الثلاثاء ٣ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٩
بقلم محمد زكريا توفيق

رينيه ديكارت


في عصر النهضة الأوروبية، كان يوجد عدد من الفلاسفة. لكن أول فيلسوف عظيم أقام صرحا فلسفيا متكاملا حديثا، هو الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596-1650م).

لم يكن ديكارت بهي الطلعة، وسيم السحنة، أو جميل الوجه، لكنه كان فطنا شديد الذكاء. يبدو أن الذكاء ليس له علاقة بحسن الطلعة وجمال الوجه.

بينما كان رينيه جالسنا في بيته يكابد الملل والسأم، أخذ يسلي نفسه بمراقبة ذبابة كانت تطير بالقرب من أحد أركان الغرفة. الذبابة تضخم الصمت المطبق بأزيزها وطنينها، وتطير في اتجاهات غير متوقعة.

وإذا بخاطر يأتيه فجأة، وهو أنه يستطيع تحديد مكان الذبابة في الغرفة بالنسبة لأبعادها عن الحائطين والسقف. هذه إحدى شطحات العلماء وطريقة تفكيرهم التي تميزهم عن باقي الناس. الإنسان العادي يجري خلف الذبابة ببخاخة الفيليت ليقتلها، لكن العالم يقوم بدراسة حركتها.

هذه الفكرة البسيطة، جعلت ديكارت، بصفة مبدئية، يتبوأ مكانا مرموقا في بانثيون عمالقة الفكر، لاكتشافه أصول الهندسة التحليلية. وهي هندسة تُعرّف الأشكال الهندسية بالنسبة لأبعادها عن محاور معينة ثابتة. بذلك أوجد ديكارت علاقة وطيدة بين علمي الهندسة والجبر، ساعدت في حل الكثير من المعضلات الرياضية. وجعلت علم التفاضل والتكامل ممكنا. بذلك يكون علم التفاضل والتكامل مدينا بالشكر والعرفان للذبابة المنزلية.

بعد أن أسدى ديكارت أفضاله التي لا تنسى إلى الرياضيات، كان على وشك نشر مؤلفا له في الفيزياء. لكن، عندما نما إلى علمه أن جاليليو جاليلي، العالم الإيطالي، قد تم القبض علية منذ 17 سنة مضت، لنشره أفكارا مشابهة لأفكاره هو في الفلك. ذهب ديكارت يجري كالمجنون في الشارع، ناسيا وقار العلماء، حتي يلحق بالناشر في الوقت المناسب، ويمنعه من نشر كتابه.

كانت جريمة جاليليو أنه بحلق في تليسكوبه البدائي والذي اخترعه حديثا، فوجد أن كوكب المشتري له أربعة أقمار تدور حوله. الأرض لها قمر واحد، فضي جميل الطلعة يدور حولها.

لماذا سببت اكتشافات جاليليو الفلكية مشكلة كبيرة لرجال الكنيسة الكاثوليكية؟ لأن إرث العصور الوسطى كان يقول بمركزية الكرة الأرضية. الأرض تقع في مركز الكون، والسماوات الطباق تغلفها، سماء وراء سماء مثل البصلة، أو رأس الكرنبة.

بدأت الشائعات في ذلك الوقت تقول بأن الشمس هي مركز الكون وليست الأرض. هذا كفر والعياذ بالله. أي عالم أو فيلسوف يدعي هذه الإشاعة، يستحق الشلح من الكنيسة والعقاب الشديد. لذلك أعدم الفيلسوف الإيطالي برونو بالحرق حيا من قبل، وسفهت أفكار كبلر وقبض على جاليليو.

إنا نرى القمر يدور حول الكرة الأرضية، وكذلك الشمس. فمن يجرؤ على القول بأن الأرض ليست هي مركز الكون. لذلك، عندما يأتي جاليليو ويقول أنه شاهد بتليسكوبه أربعة أقمار تدور حول المشتري، فهذا يقلب نظرية مركزية الأرض رأسا على عقب. هنا نجد أقمارا تدور حول أحد الكواكب، وكان من الأحرى أن تدور حول الأرض. المشتري له 67 قمرا تدور كلها حوله، لكن أكبرها هي أقمار جاليليو الأربعة.

خطأ مركزية الأرض، يمثل أول نسف لكبرياء الإنسان وغروره. وأول معارضة علمية لما تقوله الأديان السماوية الثلاث، بأن الكون كله قد خلق من أجل الإنسان.

الإعصار الثاني جاء مع نظرية التطور لداروين، التي تقول بأن الإنسان ما هو إلا حيوان مثل باقي الحيوانات.

أما التدمير الثالث لكبرياء الإنسان، فقد جاء على يدي سيجمان فرويد. حينما قال بأن الإنسان ليس فقط حيوان، لكنه أيضا حيوان مريض نفسيا. ما جاء به جاليليو كان شيئا غير محتمل. لهذا أودع غيابات الجب.

كان ديكارت كاثوليكيا معتدلا. وكان يعتقد بأن الكنيسة قد أخطأت خطأ كبيرا لمعارضتها جاليليو. كان من رأي ديكارت، أن الدين والعقيدة، إذا حاولا التصدي ومعارضة موجة التقدم العلمي الكاسحة، بدلا من التواؤم والتوافق معها، فإن التقدم العلمي في هذه الحالة، قد يدمر الدين والعقيدة معا ويمحوهما من الوجود.

لكن لم يرد ديكارت الذهاب إلى السجن لكي يثبت هذه المقولة. كان عليه أن يخفي آراءه بالنسبة للفيزياء والفلك، ويدسها في كتاب للفلسفة يسمى "تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى". الذي قام بإهدائه إلى هيئة التدريس بقسم الثيولوجيا بجامعة باريس.

التأملات السته التي جاءت بالكتاب، كانت تشمل أفكاره الفيزيائية والفلكية. لقد كان ديكارت يأمل في إقناع رجال الدين قبل أن ينتبهوا إلى أفكاره التي تعارض ما جاء بالكتاب المقدس.

جاء بكتاب ديكارت، في باب "الفلسفة الأولى"، أن عليه هدم كل صروح المعرفة المعروفة، وبناء أصولها على قواعد صلبة من جديد. كان ديكارت يبحث عن أساس صلب مؤكد لا يقبل الشك، يمكننا أن نبني عليه صرح المعرفة الجديد. فوجد ضالته في مبدأ الشك نفسه.

يجب أن نبدأ بالشك في كل شئ. ما يقوله الساسة، وما يقوله الدعاة والمشايخ والرهبان، وما يقوله زغلول النجار. وأيضا ما تقوله الكتب المقدسة، وما تدرسه الجامعات للطلبه، وما جاء بكتب التاريخ. حتى الفلسفة الكلاسيكية وكلام أرسطو والأدب الإغريقي القديم. كل هذه المعارف، ليس لها أساس صلب.

يقول ديكارت: "في الواقع، لقد رأيت رؤيا ليلة 10 نوفمبر 1619م، أخبرتني أن المعرفة الحقة تأتي عن طريق العقل البشري فقط." يخبرنا ديكارت أنه كان يجلس بمفرده بجانب المدفأة في ألمانيا عندما كان مجندنا بالجيش، حينما توصل إلى مبدأ الشك.

لإيجاد جذور حقيقية ثابتة للمعرفة، جاء ديكارت بأربع مبادئ، التزم بها في بحثه. وهي:

1- لا تقبل أي فكرة إلا إذا كانت واضحة جلية

2- قسم أي مشكلة كبيرة تستعصي على الحل، إلى أجزاء صغيرة إذا لزم الأمر

3- رتب أفكارك من السهل إلى الصعب

4- دائما راجع أفكارك درأ للخطأ

حواسنا لا تصلح لكي تكون أساسا للمعرفة الحقة. لماذا؟ لأن الحواس محدودة القدرة وخادعة في كثير من الأحيان. قضبان السكك الحديدية نراها متلاقية من بعيد. القمر نراه أكبر حجما في الأفق منه في كبد السماء. الملعقه نراها مكسورة في كوب الماء. بعض النجوم قد نراها نقطا مضيئة، بينما كل منها يتكون من مجموعة نجوم لا نجم واحد.

كيف أتأكد من أنني جالس هنا بجوار المدفأة؟ إذ ربما أكون في حالة حلم، أو متعاطي جرعة بانجو، أو حبوب هلوسه وأتخيل أنني جالس بجوار المدفأة. كيف أتأكد أنني هنا حقا؟ قد يكون هنا عفريت أو شيطان رزل، مزاجه يلخبط دماغي ويجعلني أهلوس وأري أشياء غير حقيقية.

الشئ الوحيد الذي يمكنني التأكد منه، هو أنني جالس هنا أفكر في إيجاد شئ مؤكد يمكنني الاعتماد عليه. إذا كان الأمر لا يعدو أن يكون حلما أو تدخل العفاريت، فهذا لن يغير من حقيقة أنني جالس أفكر في البحث عن حل. إنني إن لم أكن أنا الذي أفكر، والذي يقوم بالتفكير شخص آخر، في هذه الحالة، لن أشعر أو أتأكد من وجودي بأي حال من الأحوال.

لقد وجدتها. أنا أفكر، إذن أنا موجود. وباللاتينية "كوجيتو إرجو صم". وهي جملة لا تقل شهرة عن معادلة أينشتاين التي تساوي الكتلة بالطاقة (E=mc2). يمكنك استخدامهما في الحفلات العامة وأعياد الميلاد لجذب انتباه الفتيات الجميلات.

لهذا اعتقد ديكارت أن ماهية الوجود وجوهره، هو التفكير أو العقل. وإن العقل مختلف ومستقل عن الجسد. كل الذي توصل إليه ديكارت كشئ مؤكد حتي الآن هو وجود العقل.

لكن العالم الخارجي لا يزال محل شك. لكي يستطيع العقل إدراك العالم الخارجي بدون خداع وتدخل الشياطين والعفاريت، كان عليه أن يثبت وجود الله. لأن وجود الله سوف يكون الضامن لعدم تدخل الشياطين ولخبطة عقولنا في إدراك العالم الخارجي. ما ندركه بعقولنا من العالم الخارجي، في حالة وجود الله، لا بد أن يكون حقيقيا، وإلا كان الثواب والعقاب في الآخرة غير مجدي ولا معنى له.

لجأ ديكارت في إثبات وجود الله إلى برهان القديس "أنسيلم" (1033-1109م).

(برهان أنسيلم المنطقي يقول: لو استطعنا أن نتخيل أعظم شئ أو إله في عقولنا، هذا الإله لابد أن يكون موجودا أيضا في الواقع. طبعا هذا المنطق لا يخلو من العيب. أحد معاصري أنسيلم، الراهب جونلون، قام بالاعتراض على منطق أنسيلم. ويعتقد الكثيرون أن عمانويل كانط، هو أول من شيع هذا البرهان إلى مثواه الأخير في القرن الثامن عشر. عندما أثبت أن الخطأ ليس خطأ في المنطق، ولكن الخطأ في قواعد اللغة.)

الآن أصبح لدينا عقل حقيقي، وعالم خارجي حقيقي بما فيه أجسامنا. وهما شيئان منفصلان لا شئ واحد. يعملان مع بعضهما في تزامن كامل، كأنهما ساعتان منضبطتان.

هذه "الثنائية"، عقل ومادة، جسد وروح، لازمت ديكارت في كل أفكاره وكتاباته. العقل له خواصه. فهو الذي يولد الأفكار، ويجعلنا نؤكد أو ننفي الأحداث. العقل ليس له لون أو مكان أو شكل أو حجم أو خواص ميكانيكية. بعكس المادة والعالم الخارجي.

أما العالم الخارجي، فله حجم وشكل ومكان وخواص ميكانيكية. كل المخلوقات بما فيها أجسامنا لها خواصها الميكانيكية. مُسيرة بالقدرة الإلهية. الكون كله مثل الساعة التي يقوم الرب بشحن بندولها. من هنا جاء مبدأ "الحتمية". الذي كان له تأثير كبير على المفكرين والفلاسفة فيما بعد.

كيف يؤثر العقل في الجسد أو العكس، وهما شيئان مختلفان. إن عقولنا تعطي أوامر إلى أجسامنا بالحركة والمشي،...الخ. لكي يحل ديكارت هذه المشكلة، جاء بحل الغدة الصنوبرية الموجودة في المخ. لكن، عندما يتقابل العقل مع الجسد في الغدة الصنوبرية، يكون له مكان، هذا يعني أنه يصبح مادة. وهذا تعارض.

بطريقة تبدو حتمية، ذهب ديكارت إلى السويد لكي يدرّس للملكة "كريستينا" سنة 1649م. كانت الملكة تصر على أخذ دروسها الساعة الخامسة صباحا. كعادة الفلاسفة والمفكرين، لم يكن ديكارت يذهب للنوم إلا في ساعة متأخرة من الليل. لذلك، كان عليه أن يلهث مسرعا في الصباح الباكر من كل يوم بعد نوم ساعات قليلة، للحاق بالملكة في الوقت المحدد. مما تسبب، خلال شهور قليلة، في إصابته بالالتهاب الرئوي الذي تسبب في وفاته.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى