الاثنين ١٢ شباط (فبراير) ٢٠٠٧
بقلم إبراهيم مشارة

وافد من أقصى الأرض

كلمة واحدة تفوه بها طفل فتى يصبح نؤوم الضحى لا يغشى الكتاب إلا والشمس قد ارتفعت والصبية يوشكون أن ينصرفوا بعد أن يتحلقوا حول الشيخ يمليهم شيئا من القرآن يكتبونه على ألواحهم حتى يتموا حفظه فإن حفظوه محوا ألواحهم وأملى عليهم غيره وبعض الصبية نابه متقدم، وبعضهم الآخر عاجز متأخر، وكان هذا الفتى من العجزة المتأخرين يكتب شيئا يسيرا من القرآن على لوحه فلا يحفظه حتى تمحي الكتابة وتزول فيعيد كتابته ويحذره الشيخ من مغبة الكسل والإهمال ومن حضوره الكتاب متأخرا وينال منه بالضرب على راحة القدمين (الفلقة) فما يرعوي ولا يجد غير أن كلمته هذا الصباح التي ألقاها في أذن أحد الصبية وأذاعها الآخر بينهم أحدثت هرجا في الكتاب وحديثا لا ينتهي تميزه بين الأصوات المرتفعة المصطخبة كموج البحر بعضها يقرأ من سورة فاطر وبعضها من سورة النبأ وبعضها الآخر يقرأ من سورة الشمس ومأمآت لجديان صغيرة تكابد في تهجئة الحروف.

- نعم رأيته والباب مفتوح يقوم متثاقلا من سريره فصبحت عليه لكنه لم يرد وخفت فهرولت إلى الكتاب.

ويسأله أحدهم عن أوصافه فيصفه لهم في عجالة مهملا كثيرا من الدقائق التي ما أتيح له أن يستقصيها على حين غفلة من صاحبها والعيون تراقب الشيخ وعصاه الطويلة فإذا انتبه إليهم عادوا يجهرون بقراءة القرآن حتى إذا تحول عنهم بنظراته عادوا إلى قصتهم مشغوفين مفتونين بحديث هذا القادم الغريب ويكاد الصبر أن ينفذ والجميع يودون رؤيته لولا أن الشيخ نزل عن مصطبته ووقف منتصبا وقد أسكت الجميع بحركة من يديه ثم قال:

- اسرحوا (انصرفوا)
فخف الصبية إلى زاوية من زوايا الكتاب ألقوا فيها ألواحهم وهرولوا إلى زقاق بعينه يعرفونه حق المعرفة يقوم في طرفه بيت صغير بل غرفة واحدة وقد تناهى إلى مسامع أهل الحي أن قادما لا عهد لهم به من قبل سيتخذها بيتا له وأن قدومه وشيك وقد وصل ليلا فلم يره أحد وبات من أهل الحي والبلدة معا وجاءته حين أصبح كوكبة من الصبيان مشغوفة برؤيته حذرة منه في ذات الوقت حتى إذا وقفت ببابه صبحت عليه:

- صباح الخير سيدي علي ( وقد استقصوا عن اسمه من أهلهم قبل أن يصل الوافد إلى بيته الجديد)

فيرد صوت مخنوق لا يكاد يصل الآذان مشفوعا بسعال يدل على أن صاحبه مصدور.

- صباح الخير

ويدور في أرجاء الغرفة في ثقل وعسر باحثا عن دلو وقد ترك له ساكنو الغرفة قبله بعض الأواني حتى إذا وجده تناوله وأقبل نحو أحدنا قائلا:

- إملأ الدلو من العين العمومية ولك أجرك. وخف الفتى مع بعض الصبية فملأوا الدلو ووضعوه في زاوية من زوايا الغرفة حيث أمر فما كان في مقدوره أن يتناوله وأعطى الأجير أجرته.

كرم حاتمي يتيح لهذا الفتى وصحبه أن يشتروا علبة سعوط (شمة) يحشون بعضا منها في أفواههم فتبرز للرائي كأنها ورم، أو يشربوا شراب الليمون المشعشع بالماء في مقهى الحداد، أو يشاهدوا حلقة جديدة من مسلسل "عنترة" أو "الأميرة الخضراء" في مقر الشبيبة وكان الحرمان يمنعهم أحيانا من مشاهدة بعض الحلقات ولا قبل لهم "بسي عبد المجيد" صاحب التلفزيون الذي كان يولد الكهرباء بمحرك خاص يشتغل بالمازوت ويشغل التلفزيون إذ لا كهرباء في البلدة، ومصباحه الذي يسلطه على وجه بعضهم في ظلام الحجرة الطويلة المستطيلة حيث قرفص الفتيان وتمدد الرجال على الأرض العارية يبصقون ويستهلكون سعوطا ويدخنون ويتابعون الحلقة جادين مهتمين لولا حركة صاحب التلفزيون التفتيشية وسط أكوام البشر وقوله في يقين:

- أنت لم تدفع أخرج.

ويخرج الفتى كأنه خفاش في ظلام الحجرة حزينا أسفا إذا لم يدفع عنه أحد، أما اليوم فمعهم ما يكفي لقاء مشاهدة حلقة من المسلسل ويبدو أن الله ساق إليهم رزقا ما أتيح لهم من قبل فسيشربون دوما ليمونا مشعشعا بالماء وسيشترون سعوطا وسيشاهدون مسلسلات وأفلام كثيرة مادام القادم الغريب قد حل بينهم وأصبح من سكان حيهم، مد الله في عمره وأفاء عليهم من نقود جيبه.

"كايان" عاصمة مستعمرة غوايانا الفرنسية في أمريكا الجنوبية تحاذي البرازيل وتطل على المحيط، اتخذتها فرنسا منفى للثوار والمجرمين الخطرين وادخرت بعضا من شواطئها أمكنة استجمام للفرنسيين يأتون إليها للاصطياف والسياحة، وقد نفت السلطات الفرنسية "سيدي علي" إليها بعد أن أعياها أمره وقد غوى الرجل وأصر على غيه ووجد في فرنسا التي كان يعيش فيها شابا وكهلا مرتعا لانحرافه السكر واللصوصية والعنف، ينتقل من مدينة إلى أخرى زارعا الرعب ويخرج من سجن ليدخل آخر ويهرب إلى مدن أوروبا في يسر وينتقل بينهما مرتكبا آثامه ثم يعود إلى فرنسا مهوى فؤاده ومتفتح شروره فاهتدت السلطات إلى آخر الدواء وآخر ه الكي فأبعدته إلى تلك الأرض النائية ولا بأس أن يرتكب شيئا من حماقاته هناك غير أن المنفى والزمن كفيلان أن يفتأ الجوارح والعزيمة معا كما يفت موج البحر صخوره ويملأ ما ظل متماسكا منها ثقوبا وتجاويف وإلى ذلك آل أمر الرجل عاش هناك منفيا ومسجونا في أحايين أخرى تتعاقب عليه الأدواء بلية الزمن وعجلته التي تتقدم نحوه فتطويه حتى إذا قام طوته كرة أخرى وأوجاع المنفى وأشجانه أين "كايان" من باريس حين كان يخرج في الأماسي مهندما يغشى ملاهيها يعب من الخمر عبا ويغازل حسانها مشعرا إياهن بالأمان في ظل فتوته متنزها مع بعضهن في حدائق باريس وعلى ضفاف نهرها الخالد والجيب مملوء حتى إذا أنفق آخر فرنك اتكل على فتوته وسلاحه وعصبته سطوا على محل أو قطعوا طريقا وسرعان ما تمتلئ الجيوب، أما في هذه الأرض النائية ولو أنه اتخذ أصحابا إلا أنهم صحبة اضطرار لا اختيار وكل غريب للغريب نسيب فشأنه شأن الشجرة التي يضخم جذعها وتمتد أفنانها عاليا لا تستمرىء تربة غير تربتها فإن أكرهت على تربة جديدة يبست وصارت أحطابا واتخذت منها الغربان أوكارا لها.

و في باريس كان في وسعه أن يلقى بعضا من أبناء البلدة فيتحدث إليهم بلغته الأم ويستقصي أحوال البلدة وأخبارها، أما هنا فكأنه نقل إلى كوكب آخر المحيط أو بحر الظلمات أمامه والبطحاء الممتدة بلا نهاية وراءه إلا من أسلاك شائكة وأسوار سجون مشمخرة وأبراج مراقبة، وقد حمل نفسه على الصبر والصبر حيلة من لا حيلة له، ووطنها على اليأس وفي اليأس راحة واستعان على ذلك بالخمر والسجائر والأفيون وصحبة الغرباء، حتى تقدمت به السنون وانقلب شيخا نال منه الزمن وهدت الموبقات عافيته فانتهى مصدورا وأوشك أن يخرج من الدنيا أو تخرجه من إهابها فوقتئذ رأفت به السلطات الفرنسية وسمحت له بالعودة إلى بلده.

امتطى ظهر الباخرة "لا كي" فشقت به عباب المحيط حتى طرحته في "مرسيليا" وأركبته باخرة أخرى على ظهرها عابرة به البحر فلفظته في البلد، وحملته سيارة إلى البلدة حتى وصل إلينا وحل بيننا مقيما جديدا.

ما إن وصل الغريب إلى مسقط رأسه ومهد صباه حتى حلب في إناء القوم لف رأسه بعمامة بيضاء وارتدى سروالا عربيا فضفاضا ودس قدميه الورمتين في بلغة وستر جسده البالي بمعطف أزرق شاحب واتخذ له عصا يستعين بها على مشقة المسير، أما زي الشيوخ الرسمي (القندورة أو البرنوس الأبيض) فقد أعفى نفسه من ارتدائهما ثم أن البرنوس لا تحيكه إلا امرأة مفتونة بزوجها هدية له يوم كانت تقدر على غزل الصوف وضرب المنسج وهو مجرد عود ملقى في العراء، وهذا الزي يعني أن الشيوخ قد برئوا من ماضيهم بعد أن أدبهم الزمن أخذوا من الدنيا بنصيب وأخذت منهم قوتهم وعافيتهم حتى لتوشك أن تسلمهم إلى وحشة الأجداث وظلامها الآبد، وفي الحي المقبرة تقع على تلة مرتفعة ظاهرة بارزة أجداثها وقد تناثرت على أديمها كتناثر حبات الرمل ولا يفصل بين الحياة والموت إلا زقاق ضيق، والجامع قابع هو الآخر على تلة أخرى مقابل مقبرة الحي يدعو أهل الحي خاصة شيوخه خمس مرات في اليوم، وما تبقى لهم إلا الطمع في غفران الله والشفاه تتمتم تسبيحا بحمد الله آناء الليل وأطراف النهار واحتمال برودة الماء في الشتاء لأجل الوضوء وصلاة الفجر في الجامع وانتظار صلاة الظهر حتى إذا فرغوا منها انتظروا العصر وقد أوكلوا إلى أسماعهم الثقيلة ترصد الآذان ومن حين لآخر ينظرون في ساعاتهم الجيبية ثم القرفصة يحشون أنوفهم بالسعوط ويكثرون من العطس والحمد والتشميت يتذاكرون حديثا أو يتحدثون عن معجزات الله في خلقه أو يقص عليهم واحد قصة موسى وفرعون أو قصة موسى مع الخضر أو قصة يوسف وامرأة العزيز ويقبل عليهم الليل مذكرا إياهم بظلام اللحود فيرتعدون فرقا من هذا الذئب الذي يتسلل في جنح الظلام خاطفا شيخا لا يقوى على الفرار منه حتى إذا أصبحت سمعت من يقول إنا لله وإنا إليه راجعون، عمي المدني انتابته كحة شديدة وعسر في التنفس مدده أهله واستقبلوا به قبلة الموت ثم حملق في السقف حتى إذا حشرجت وضاق بها الصدر أعين بمشقة على النطق بالشهادتين – رحمة الله عليه – كل من عليها فان.

أما سيدي علي فقد أعرض عن هذا كله لم تشغله قبور الأموات كثيرا ولا جامع الأحياء بتاتا أما قرفصة الشيوخ فقد نفر منها وهم قبلا نفروا منه، وقد كان بلا دين فأفرد إفراد البعير الأجرب لا يسأل عنه أحد وإذا ذكر في مجلس عطف آخر بقوله أعوذ بالله، لا يعوده ولا يسأل عن صحته إنس ولا جان، إلا صبيان الحي يملأون له دلاء الماء أو يشترون له بعض الطعام إن استحال عليه القيام والمسير فينفحهم ببعض النقود وكان لا يكثر من الكلام ويمانع في قبول إعانة من جار أو جارة إن ألحوا عليه في ذلك.

وقد أنهكه الربو واصطلحت على بدنه الذاوي كأوراق الخريف العلل لا يمشي خطوتين إلا كل وشق عليه التنفس فتسمع شهيقه وزفيره المتقطعين وتراه حملق فوق ووضع يديه المعروقتين المرتجفتين على خاصرته التي أكلتها النحافة ثم تسمع جملته الخالدة التي يقولها بمشقة كذلك ألف مرة في اليوم.

- أبابا أف، أبابا أف

وكان وجهه الرقيق وقد كثرت عليه الجراح بفعل موسى الحلاقة حيث لا يحسن حلق ذقنه لارتجاف يده – ينقبض والنوبة تشتد عليه في الطريق إذا اشتاق لرؤية سوق البلدة وناسها وأحيانا حتى إن قام من سريره فتحسبه يحشرج وأن الموت وشيك القدوم وهو في ذلك كله لا يتوسل سماء ولا يستعطف وليا..

أما ما استقذره الناس وشجبه الكبير والصغير على السواء فأكله الميتة، وكان يوصي صبيان الحي بجلبها إليه إن صادفوها، وكان الصغار يتشردون في شعاب البلدة ويهيمون على وجوههم في بطاحها أو يلعبون الكرة حتى إذا غارت في شعب ذهب أحدهم ليبحث عنها، فصادف دجاجة ميتة أحضرها معه ملوحا بها والبشر على وجهه فيعلق بعضهم:

- وجبة دسمة لسيدي علي وشراب الليمون والسعوط على حسابه!

كان بيته أو بالأحرى غرفته قذرة جدرانها مسودة رطبة موحشة كسراديب روحه أو هي أقطار نفسه تمثلت لعينيه الذاويتين، وقد احتل السرير الهرم الذي وهب له في جملة ما وهب نصف الغرفة عليه أغطية رثة قذرة وإلى جانبه طاولة صغيرة وضع عليها خنجره وأدوية ونقودا وعلبة سجائر غير مبسمة، وأنى لرجل مدمن أن يهجر التدخين وقد كان عزاؤه في وحدته؟ أما الخمر أو الحشيش فنجوم السماء أقرب إليه منهما وهو القعيد الكسيح ثم أن رجال البلدة وشيوخها حريصون على أداء الصلوات والقيام بالنوافل والكتاب مملوء عن آخره بفلذات أكبادهم يجهرون بقراءة القرآن، فمن أراد شيئا منهما سعى إليهما خارج البلدة! فلا مناص له إلا بالصبر والرضا بالسجائر من حين لآخر.

أما فيما تبقى من أرض الغرفة الضيقة تناثرت بضعة أواني كساها الوسخ بلون أسود وبعض ثياب مكوم في زاوية أخرى لا تقدر على الاقتراب منها وموقد كان يطهو عليه طعامه، والأدهى أن الغرفة غرقت إلى السقف في رائحة منتنة مزيج من العفن ورائحة الغائط ورائحة الميتة، وكان صبيان الحي يكابدون الأمر ويصبرون على دخول الغرفة، وربما أمسك الواحد منهم النفس حتى إذا لم يصبر عليه خرج يطلب هواء نقيا وعاد إلى الغرفة ممسكا النفس كرة أخرى منتظرا أوامر جديدة أو أجرة حتى إذا خرج من دون أوبة تنفس الصعداء!

وكنت إذا مررت بغرفته ليلا وكان الجو دافئا والباب مفتوحا على الزقاق واختلست إليه النظر شق عليك أن تراه محملقا في سقف الغرفة متمددا على سريره منقبض الوجه والصدر يعلو ويهبط شهيق شاق وزفير أشق ثم سعال وتمخط والجملة الخالدة: أبابا أف

لا مرية في أنك أشفقت عليه ورثيت لحاله وما همك ماضيه إطلاقا وقد شقت عليك وحدته ونظراته المتأملة في جوانب نفسه متأملة جدران الغرفة المسودة إذا خفت عليه النوبة في صمت وثقل، على أنه دعى الموت مخلصا واستعجله والموت في شغل عنه وربما جاءه مهرولا مقبلا حتى إذا أطل عليه ماطله وسوفه أخذ منه الفائدة بعضا من رمق الحياة الذاوية والجهد المتبقي واستبقى عنده رأس المال الروح وأسلمه إلى الأفأفات، حتى سمعنا من يقول:

- سيدي علي يحتضر

وحضره الموت هذه المرة يريد رأس المال جادا ولكنه آثر أن يبقى عنده قليلا ينظر إليه ولا يعمل عمله يعاين حالته ويسمع بأذنه أفأفاته والبعض يقول:

- اقرؤوا عليه يس.

ويمانع البعض الآخر في ذلك متعللين بنجاسة الموضع، ثم أن القرآن لا يعمل عمله إلا في أذن واعية.

وحسم الموت الخلاف جثم بثقله السرمدي على صدر الرجل المتهرئ المنخور وطفق يتم عمله وحضر بعض من أقارب المحتضر بعد أن أعرض عنهم وأعرضوا عنه وتوسلوا إليه أن يتلفظ بالشهادتين والرجل قبل الرحيل عن الدنيا وقد بلغت الحلقوم يقفز قفزة عملاقة متخطية الزمان والمكان وفي لمح البصر تراءت لخياله الشاحب المرتجف كسراب بعيد باريس مرسيليا كايان عواصم أوروبا مرحها حسناواتها ساعات أنسها لذاتها الباخرة لاكي، السقم فالهرم فالوحدة فاليقين.
تبا للزمن وما يفعله بابن آدم يضاحكه صبيا ويلاعبه شابا يافعا ويصادقه كهلا ثم يخدعه ويسخر منه شيخا كاشفا له عن أسنانه الصفراء قاذفا إياه بحقيقة أمر من الداهية:

- قهرتك يا ابن آدم وضحكت عليك كما ضحكت على جدك أوديب.

هذا الذي تعرف العواصم الأروبية وطأته والسجون والملاهي سطوته يموت نكرة شريدا بين أهله وفي مسقط رأسه فلا تذرف عليه دموع إلا دعوات مكبوتة تود له الرحيل الروح تصعد إلى الملأ الأعلى والصدر يهمد بعد أن قام الموت عنه والجسم وقد نضح بالعرق البارد تنتابه يبوسة وبرودة والعينان ظلتا مفتوحتين جمدتا وهما تشيعان الروح وتتبعان طريقها العلوي والشفتان مزرقتان ثم تنهدات طويلة من بعض الحاضرين ساعة الرحيل:

- الحمد لله زال البلاء في الدنيا عن صاحبه وعن أهل البلدة هكذا قال بعضهم.

ويوم تشييع الجنازة أبى شيخ الحي وإمام جامعه أن يصلي على الميت في إصرار وقد حضر الجنازة قليلون واستعجلوا أنفسهم وهم يسلمونه أمانة في ذمة الظلام السرمدي وهرعوا إلى البيت إلى تلك الغرفة وكان في جملة ما وجدوه جوازات سفر وأخرجوا أشياء الغرفة وأحرقوها وطهروها بالمطهرات وأعادوا طلاءها واستلمها ورثته من بعده.

لم تعرف البلدة من "سيدي علي" إلا ألمه وسعاله وتمخطه ثم جملته التي حفظها الكبير والصغير على السواء.

جاء من أقصى الأرض يجر نفسه قاصدا المقبرة لا الجامع بعد أن يستريح قليلا من وعثاء السفر وقد عبر المحيط والبحر بمشقة بالغة وأنى لشيخ مثله حي كأنه ميت أو ميت كأنه حي أن يقوى على ذلك! وفي نفسه التي تحطبت أفنانها وتناثرت عليها أوكار البوم والغربان ورقة صغيرة ظلت محتفظة بخضرتها على مدى السنين لقد أحب بلدته وأبى إلا أن يملأ رئتيه المهترئتين من هوائها ويرى رجالها وشيوخها أولئك الذين إذا مر بهم تراءى لهم شبح كلب أجرب ورآهم هو كومة لحم منكمشة مقرفصة لم تقم بأعمال بطولية في شبابها فتتنافر النظرتان يحتمل منهم الزراية والإعراض ويحتملون منه القذارة والمروق.

رحل منذ ثلاثين عاما وقبور كثيرة مازالت تقاوم الزمن عليها أسماء ساكنيها إلا قبره فعبثا تحاول أن تجده!

انــــــــتهـى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى