قالت ..قااااااااااااااااا... وماتت، وتحت ظل الشجرة أتوا بأخي مقطع الأوصال من هنااااااااااااااك، ورتبوه في الصندوق بشكل لائق، وعندما انفجر المكان، تناثر الصندوق. عليَّ ترتيب الأشلاء إذن من جديد، سأمنح الأشلاء لصديقي الفنان ليعيد ترتيبها في لوحته، اليس نعيش من ذلك، ...."
سأتصل به حال.

يحول جسده إلى جانبيه، يرفع سماعة الهاتف. يضرب الرقم، من الجهة الثانية يرد عليه رجل ألو ألو

بينما تبقى السماعة معلقة في الهواء.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى