الأحد ١٥ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٩
بقلم سوسن الشريف

راديو

كانت الثانية عشر ظهرًا حين سمعت أصواتًا خافتة على السلم، في الغالب لا أُعير مثلها اهتمامًا، إلا أنني تبينت صوت جاري الطيب عم محمد يعلو بكل ما به من ضعف، مما اضطرني لأنظر من العين السحرية لعله يكون في حاجة للمساعدة.

"عم محمد" من الجيران الطيبين الذين يذكرونك بكل ما هو جميل وأصيل، اعتاد في الأيام الأخيرة أن يطرق بابي على فترات متقاربة، يبادرني بالسؤال عن أحوالي وهو يرتدي ابتسامته البيضاء الدافئة، ويُلح ليقدم لي أي خدمة أو مساعدة. ودائماً ما يصاحب سؤاله هدية خاصة من ثلاثة أرغفة من الخبز الساخن الطازج، مصرًا على إعطائي إياهم، وتبوء كل محاولاتي للاعتذار عنهم لوجود ما يكفيني من الخبز الذي أحضره من يومين بالفشل. فقط يوافق أن أخذ لو رغيفًا واحدًا، ويقول "خدي الرغيف ده اتغدي به النهاردة وهو سخن كدة، أو اعملي لك ساندوتش جبنة بيضاء وكوباية شاي، اسمعي كلامي يا بنتي ما تتعبيش قلبي"، أأخذ منه الخبز وأعمل بنصيحته. يحمل خبز عم محمد مذاقًا خاصًا، ممزوجًا بكل الود والحنان، أو ربما لأنه الوحيد الذي يسأل عني طوال الوقت دون أن يمل أو يتأخر عن موعده، حاملًا أحب الهدايا لقلبي، فالخبز بالنسبة إليّ يحمل كل معاني الخير والعطاء دون انتظار مقابل.

نظرت من العين السحرية للباب وجدت عم محمد يستند إلى ذراع ابنه، الذي يحمل حقيبة ملابس في اليد الأخرى، ظننت في البداية إنه سيستضيفه عنده بضعة أيام، بخاصة بعد قضاءه فترة وحيدًا عقب وفاة زوجته، تلك السيدة التي تغمرك بحنان العالم بأسره بمجرد لفظ اسمك وهي تلقي عليك التحية. لكن تلك الحقيبة مع الكلمات التي التقطتها من حوارهما تدل على إنها لن تكون استضافة قصيرة، بل إقامة دائمة. من الطبيعي ألا يترك هذا الرجل الطيب ليعيش بمفرده، وقد بدأ المرض يأكل جسده بعد ما ألتهم وفاة زوجته روحه وابتسامته. ستتركني لمن يا عم محمد.. من سيطرق عليّ الباب بعد الآن ويُطعمني خبزًا وحنانًا، بالطبع سيلتهمني الجوع ويقضي على جسدي وروحي يومًا بعد يوم أنا الأخرى. كان الجدال بينهما يدور حول "الراديو الصغير"، وقد نسيا احضاره، فقال له الأبن "هاشتري لك واحد غيره"، رد عم محمد "بس ده أصلي من بتاع زمان ...".

قال هذا وهو يبتعد أكثر وأكثر عن الراديو وعن شقته وعني ...

أذلك شعورًا بالأنانية؟!! أن أرغب في بقاءه قريبًا مني رغم حالته الصحية التي تتأخر بشكل ملحوظ، وصعوبة اهتمامي به بمفردي لأن لا صلة بيننا سوى الجيرة، وهي لم تعد كافية هذه الأيام لأهتم به. ذكرني هذا برغبتي في بقاء أبي وأمي وكراهية بل إنكار حقيقة رحيلهما عن العالم، الذي وصل لحد الغضب منهما لتركي بمفردي، فتك ذات المرض بجسدهما ورحلا وحدًا تلو الأخر، البقاء كان يعني مزيدًا من الألم، وهو ثمنًا مرتفعًا مقابل ألا أشعر الوحدة.

تعجبت من عدم معرفة الابن أهمية ذلك الراديو الصغير لعم محمد، وصعوبة بل استحالة استبداله بأخر جديد ولو أحدث موديل!! إنه كل ثروته من الحياة والذكريات السعيدة والمؤلمة، هو جزء منه، رفيقه في أيام الوحدة، الشيء الوحيد الذي يتحدث إليه دون أن يمل، بل يحدثه بكل لغة ممكنة تخلق بينهما رابطًا فريدًا في كل وقت وعند كل حال. يستمع إلى موسيقى البرنامج الأوربي، ومسلسل الساعة الثالثة على الشرق الأوسط، يسبقه الصوت المميز لإيناس جوهر وهي تشدو برباعية صلاح جاهين "غمض عينيك وأمشي بخفة ودلع، الدنيا هي الشابة وأنت الجدع، تشوف رشاقة خطوتك تعبدك، لكن أنت لو بصيت لرجليك تقع". في الخامسة يجلس بصحبة كوب شاي في الشرفة بجواره نبتتي النعناع والريحان، يضع ورقة من أيهما في الشاي، ويستمع لافتتاح إذاعة أم كلثوم بأغنية لها. وفي المساء يسهر مع مسرحية عالمية مترجمة بإذاعة البرنامج الثقافي، ليأتي وقت النوم على صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد في إذاعة القرآن الكريم. سيأتي الراديو الجديد بكل هذه الإذاعات، لكن من أين سيأتي برائحة الذكريات التي تجري به مجرى الدم من القلب. ستطغى الرائحة الطازجة الجديدة للبلاستيك والمعدن المصنوع منهما الراديو اللامع، على رائحة البطاريات التي لا تتغير لشهور، ورائحة الأستك المطاطي الملتف به الراديو القديم ليحتفظ بتماسكه، سترحل رائحة ذكرى المكان والزمان مع من رحلوا. كنت أشارك عم محمد بعض هذه اللحظات، بل كنا نتراهن حول أغنية أم كلثوم في الخامسة، ومن يكسب الرهان يأتي للأخر بهدية، وكان هو من يأتيني بالهدايا دومًا، ويقول لي "هديتي ضحتك الحلوة دي".

أتدري أنني ما زلت أحتفظ بالراديو الخاص بأمي، وقد صار منهكًا بشدة، لا تفلح معه أي محاولات للإصلاح، قطع غيار أجزائه لم تعد تنتج الآن، أضعه بجوار الهاتف المحمول الذي استخدمه بديلًا عنه.

لعل هذا يصرف ذهني كثيرًا عن التساؤل والانشغال بمن يتصل بي أو من لا يتصل، لا يهم، فأنا على تواصل دائم مع رفيق لا يمل، يحدثني بما نريد وقتما نريد، وبجواره تتوهج رائحة الاستك المطاطي القديم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتبة مصرية، دكتوراة في علم الاجتماع

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى