الخميس ٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٩
بقلم سلوى أبو مدين

ولد الشاعر ايليا ابو ماضي في لبنان 1889


ولد الشاعر ايليا ابو ماضي في لبنان 1889 ويعد من شعراء المهجر في أوائل القرن العشرين، وأحد مؤسسي الرابطة القلمية، نشأ في عائلة بسيطة الحال لذلك لم يستطع أن يدرس في قريته سوى الدروس الابتدائية البسيطة؛ فدخل مدرسة المحيدثة القائمة في جوار الكنيسة. وعندما اشتد به الفقر في لبنان، ثم رحل إلى مصر عام 1902 بهدف التجارة مع عمه الذي كان يمتهن تجارة التبغ، وهناك التقى بأنطون الجميل، الذي كان قد أنشأ مع أمين تقي الدين فاُعجب بذكائه وعصاميته إعجاباً شديداً ودعاه إلى الكتابة بالمجلة فنشر في مجلة "الزهور" أولى قصائده وتوالى نشر أعماله، إلى أن جمع بواكير شعره في ديوان أطلق عليه اسم "تذكار الماضي" عام 1911م ، وكان أبو ماضي يبلغ من العمر اثنان وعشرين عاما

اتجه أبو ماضي إلى نظم الشعر في الموضوعات الوطنية والسياسية، فلم يسلم من مطاردة السلطات، فاضطر للهجرة إلى الولايات المتحدة عام 1912 حيث أقام فيها مدة أربع سنوات عمل فيها بالتجارة مع أخيه ، ثم رحل إلى نيويورك وفي بروكلين، شارك في تأسيس الرابطة القلمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية مع جبران خليل جبرانوميخائيل نعيمة.

أصدر مجلة "السمير" عام 1929م، التي تعد مصدراً أولياً لأدب إيليا أبي ماضي، كما تعد مصدراً أساسياً من مصادر الأدب المهجري..

يعد إيليا من الشعراء المهجريين الذين تفرغوا للأدب والصحافة، وقد اشتهر بفلسفته التي تطغى عليها نزعة التفاؤل وحب الحياة والحنين إلى الوطن.

يُنسب إيليا ؟أبو ماضي إلى الرابطة القلميَّة الذين استوطنوا في أمريكا؛ واستطاعوا أن ينشئوا صحيفة يومية، بمختلف اللغات!

ومن هؤلاء المهاجرين كذلك جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وأبو ماضي.

وفاته: توفي إيليا أبو ماضي عام 1957

أمسكتُ بكتابه ووقفتُ عند كلِّ منعطف أرتوي من ذاك الفيض الآسر، فتدور مآسي الحياة عند كلِّ منعطف فتتراءى لي زفرة الحياة ومنغِّصاتها المتعبة، ثم ألمح، ذاك البريق الأخّاذ. وما أن أقف في إحدى المحطات حتى أطوف حول ما تخفي أسرار الحياة!.

منابع ثقافة الشاعر:

طالع أبو ماضي بعض القراءات الخاصة فلوَّنت ثقافته حتى استطاع أن يكتب بلغة سلسة سليمة، وامتلأ أسلوبه بالرَّوعة والدقة والتصوير الرائع، كما كانت صوره توشِّح أشعاره بفيض من الإنسانية، وتسرد تأمُّلاته، كما أنّ شعره يحمل فلسفة أحاسيسه ومشاعره.

أغراض شعره:

تعدّدت أغراض شعره وفقما اختلج في نفسه، وكيفما سارت في فلك التفاؤل والتشبت بالحياة فقد خاطب الجمال بقوله:

أيها الشاكي! وما بك داء
كن جميلاً ترى الوجود جميلا

كما أنّه يدرك ما تختلج به النفس من هموم وآلام فيقول:

ليس يدري الهمَّ غيرُ المبتَلى
طال جنحُ الليل أو لم يطل

ويحاول أن يطرح اليأس جانباً فيخاطب المشتكي:

كم تشتكي وتقول إنّك معدم
والأرض ملك والسماء والأنجم

هكذا فلسف الحياة ورسم التفاؤل, وحلّق في الأفق بين النجوم البرّاقة، وجاب الرَّوض بمرتعه من جمال الرَّوض فرسم هذه الحقيقة في أسلوب رشيق:

ابسمي كالورد في فجر الصباء
وابسمي كالنجم إن جنّ المساء
وإذا ما كفّن الثلج الثرى
وتعرّى الزهر من أزهاره
فاحلمي بالصيف ثم ابتسمي
تخلقي حولك زهراً وشذاء

وأبو ماضي صوَّر الحياة بألوانها الموشّاة بما فيها من خير، وقاتمة بما اصطبغت من شر، فيقول:

كن بلسماً إن صار دهرك أرقما
وحلاوة إن صار غيرك علقما

وهو هو ينشد فلسفة الحياة في قصيدته:

والذي نفسه بغير جمال
لا يرى في الوجود شيئاً جميلاً
هو عبءٌ على الحياة ثقيل
من يظنُّ الحياة عبئاً ثقيلاً

ومن روائع ما كتب قصيدة الطين القصيدة في جملها تدور حول دعوة المتكبرين للتواضع من خلال ، يبدأ الشاعر الأبيات من منبت الإنسان (الحقير) فهو طين مهين و لكته ينسى وضاعة منبته ، فإذا هو متجبر معربد متكبر يتباهى بلبس الحرير و كثرة الأموال.

و قد لجأ الشاعر إلى أسلوب الاستفهام كثيراً للإثارة و تأكيد المعاني و تعميق إحساس القارئ بما يدور في ذهن الشاعر ووجدانه.

نسي الطين ساعة أنه طين
حقير فصال تيها و عربد
و كسا الخزّ جسمه فتباهى،
و حوى المال كيسه فتمرّد
يا أخي لا تمل بوجهك عنّي،
ما أنا فحمة و لا أنت فرقد
أيّها المزدهي. إذا مسّك السقم
ألا تشتكي؟ ألا تتنهد؟
و إذا راعك الحبيب بهجر ودعتك الذكرى ألا تتوحّد؟
أنت مثلي يبش وجهك للنعمى و في حالة المصيبة يكمد
أدموعي خلّ و دمعك شهد؟
و بكائي ذلّ و نوحك سؤدد؟
وابتسامتي السراب لا ريّ فيه؟
و ابتسامتك اللآلي الخرّد؟
فلك واحد يظلّ كلينا
حار طرفي به و طرفك أرمد
قمر واحد يطلّ علينا
و على الكوخ و البناء الموطّد
إن يكن مشرقا لعينيك إنّي
لا أراه من كوّة الكوخ أسود

لعلّ أبا ماضي واثق من إرادته ليعيش الحياة دون أن تفرض عليه حصارها أو سجنها، فيصارع الهمَّ ويزرع الفرح رغم ما يعتري الإنسان من منغِّصات تستحوذ على النفس، إذ لا بدّ من التَّغنِّي بالجمال حتى يتحوَّل إلى قالب يحيى داخله ويعكس أطيافه فيه.

هكذا كان إيليا أشبه بطائر يحلِّق عالياً ولا يملّ الطيران، فأشعاره رياض ملأى بالأزهار الفوّاحة والفراشات الملوَّنة والبلابل المغرِّدة، فهو ينقلنا من زهرة إلى أخرى ننعم بذاك العبير، يحملنا على شعاع نجم ساهر نملأ من خياله الفيّاض قطرات النّدى تنساب على وريقات خُضر عبر صباحات جميلة.

وما أروع أغراض شعره، وما أجمل تحليقه عالياً، حتى نكاد نلمس النجوم ونطوف بين أفياء الكون الفسيح.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى