الجمعة ٣٠ آب (أغسطس) ٢٠١٩
قراءة في مجموعة شعرية لأفراح الجبالي
بقلم الهادي عرجون

لابد من قوس لنهرها في «نيابوليس»

بثوبها الأزرق الذي يغلب عليه الاعتدال و الصفاء و الاستقرار، كما يعكس الانعتاق والتحرر والإحساس والعبقرية ويفتح الأفق للخيال، تطل علينا الشاعرة التونسية أفراح الجبالي بمجموعتها الشعرية التي اختارت لها من العناوين " لابد من قوس لنهرها في نيابوليس "صادرة عن دار آفاق- برسبكتيف للنشر بتونس، ضمت بين صفحاتها الـ 168 مجموعة من قصائد النثر كتبت بحرفية شاعرة و بريشة رسامة ترسم خطوط الفرح و الكآبة و الإنعزال، تستعمل لون الروح وصفاء القلب و هي تخيط من الكلمات و من دقات قلبها نصوصا تزدحم فيها المشاعر بالإيقاع والوجع بالألم والطبيعة بالجمال، لترسم على مقاعد الأكاجو بريشة الآنسة الزرقاء زهرة المارغريت وعلى شفة الذئب الأزرق تعوي الريح بأصوات الغياب و هي تلبس فستانها القطني الأزغب ليلة السقوط من كل الحكايا الخارقة ليولد الشعر و نكتشف رسم الكلمات و تطابق اللوحة مع إيقاع الشعر ليصير المستحيل ممكنا و الصورة ظل اللغة و مزارا للتجريب في لغة الشعر.
لننطلق من عتبة العنوان " لابد من نهر لقوسها في نيابوليس" فالعنوان لا ينطق عن الهوى بل يأتي لإثبات شيء واقع في نفسية الشاعرة التي تريد أن تصنع قوسا لنهر مدينة نيابوليس (نابل) ليحميها من خطر الفيضانات التي اجتاحتها و أغرقتها:
" عندما تسقطين باكية
مذهولة من الفيضان المرتفع لكذبه المتكوم قرب الأشياء
المختفية
التي تركها وراءه (أتركها؟؟)
في الغرفة المبعثرة ..."(ص68)
كما تبحث عنه في لوحة ترسم فيها فراغا شاسعا برائحة المطر لتتحول إلى زهرة و لكن ماذا عسى لزهرة أن تقول؟ نعم يمكن لهذه الزهرة أن تأخذ قوسا لنهرها الرقراق شعرا سلسبيلا لذة للقارئين و السامعين لتحلم - رغم أنها تقول:(لا لوح لي. لا نوح عندي)- بسفينتها التي أخذت فيها من كل زوجين اثنين:
" ... السفينة مزدحمة
والقصر ضيق
الـ"أسنصير" ليس على مقاس جنوني
و ضفدعة الحكاية التي وعدتني.تخذلني.و تتركني
مذهولة أمامك كراهبة
و أدخل فيك هاربة
و من زوج من الزراف. و زوج من البط. و زوج الفيلة و القردة و الدود و من.
أدخل فيك هاربة
و أرى المياه تحيط. وأفكر أنه المحيط. و أنا المبلولة الملعونة..."(ص128).
لنكتشف معها أن القصيدة ليست مجرد إحساس نبحث عنه في ثنايا الكلمات فحسب بل هي إحساس متجسد في روح الشاعرة و كلماتها و أنفاسها لينفرد النص بلغات متعددة تنسج خطوطها لتفتح أبواب الفنون بمختلف مشاربها ليفيض الشعر رسما و يفيض الرسم شعرا، يسبح في روح قلقة تفتح قلبها و ترفعه ليسقط التوت، نعم ليسقط توت الشعر بين كفيها ولا يسقط الحب، حب نيابوليس.
تقول أفراح عن كتابها إنه دعوة لمحاولة التكلم مع العالم تصويرا و تخيلا... و محاولة للولوج إلى أنفسنا و العودة من هناك بسعادتها الخاصة في فرادتها ... سعادتنا الأكثر إقترابا و حميمية ...شعرا شعرا. كأنها تخاطب " فرجيل " و هو محاط بآلهة الإلهام:
" ... جرفك البحري
تمثالك المتوسطي.
ظهيرتك ذات صيف بماء أزاهيرك الناجية.
أخذنا فرجيل
ثم
لم نتعلم الشعر غير أنا
لم نتعلم الشعر غير أن المرجان الصغير الغارق هذا: غامق"(ص98).
و هنا لسائل أن يسأل لا أدري هل جذبتها الكلمة من اللوحة و عشقت القلم على حساب الريشة؟ و لكن يبقى الحنين للرسم هو الغاية و المقصد، و مع هذا فكلاهما مكمل للآخر و آخذا بناصية الآخر فهي حين ترسم تسقط الكلمات بين يديها و عندما تكتب يسير لعاب الألوان من ريشتها.
" آخذ الأيام أعجنها
أصنع منها لوحة فيها زهرة زعرور، و أسألها
هل تفهمين أحلامي؟
أحيانا تقول أنها تفهم
و أحيانا تسكت ...لا يهم
أرسم فراغا شاسعا برائحة المطر
يظل يتسع يتسع
أمشي فيه و أغني"(ص41).
لنكتشف معها وعي الصورة و التصور، وعي الرسم بالكلمة لينتج الوعي بالجمالية الشعرية التي ترمي تحقيقها و التحليق بها، و هو ما يجعل شعرها مستمد من تراجيديا إغريقية قديمة كما تستند إلى فلسفة في الكتابة التراجيدية لتعبر عن مآسي المجتمع ليكون مادة الشعر في النهاية ذاتي و إنساني.
" الثوب الأزرق الذي لم تهدني إياه
كويته البارحة بآلة ساخنة
ثم علقته بجانب الحلم المعلق
في الخزانة و خرجت
مازلت تحت الخروبة ذاتها
ألعب بقلوب المشمش و الطين
معي عائشة و حليمة و امرأة أخرى بلا اسم
لا أعرفها
قلبي (ذاك) قلبي الراكض عكس اتجاه البحر
سأسويه سماء..."(ص11).
كما يتجلى مثلا في قصائدها، مثل قصيدة (اللحم البارد - عندما يموت الأب – الذئب الأزرق- كنت أدرك أن موتي مستحيل ...) و غيرها من النصوص، و هو نفس تراجيدي استعمل كثيرا في الشعر الحديث وسيلة لبلوغ المعاني الحديثة و المستحدثة و قد ظهر هذا النوع من القصائد مع بدر شاكر السياب في عدة قصائد مثل قصيدة " المسيح بعد الصلب " و من رؤيا فوكاي" و غيرها ... تقول في مطلع قصيدة " إيكو" و التي يختلط فيها التاريخي بالواقع لتشير للفيضانات التي عمت مدينة نابل (نيابوليس). (ص116):
" أجمع أطرافك إيكو. شعرك. عينيك. ظلمتك أثينا
حزنك أكبر من الحب. و النرجس قسا
ينزل المطر على نيابوليس الليلة كالليل.
و أنا في أسفل السفينة
أجمع أطرافك إيكو. شعرا. وعينين.
و أسمع خلف الستارة المرخاة
ضجة صامتة تهذي.
كتلك التي نسمعها في أيامنا المتوحدة تحت قشرة بيضة"
و في الختام يمكن القول أن كل كلمة عند الشاعرة أفراح الجبالي أشبه بخط من خطوط الريشة تستعمله لرسم الملامح وتحديد السمات ليبرز ذلك الرسم كائنا شعريا حيا. هذه اللمسات العجيبة من الريشة المبدعة في رسم الكلمات نحتت صورا أشبه بعملية ولادة منحوتة رسمت ملامها و جعلت لها بصيرة و لسانا فصيحا يعبر عن ذاته و هو ما يجعل الشعر سابقا لمختلف الفنون على رأي أدونيس " الفعالية الشعرية متجهة إلى المستقبل لا الماضي، أي أن الشعر لا ينحصر في ما هو كائن بل يتجاوزه إلى ما يكون ".
لنوغل معها في ماء القصيدة و حبرها وألوانها و ظلالها، نعم هو إيغال في بحر الكتابة و ضياء اللوحة التي تصارع الألوان و الألفاظ و تبحر في ذاكرة الشاعرة جملة الحالات الوجودية التي تكابدها من وجع و حزن و قلق لتفضح الواقع لا لتهرب منه، فيغدو حزنها لحنا و فرحها إيقاعا و رسمها آهات تعكس ألوان الفرح المصاحب لإيقاع النص لتصطدم بظل اللوحة و نورها تارة و دفء الكلمات و رقة المعنى تارة أخرى، لنكتشف معها روح شاعرة و رسامة أبحرت في فنين مختلفين و لكنها كانت ربانا ماهرا لكل من الشعر و الرسم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى