الاثنين ٧ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٩
قراءة في رواية

«لا تنس ما تقول» لشعيب حليفي

شميسة غربي


حينما أكبر؛ سأبني قبة بالربوة...

التقاطة سريعة....

عِشقٌ أبدِي للمكان... وتوْقٌ كبير للأزمنة التي استضافها المكان؛ وقدّم لها أجمل ما عنده..."شمس الدين الغنامي”أيقونة الوِجهة التاريخية / الوجدانية؛ التي رسم عليها الكاتب سرده الجديد؛ في روايته:”لا تنس ما تقول”الصادرة عن نادي القلم المغربي؛ 2019. عدد الصفحات: 175.

الإيمان بالعودة الروحية؛ للرمز القديم....الاجتهاد في ترسيخ الهوية”التامسنية”على مقامات”بويا صالح”“... ننتظر وعدك بالعودة، الطوفان يُغرقنا » ص 44، تمثيلٌ لِجسْرِ العبور إلى المكاشفة عن فزع النفس وهي عالقة في شِباك الواقع.. لا خلاص؛ إلا بتحقيق الفعل المطلوب في الزمن الموعود؛ بالوجه المعهود...

يوظف المبدع العديد من الشخصيات (جعفر المسناوي، علي النسر، علي أمنصاك نموذج الفارس الذي سيحقق النصر المأمول... موته يُخلّفُ خسارة كبيرة لدى مُحبّيه... عسّو السوسي، سعيد صاحب الكرامات، سيدي امْسمّر الطرحة...)شخصيات؛ تتفرّع بها السُّبُل لتحطّ عند ذكرى”الشيخ الهبطي”“من لا تاريخ له؛ لن يخطو نحو المستقبل بشكلٍ طبيعي. ومن لا ذاكرة له؛ لن يستطيع التحديق في الشمس. أما الخيول الرابضة في دروب مجهولة بالغابة والسماء؛ فهي في الِانتظار..”ص 172.« نُسرّجُ خيولنا التي أعياها الانتظار.. فندكّ الظلم والظلام والظالمين..» ص 172. ومن زمن الانتظار الطويل؛ إلى زمن تدوين حكايا التاريخ العديدة، سيترسّخ تاريخ واحد لا سِواه...« لا أستطيع يا أحمد الكردان أن أكتب إلا تاريخ بويا صالح، أما باقي التواريخ فهي زورٌ وبُهتان..”143.

شمس الدين يختفي... ولكن سيعود...! ذاك ما يتأوّله عنوان الرواية:”لا تنس ما تقول".....فواقعُه: لا تنس ما وعدْت.... تمتدُّ دلالة هذا العنوان، إلى بعض العتبات الداخلية أو العناوين الفرعية التي تعضدُ شعور”اليقين”بأن التاريخ يُعيد نفسه...”الحرابلة قادمون، عودة الطيور، أوصيك... لا تقلْ ما ستنساه..! وعد قديم، حياتنا حدثٌ واحد..."

وإذا كان قد عُلم أن”شعيب"؛”باع نفسه للخيال"، فإن هذا الطرح في إبداعه الجديد؛ لا يمكن أن يكون وليد خيالٍ محض... وإنما هو”قناعة”تخصّ حقّاً مهضوماً، من زاويةِ رُؤية معينة؛ وتخصُّ وجْداناً فاض به”القلق”في زحام الانشغلات الحياتية والصراعات الفكرية؛ فلم يعد بالإمكان كتمان هذا القلق أو التغاضي عن عِلاّته....”شمس الدين الغنامي”الشخصية الأولى؛ بِعِلمِها وثقافتها وانفتاحها؛ واتساع آفاقها؛ وترحالها؛ تظل دائماً مشدودة إلى”غيْبِيَات”العوْدة إلى”الرحم الأول"... وإذا لم تكن تلك حقيقة ناصعة لدى البعض؛ فإن المبدع يقرّبها من الحقيقة؛ موظّفاً عنصر دورة الزمن، وما يتمخض عنه من التجديد... « ذاب الزمن في بياض الفجر الذي تململ من شوقه ورمى بكل شيء خلفه، حتى يستطيع التخلص من الليالي الميتة، ويمنح الآتي روحاً متجدّدة وخالدة؛ قريبة من الحقائق التي لا يراها الراؤون..”ص 175.”قلعة بويا صالح"،”ربوة باب السماء"؛ رمزٌ لِامْتِدادٍ تليد؛ يعتصره زمن”الثمانية قرون”ص 79، مُطعَّماً بالحكايا المحفوظة في قلب التامْسنيين، إلى يوم الدّين... رغبوا في العدالة... والعدالة حق رباني قبل أن يكون قانوناً بشرياً... وما هو رباني؛ هو روحي في الأساس، ومن هنا؛ تتسلل فكرة”العودة الروحية”للجد الأول صالح بن طريف.

الرواية جامعة لأحداثٍ ومواقفَ؛ وعاكسة لأوضاعٍ فكرية واجتماعية وحتى استعمارية « دخول الفرنسيين والإسبان الجنوب المنسي » ص 90. إشارات متفاوتة؛ يعلوها ضجر”المثقف”من كل شيء...! (الأستاذة الأندلسية وعلاقتها مع شمس الدين، الفقيه ماو أو جعفر المسناوي ودخوله السجن، الحاج علي، رواد مقهى قتلة الزمن اليومي، فاطمة، سعدية طالبة الحقوق ومأساتها، عيموش السارق..)ينضاف إلى هذا الكمّ؛ ملمح سخري؛ ُيمَثله المرسوم الخاص بالمسرح؛ والذي نُعِت بـ:”فنّ القجمة"....ص 97. « أنا يا فخامة القجايمي، أريد معرفة مَنْ بداخلي، جعلني هكذا بلا أحلام ولا أمل، معطوب... » ص 103.

تلك كانت؛ التقاطة سريعة حامت حول إبداعٍ سرْدي جديد؛ لِمُبدِعٍ؛ يتنفّس عشق الأرض والمطر والتراث والكتابة التي يعود بواسطتها إلى الزمن الجميل؛ في أسلوبٍ يمتحه من قاموس الصدق الفني والتصوير البارع للجزئيات... أنظر إليه في أحد المقاطع واصفاً:

«سيستنطقه؛ خلال خمس ساعات (....)داخل قاعة ملأتها أدخنة سجائرهم التي لا تتوقف.. وأعقابها المرمية في كل مكان؛ وقدِ انفلتتْ أدخنتها مذعورة؛ وتجمعتْ حينما لم تجدْ منفذاً تفرُّ منه.. ثم تاهتْ وتراكمتْ وشرعتْ تتخيّلُ حلولاً مستحيلة، ففتّشتْ في الحيطان والشقوق و الأرض، وفجأة؛ تجد مسْرباً أسفل الباب المغلق، وعبر ثقب المفتاح، فتتنهّدُ بأنفاس محترقة، ثم تتسارع متزاحمة ومترنحة؛ كأنها ثملة بلا عقل يَعقلها، تسقط وتقوم وهي تتخيل أنها ستموتُ اختناقاً.... وتلك من أوهامها التي تعيش عليها...! » ص ص 46، 47. لله دره وكفى...

شميسة غربي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى