الاثنين ٢١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٩
بقلم سليمة مليزي

حب عذري


قصة واقعية من تاريخ النضال الجزائري

– نسمات محملة بشذى الورد وروائح الريحان والزعتر البري، ونفحات هواء تأتي على مسافات الروح، نهضت القرية على صياح الديكة، ورائحةُ الخبز الطازجة التي يسافر عطرها في كل الفضاءات، يمتد بصري لمتتاليات ذهول أخرى، سماء تحتضن غيومها جبل (مجونس) تظهر قمته البيضاء يكسوها لون الثلج، كعمامة تنحت الأمل من حنايا الفضاء وتزرعه على القرية الحزينة، ولأن مسافات أضحت توحي بقدوم المطر..

يسود الشعور بهدوء ما قبل العاصفة، ليخرج مختار مسرعاً ينادي الراعي الذي تأهب ليسوق الماشية نحو المرعى..

(يا هه يا حامة يا هه … يا ورجع الشياه للكوري..؟) نظر اليه حامة باستغراب: ما به هذا الرجل، قليلاً من السحب أفزعته..

– كانت تقول أمي (إذا سحبت مع الصباح رجع دابك للمراح.. وإذا سحبت مع العشية سوق دابك للمشي)...

– خذها حكمة مني أيها الراعي، ستمطر اليوم..!؟؟

دمدم حامة بكلمات غير مفهومة وراح يضرب الماشية (. آس آس آس..) اللعنة على هذا اليوم … نكد من صباح ربي … أكيد اليوم ستكون أشغال شاقة في ذلك الإسطبل، لتنظيف بقايا الماشية ونقلها إلي رأس (الزبالة)..

فالشتاء هذه السنة سيكون قاسياً..لست أدري ماذا حدث لتلك المسكينة الخادمة التي تنظف الإسطبل … غائبة مند أيام، وها أنا أقوم بكل الأشغال!؟

كان البيت العتيق لسي أحمد من أجمل البيوت في القرية بناه مهندس معماري. إيطالي. حتى الحطب استورده من إيطاليا..

آه.. من يستطيع أن يرفع رأسه إلي نوافذ البيت. والله ستقطع رأسه!؟ كانت خديجة الفتاة المدللة من أجمل فتيات القرية.. جمال.. وجاه.. وأصل وغنا.. آهٍ على حظي السيئ لماذا ولدت فقيراً... أتذكر عندما كنا صغاراً كنا نلتقي قرب الينبوع.. كانت تحب اللعب معي..

(يسترجع حامة ذكريات الطفولة.. يوم كان يجمع بقايا الفاكهة الصيفية التي كانت تسقط خارج سور حديقة سي أحمد... ومرة سمع خديجة وهي تصرخ بأعلى صوتها... فصعد مسرعا تسلق الشجرة ونكز على الصور.. كان منظراً مخيفاً ومضحكاً، عندما وجد خديجة عيونها مثبتة نحو جدار النبع ووجهها شاحب اللون، وهي ترتعد خوفاً، وسلة التين التي قطفتها من الشجرة متناثرً على الأرض.

قالت له وكان السماء فتحت لها ابواب الرحمة:

– أنظر هناك ثعبان كبير كنت أغسل التين فخرج إلي بين تلك الشجرة.!؟

– لا تخافي يا خديجة: (كنت أريد أن أكون ذلك البطل الذي ينقذ الأميرة من الخطر…
حملت صخرة كبيرة وضربته على الرأس فأرديته قتيلا..

رمت خديجة نفسها على صدري وهي تشهق بالبكاء.. كم كانت طريةٌ غضتٌ رائحتها شهية تشبه الأميرات، وهي فعلا ابنة الأمراء..!؟

لن أنسى ذالك اليوم، غسلت لها وجهها بماء النبع البارد المنعش، وجمعتُ لها التين،ولم أكن يومها أريد مفارقاتها..

– آلا تذهبين معي اليوم لنقطف أزهار النرجس من الوادي؟

– لا أنا خائفة منظر الثعبان أرعبني.

سمعت صوت من باحة الدار، يناديها، فراحت مسرعة...

– إنها أمي تناديني يجب علي الذهاب، سلام.

منذ ذالك اليوم عرفتُ معنى أن تكون الأنثى رمزاً من رموز الإحساس، والجمال بالنسبة للرجل، تركت بداخلي حزناً أعمق من الذي اعتراني يوم أدركت مدى فقري، من روحها التي تزورني كلما تذكرت طيفها، و رائحتها العذبة التي لا تفارقني..

– استيقظت على صراخ سي المختار الذي لطم وجهي بماء بارد افزعني من حلمي الجميل.!؟

غفوتُ من شدت التعب تحت شجرة التوت العريقة التي تمتد أغصانها الى السماء...
– أنهض السماء تكاد تمطر وأنت لم تنهي عملك، أنت لست في رزق أبيك..!؟

كلماته زادت قهري وغضبي على نفسي، سأعود الى رائحة (الكوري) النتنة وأمري لله!!!
كانت لاله اليامنة السيدة الوحيدة التي تحن علي بينما أنا على عتبة الباب وجدت تلك السيدة الطيبة جاءتني بقليل من الكسرة واللبن لأسد به رمق جوعي، زمنا من الوقت لم أتناول الطعام منذ امس، لا توجد في البيت حفنة من الطحين، اللعنة على هذه الحرب!؟.

نادتني: بصوته الرقيق: يا حامة تعال.!! تناول غداءك وهذه بعض الفاكهة، ثم استأنف العمل..
سبحان الله وكأنها سمعتني هذه السيدة الكريمة ابنة الكرماء!؟

جزاك الله خيرا سيدتي.

كنت أحدثها وأنا مطأطأ الرأس لأنه لو رآني سي المختار أنظر إليها سيقتلني..

هكذا عائلات النبلاء، لا أحد يستطيع النظر إلى نسائهم..

(صح لاله ربي يخليك) وانصرفت مسرعاً واللبن يتقاطر من) البوقال)1 ألمصنوع من الفخار كنت أرى العجوز حجيلة تأخذهم إلي رأس الهضبة، وتشعل النار (بالوقيد)2 من أجل كيهم بعدما تنتهي لآلة اليامنة من صنعهم حتى تحافظ على صلابتهم.

هبت ريح باردة في عز حرارة الخريف،ههها ها هي نبوءة سي المختار تتحقق هناك أمطار قادمة من جبل (مجونس، حتماً ستحدث فيضانات، أه جميل اليوم سأبيت هنا على الأفل سأتعشى اللحم والكسكسي في بيت سي أجمد كل ليلة وليمة..

أشهد على هذا البيت الكبير لأحمد ابن القاضي طابقه العلوي كله زجاج، وعندما يحين وقت الحصاد كان القمح المنثور في باحة القصر تطلع عليه الشمس فتعكس نوره على زجاج الطابق العلوي إين توجد غرفة الضيوف التي لا يدخلها أحد يقال انها مفروشة بزرابي ونمارق ومزينة بالنحاس، فكان زجاج القصر ينير القرية، فيعتقدون أهلها ان الشمس تشرق من بيت سي أحمد إبن القاضي، وعندما ينزل الى القرية يمتطي حصانه الأبيض (وبرنوسه)3 الأبيض وبحمل بندقيته، يبدوا وكأنه سحابة تمشي على الأرض حتى كلبه أبيض اللون، ويجوب أراضيه الخصبة التي تمتد على مد البصر وكلما مرى سي أحمد على مكان ما يفسح له الطريق لهيبته وقوته وجماله و يقولون السماء لربي والأرض لأبن القاضي، و كل ليلة تقيم الولائم في قصره وكل عابر سبيل يقصد بيته لكرمه، والأراضي الشاسعة التي يملكها، تنبت من خيرات القمح البليوني الممتاز، وجنائن من الفواكه بعضها نادر الوجود في القرية..؟

– يقولون انه صعد للجبل من أجل الالتحاق بالمجاهدين سمعت سي المختار يكلم ابنه، ذات ليلة لما نزل إلي قعر المطمور ليجلب له ذخيرة من الأسلحة والاحتياجات التي يرسلها إلي المجاهدين، حتى أنا أريد أن التحق بالجبل، ولكنني خائف من سي المختار لا يجد من يخدمه مثلي، بقينا وأنا وهو وحدنا في القرية، ذات يوم قال اتبعني:

– آهٍ.. الحمد لله أنني أكملت عملي اليوم هكذا يكون راضي عني سي المختار.
نوفمبر 2014

هوامش:

1 (البوقال) اناء مصنوع من الفخار لاحتساء اللبن والماء اسم بربري
2 (الوقيد) خلاصة فضلات الماشية تنشف في الشمس وتتحول الى وقود من اجل إشعال النار
3 (البرنوس) اللباس التقليدي للرجال مصنوع من الصوف.

حدثت هذه القصة في خمسينيات القرن الماضي اثناء الثورة التحريرية الجزائرية.

الفائزى بالمرتبة العاشرة في مسابقة دولية
من مجموعة قصصية (خبز تحت الحصار) طبعت في مصر 2019
متبوعة بقراءة نقدية لدكتور الناقد العراقي زياد الحمداني
الشاعر والناقد الدكتور زياد الحمداني - العراق

نادراً ما تمر على أذهاننا، قصص تحكي، عن واقعا ملموس يشعرك وكأنك تعيش الحدث بكل لحظة وكل نفس ويشعرك الكاتب بأنك ترتحل إلى ذلك الزمن البعيد وتغوص في خباياه وتتنفس هواء القصة بكل معانيها، هكذا أحسست. وأنا أقرأ للأديبة والصحفية الشاعرة سليمة مليزي قصتها القصيرة «حبّ عذري»، اعتمدت القاصة الجزائرية المبدعة سليمة مليزي على ركن أساسي وهو التجديد القصصي والروائي، إذ اسبغت من البدء على نصّها القصصي استهلالاً ومقدمةً أدبية فنية رائعة، أعطت النص جمالية سردية دلّت على قدرة القاصة على التعبير عن علاقة الإنسان بأرضه، ابتدات بسردٍ وصفي لعنصر المكان و(الما حولَ) حين تقول: (يمتد بصري لمتتاليات ذهول، سماء تحتضن غيومها جبل مجونس تظهر قمته البيضاء شامخةً يكسوها لون الثلج ناصع البياض).

ثم وصفية مجازية وكأنها تتلاعب بجمالية اللغة بأنامل تتقن صياغة العمل الأدبي حين تقول (كعمامةٍ تنحت الأمل من حنايا الفضاء)، وبأتقان الكاتب المتمكن تنتقل بنا لمدخل القصة بابداع وترميز مذهل (ولأن مسافات أضحت توحي بقدوم المطر) ثم (يسود الشعور بهدوء ما قبل العاصفة) لتنبأنا بعمق الحدث والحبكة، وعنصر العقدة في القصة ولم تخلو القصة من اسباغ حالة وصفية من الحب العذري بأنقى صوره وأصالته، كنوع من السرد الوجداني الرقيق في (عرفت معنى أن تكون الأنثى رمزا من رموز الإحساس والجمال بالنسبة للرجل) وما يتخلل هذه المشاعر الرقراقة من علاقات إنسانية يربطها ببعض حبّ عفوي ليشكل علاقة حب أكثر عمقا ورسوخا بالأرض والطبيعة دون إهمال حالة الحب العذري بين حامة وخديجة منذ الطفولة، في قصة حبّ عذري نجد ظهور ثلاث عناصر بصورة جليّة هي:

1ـ السرد الخيالي القروي
2ـ التمازج والتهجين اللغوي السردي
3ـ الاسلوب الترميزي للسرد الواقعي والخيالي.

أولا// السرد الخيالي القروي

ارتكزت القصة على نقل الصورة الواقعية الجميلة وروح الأصالة والتراث في السرد الحكائي، فهي تنقل كل الصور الجميلة بمفرداتها في أسلوب رائع، إذ التزمت سردا استمد جماليته من خلال التوصيف العميق والوثيق بالقرية وطبيعة الأرض (سماء تحتضن غيومها جبل مجونس) ومفردات المطر والريح والقرية والشياه والشجر،والثعبان، ذلك المجاز العميق، ومنزل ابن القاضي، وبأسلوب غزير يتميز بلغة هادئة توحي بهدوء المكان وطبيعته، مع تكثيف الأخبار والوقائع والمأثور القروي وخلق شخصيات تنبثق من عمق علاقتها بالأرض، دون حشو وزيادة، لتعكس علاقتهم بالأرض والقيم والمفاهيم وعمق الانتماء.

ثانيا// التمازج والتهجين اللغوي السردي

أضفت القاصّة بشكل مقتضب وجميل في هذا النص أسلوب التهجين السردي ليضفي جمالية ادبية رائعة، فنجد بعض المفردات تظهر كنوعٍ من التمسك والعودة لروح التلاحم بين النص الأدبي وتجميله بلهجة البلاد وهو نوع من التكثيف الحكائي الواقعي، ونوع من التهجين في المتن القصصي وبأسترسال رائع، مما يدلّ على قدرة القاصّة سليمة. مليزي، في جعل الشخوص والحدث اكثر واقعية بتصويرٍ مذهل.

ثالثا // الأسلوب الترميزي في السرد

اعتمدت القاصّة اسلوبا ترميزياً رائعا، بدءً من المقدمة واسترسالا لمتنها وخاتمتها، حيث تقول (كعمامةٍ تنحت الامل من حنايا الفضاء) ثم.. (جاءتني بقليلٍ من الكسرة واللبن لأسدَّ بهما زمناً من الرمق)؟؟؟؟؟؟

و (هبّت ريح باردة، في عزّ حرارة الخريف)؟؟؟

في هذه الترميزية والمجازات والمفارقات الأدبية السردية وكأنها تأخذ المتلقي إلى أصل العقدة والحبكة، وهذا ما يتضح تماما في بيان. العلّة من مجازها (لاسدّ بها زمنا من الرمق)، مجاز عميق وترميز ذو دلالات أعمق، حين ينتهي بنا الى (اللعنة على هذه الحرب)، لتتضح بعدها معالم ومضامين ودلالات القصة العميقة المغزى وتترك مساحات واسعة لخيال القارئ نحو البعيد.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى