الجمعة ١٣ نيسان (أبريل) ٢٠٠٧
بقلم إبراهيم مشارة

العـربي ولـد صالحـة

العربي ولد صالحة هو راعي حينا السويقة في زمورة بالأمس القريب، أما اليوم بعد أن أشرف على الستين فلا عمل له إلا التسكع في أزقة البلدة من بيته إلى باب السور إلى أولاد صالح إلى جماعة السويقة وإلى طريق جيشار (نسبة إلى مهندس فرنسي أشرف على إنجاز الطريق أيام الاستعمار الفرنسي).

تراه إذا ارتفع الضحى وفي رائعة النهار وفي الأصيل والغسق كعادته مقرفصا هنا أو جالسا على حجر هناك أو واقفا متأملا هنالك شارد الذهن كأنه صوفي بلغ به الوجد مبلغه، وقد لف جسمه المكتنز في برنوس الوبر البني الذي لم يعد كذلك لكثرة الأوساخ والغبار العالق به، أما الوجه فممتلئ يكاد يكون دائريا على أبعاد متساوية من المركز ينم بحمرته عن صحة لم تستطع السيجارة ولا الزمن بتعاقب أيامه هدها، والغريب في الرجل أننا ما عهدناه إلا حليق الذقن وما رأيناه مرة أرسل لحيته كأنما كان ولازال يباهي بعافيته، ويتربع في قاعدة ذلك الوجه فم لم يبق فيه من أسنان الفك العلوي إلا الناجذان كأنهما شاهدا قبر مقلوب، ويبرز من ذلك الوجه أنف كأنه هرم اطمأن إلى ضخامته ومركزه المرموق من ذلك الوجه. وربما أمعن الرجل في تقدير أنفه فأبى في عز أن يعفره في التراب، فهو لا يسأل ولا يرجو معونة من أحد على الرغم من خصاصته وفقره المدقع فكم مرة ابتدرته بالقول:

- العربي خذ اشتر سجائر

فيرد على الفور:

لا لا عندي يعطيك الصحة

وكنت على يقين أنه لا يملك دينارا ولكنه كما ترى ما انتصبت أرنبة أنفه إلا لتذكرك أن الرجل صاحب كرامة لا يريد لها الخسف ورجولة يدل عليها الشارب الذي كان يقصه وينضده، وأما العينان اللتان علتهما جبهة عريضة كثرت غضونها لكثرة ما مر عليها الزمن بعجلاته فصارت كأنها أخاديد عميقة، كنت أختلس إليهما النظر فنظراتهما فيهما انكسار وانكسارهما كان لغة تفصح عن العجز أمام وطأة الظروف وقهر الحاجة ومرارة الوحدة، فكأن تلك النظرات كلما أحست أن شخصا ما يكاد يظفر بسرهما انكسرتا وتسللتا مع أديم الأرض، غير أن جاذبية الوجه تمثلت في سالفيه وقد وخطهما الشيب منحدرين حتى العذارين تذكرك بسبعينات القرن الماضي، أما الرأس الذي يكاد يكون أصلع فقد غطاه بقبعة، شاشية قديمة مهترئة، وتحت البرنوس الوبري لف جسمه الطويل العريض في سروال وسترة بالية لم يفلح بعض الجيران في الحفاظ عليها نظيفة، وأخيرا دس قدميه في نعل مغبرة كسترته تصدق بها أحد الأخيار عليه.

كان العربي كما تقدم راعي البلدة في سبعينيات القرن الماضي إذ كان لكل بيت من بيوتها رأس أو أكثر من الغنم أو الماعز يستعين بها الناس على تدبير أمور معاشهم، كانوا يجمعون له القطيع في باب السور وهو بطحاء غير متسعة ولكنها تفي بالغرض ويخرج العربي من بيته يمشي الهوينى وقد وضع في جرابه كسرة خبز وقليلا من التين أو الزيتون أو الزيت وهو زاد يرسله كل يوم بيت من البيوت، وعلق بكتفه وعاء جلديا صغيرا للماء تدلى إلى خاصرته ووضع عصاه مستقيمة وراء عنقه ودلى عليها ذراعيه كأنه ملك خارج إلى رعيته من الماشية وربما تدلل قليلا فلو أضرب عن العمل لجاعت الماشية وبلغ صياحها عنان السماء، وإذ يجتمع القطيع يسوقه إلى المرعى ولا يعود إلا في آخر المساء والشمس قد غابت ولم يكن يملك ساعة ولا هو يعرف قراءة أرقامها، فساعته الشمس واليوم عنده يبدأ من طلوعها وينتهي بغروبها وربما منح بعض الماعز أو الغنم أو الجديان والحملان صداقته وعطفه وأظهر البغضاء للبعض الآخر وتعلل لذلك بكون هذه المعزاة مجنونة وتلك الشاة ثقيلة الحركة وذاك التيس شبق عنيد، وكم مرة عاد إلينا يحمل جديا ولد ليومه يضمه إلى صدره كأنه ولده وكم مرة عاد إلينا وهو يحمل معزاة مذبوحة نهرها وزجرها في المرعى فلما أبت الامتثال لأوامره ضربها بحجر فأصاب المقتل وعاجلها قبل أن تموت جيفة فذبحها وما ذكر اسم الله عليها ولا هو فكر فيه يوما، وعاد إلى أصحاب المعزاة بلحمها فتعول صاحبة الدار وتقيم مناحة وترثي الفقيدة العزيزة معددة خصالها وتذكر كيف خفت إلى المرعى على أربع نشيطة بعد أن در ضرعها حليبا فإذا هي تعود محمولة على عنق العربي ورقبتها تتقاطر منها الدماء ويغضب صاحب الدار، ويهيج لكن صاحبنا الراعي لا يقبل جدلا ولا يجيد اعتذارا كأنه حجر أصم وكأن فعله القضاء النافذ وكم كنا نصطف على تلة في "باب السور" ننتظر عودة القطيع في المساء، كنا كمن ينتظر أوبة مسافر ذهب يسعى في سبيل رزقه، يتلهف كل واحد منا على لقاء جديه أو حمله أو معزته ولربما بلغ ببعضنا الشوق مبلغه فلقي جديه أو حمله محتضنا مقبلا، وربما بلغت القلوب الحناجر وظن بالأقدار الظنون واطمأن بعضنا وانهار أحدنا لما وقعت الواقعة ولم يجد وديعته بين القطيع وذرفت الدموع وقدم واجب العزاء لصاحب الوديعة الغائبة وحث على الصبر والسلوان، لقد اختطف الذئب وديعته في بطن الوادي كمن لها كمون الموت لابن آدم وغافل العربي فأخذها غنيمة ومتاعا، على أن العربي كان إذا علم بتربص هذا المجرم الخطير أشهر سلاحه وقذفه بحجر من منجنيقه وأبلى في ذلك بلاء يتسامع به أهل البلدة ويكبره رعيانها الآخرون فعصم بذلك قطيعه من مكر الذئاب وما أكثره!

لم يتعلم العربي في كتاب شأن كل فرد من أفراد البلدة على اختلاف أعمالهم ولهذا فهو لا يعرف الباء من التاء ولا يحفظ حتى سورة الفاتحة ولا صلى في حياته ولا نذكره إلا بنسبته لأمه صالحة التي ماتت بعد أبيه منذ زمن طويل ربما أيام الثورة، ماتت وتركته أمانة في ذمة الفقر والعري والجهالة والجوع هو وأخاه محمدا أو الحامدي كما كنا ندعوه في بيت قديم متهالك قدر لا تخلو زاوية فيه من نسيج العنكبوت ونشأ الأخوان على معونة الجيران وإحسانهم ولأنهما لم ينتسبا إلى كتاب وما عاشا في كنف والديهما ولا عرف دفء عائلة تولى الفقر والجهل رعايتهما فعطلا فيهما قوى العقل فنشآ بليدين خاملين، غير أن ناموس الطبيعة عمل عمله فنما الجسدان بقدرة قادر وهكذا استوى الحامدي رجلا ربعة محمر السحنة ممتلئ الجسم أفطس الأنف وقد انسدل شعره الأسود على كتفيه على صلع في وسط الرأس وكان من عادته أن يقرفص أمام بيت الجيران إذ كان لا يشارك أخاه الرعي وقد ظهر منه ما لا ينبغي أن يظهر من الرجل لرثاثة ثوبه ولم يكن يبالي بالقمل وهو يصول ويجول في رأسه وربما أمعن القمل في التعبير عن حريته فخرج إلى الجبهة وربما وصل إلى الخدين الممتلئين وهو مغف أو يقظان كالنائم وإذا سألته رد بكلمة واحدة فقد كان مؤمنا بأن خير الكلام ما قل ودل.

وكنا ونحن صغارا نعابثه ونلح عليه ونكلفه من الأمر عنتا ونتماجن عليه وربما أمعن بعضنا في أذيته فجذبه من شعره أو عيره بعورته فيقوم متثاقلا وقد عقد يده مضمومة تعبيرا عن استعداده للكم دفاعا عن نفسه مكتفيا بالقول:

- اللي ضحك مع والديه بكى!

فنجري هربا ثم نعود إليه ويقوم إلينا ثم يهجر المكان لائذا بالبيت المهجور. وذات يوم سمعنا من يقول أن الحامدي اختفى من غير سابق إنذار ترك البلدة إلى غير رجعة ولا أحد يعرف له طريقا أو مستقرا ولم يصادفه أحد في أية مدينة أو بلدة أخرى، و قد مر الآن على الحادثة أكثر من ثلاثين عاما وكنا إذا سألنا أخاه العربي اكتفى بالقول:

- محمد راح رفد روحه (أخذ بعضه ومشى)!

وهكذا خلا إلى الوحدة أو خلت هي به فنشأ كما كان أبو العلاء المعري يقول عن نفسه أنه انسي الولادة وحشي الغريزة، استمر في بلادته وحفي بها وآنست هي إليه ومال إلى الصمت بعد أن هجر البيت أخوه ولأن الإنسان اجتماعي بطبعه كما يقولون اجتمع هو بالحيوان لا بالإنس وربما كان لسان حاله يقول مع القائل:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عــوى

وصوت إنسان فكدت أطيـــــــر

ولك أن تستبدل جملة "عوى الذئب" بجملة هدلت الحمامة أو ثغا الخروف أو مأ مأ الجدي ليطابق لسان الحال واقع الأمر فقد ملأ البيت بالماعز والغنم والجديان والحملان وهي ليست له وربما ألح في طلب استضافتها عنده ليستأنس بها، ودجن الحمام فتهافت على بيته مصبحا وممسيا وداجيا وتوطدت وشائج القرابة بينه وبين الحمام وعلمته الأيام والدربة طبائع هذا الطير فيزعم لك تفسير ما قال قمري لحمامة وينظر إلى الحمام وهو طائر في الأجواء فيعرف القمري من الحمامة كما كان يقول، ومن غرائبه وما أكثرها أنه كان إذا حل العيدان وامتلأ مسجد (ابن الحسن) عن آخره بجموع المؤمنين هرعوا زرافات ووحدانا وفي أيديهم مسابحهم ورائحة المسك تنبعث منهم وقد ارتدوا لباسهم الأبيض لباس التقوى والإيمان (القندورة والبرنوس) وصوتهم الموحد يحمله مكبر الصوت في لحن عذب خاشع إلى كل أنحاء "السويقة" سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله .. الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ترى العربي في صبيحة ذلك اليوم البهي قد أجاد حلق ذقنه وغير شاشيته بأخرى نظيفة وارتدى لباسا نظيفا، السترة والسروال ينمان عن غسيل متقن تكفل به الجيران والحذاء أزيلت طبقة الغبار العالقة به ووقف مع المنتظرين فراغ المصلين من أداء صلاة العيد ليهنأ بالعيد جادا منتصب القامة، اليوم لا تعوزه اللباقة والبسمة البلهاء الحائرة لا تبرح ثغره كأنه يستقبل موكبا حاشدا رسميا ومن واجبه أداء الواجب والوفاء بضرورات العرف ومراسم الاجتماع فلا يلبث أن يصافح هذا ويغض بصره قليلا مع آخر اختلف معه منذ أيام حول معزاة جريحة أو نعجة ذبيحة ويقول في صوت خفيض كأنه الهمس لخصمه:

- عيدك مبروك

فيرد الغريم هاشا باشا

- غفر الله لنا ولكم!

كأنه يأبى أن يفسد على أهل البلدة احتفالهم بالعيد وابتهاجهم بمقدمه وإذا كان يعيش لوحده بلا زوجة أو ولد فهو يصر في هذا اليوم على أنه من أهل السويقة وكأن لسان حاله يقول مع القائل

وما أنا إلا من غزية إن غوت

غويت وإن ترشد غزية أرشد

وما غوت غزية اليوم ولكنها احتفلت بالعيد وأصر فتاها وراعيها على مقاسمتها الفرح بالعيد ولو أن الرجل كان كقلة ماء مهجورة مثلومة وفارغة اللهم إلا من الكمد والوحشة والبلادة ولازال ذلك دأبه إلى اليوم كلما لاحت تباشير العيد!

وأما وحشية الغريزة فتجلت في عنفه إذا ثار وفي قوة اللكمة إذا سددها إليك، وكان الجميع يهابونه إذا أمسك حجرا فكأنه الرصاص يصيب بالعطب، وقد اتخذ له من القماش وسيلة بدائية يرمي بها الحجر (المعقال كما كنا ندعوه) منجنيق من القماش يقذف بالنار لا بالحجر والقلب على من أصابه! ثم خطر لأهل البلدة أن يزوجوه فالزوجة ستصلح من شأنه وتؤنس وحدته وتنظف بيته وتقوم على رعايته وربما رزق منها الولد فانقلب انسي الولادة انسي الغريزة! واجتمع رجال البلدة وبتوا في أمر زواجه وتولت النساء الخطبة بعد أن دلتهم واحدة على مطلقة من بلاد القبائل وسعى الرجال خاطبين وفتح الله عليهم بالرضا والقبول من أهل العروس.

وأصبح بيت العربي خلية نحل، النساء ينظفن والرجال يصلحون ما تهدم من البيت وأضئ البيت بالكهرباء واختفت المسرجة أو الشمعة وطليت جدران البيت وفرشت الفرش وأهدى إليه مذياع وبعض الأثاث العتيق استعدادا لقدوم العروس حتى إذا حل اليوم السعيد زغردت النسوة ورقص الرجال وذبحت الذبيحة ومدت موائد الكسكسى واللحم والعريس منذهل كأنه مخدر لا ينبس ببنت شفة وكأن الأمر لا يعنيه، وتولت الطبيعة العاملة في الجنسين التقريب بين الزوجين وما دار العام دورته إلا والعربي قد صار أبا لمولود ذكر يحمل اسمه، غير أن الغريزة الوحشية فيه لم يبدلها الزواج إنسية، فقد ظل على فظاظته وبلادته أيضا وداوم على الاستئناس بثغاء الخروف وهديل الحمامة ومأمأة الجدي، وضاقت به الزوجة وهربت إلى أهلها وأعادها أهل البلدة وهربت ثانية وثالثة ورابعة وأخيرا إلى غير رجعة مع ولدها!

واشتد الخلاف بين العربي وأهل البلدة بعد أن كثرت ضحاياه من الماشية المجروحة والمذبوحة وصبر الناس عليه فلم يسمع نصحا ولم يقبل توسلا ثم يئسوا منه كما يئس الكفار من أصحاب القبور فأحالوه على المعاش بلا معاش رسمي!

ومنذ ذلك اليوم وقد مر على الحادثة عشرون عاما أو أكثر وهو يعيش في بطالة يذرع الأزقة جيئة وذهابا صامتا كدأبه يعيش على إحسان الجيران ولم يحدث أن خرج من البلدة يوما واحدا ولا هجع في غير بيته ولا زار طبيبا أو سمع به وقد توالت على زمورة خطوب أي خطوب!

ألمت بها الفتنة الصغرى في منتصف السبعينات وأحرق بعض شبابها دار البلدية وأ دخل الثائرون السجن، ثم جاءت التسعينات وداهمتها الفتنة الكبرى وسالت دماء كثيرة، وتوالت على العالم محن يشيب لها الولدان وأهل البلدة لا يلتقون إلا للحديث عنها والاختصام بشأنها كل ذلك والعربي غير معني بالأمر، ولا فهم عن الناس ما يخوضون فيه من حديث وما يختصمون بشأنه كأنهم يتحدثون باللاتينية!

غير أنه إذا جن الليل من كل يوم وسكن الطير واستسلمت البلدة إلى سكون هادئ جميل تسلل إلى كل بيت صوت شجي حزين يستولي على الفضاء إنه صوت الناي أو القصبة التي طفق العربي يعزف عليها، ولأن بيته القديم يربض عاليا على تلة مقابلا البيوت الأخرى، كان الصوت يستولي على المكان ويتسلل إلى كل أذن وقلب فلا تلبث صاحبة البيت أن تقول:

- اسكتوا العربي يغشبط (أي يعزف)

كان الناي يئن بتأثير من نفس العربي المعذبة المستوحشة الحزينة فلا يلبث ذاك الصوت أن يعدي كل قلب بالبر حاء، نعم ها هو قد انقلب إنسانا وفنانا يعزف على الناي ويستأنس به بعد أن عهدناه في النهار فظا بليدا منذهلا كأنه علامة تعجب، وهاهو عزفه يدخل كل بيت منطلقا من نافذة بيته الصغيرة، شد ما كان يأخذ بشغاف القلب عزفه! إنه لا يقول بالكلام ولا بالمكتوب الذي لا يعرفه شيئا عن معاناته ولكنه بالعزف يظهر المكنون ويجلي السر.

إنه يعزف للسماء حاديا بنجومها وقمرها، وللشجر الذي يتجاوب معه بحفيفه وفي الصميم إنه يعزف لأمه التي رقدت في قبرها تسف من ترابه ولأبيه الذي أعرق في البلى ولأخيه الذي ما عاد ولو بخفي حنين وللزوجة التي هربت بالولد غير محتملة إياه وللدنيا التي اتسعت للملايين وضاقت به وحده ويعزف وقد استسلم بعضنا إلى دعة الحب أو بهجة الأنس وهو بذلك ينطق معاناته التي كانت في النهار خرساء لا باللفظ السالك مجرى الطعام ولكن باللحن الشجي وكأنه يقول لأهل البلدة إني أحسن شيئا لا تحسنونه. ومازال العربي يتعاقب عليه الأحدثان بلوى خرساء في النهار وصوت شجي تنبجس معه الأحزان من قرارة النفس في جوف الليل وهو يشيع الدفء والرضا والدعابة بين شبان البلدة اليوم إذا ألحوا عليه واستلوا منه الكلمات إذ يبتدره متماجن خبيث بالقول:

- العربي هل لك في الزواج؟

فيرد

- لا لا الزواج غالي

- فيقول آخر متغامزا: وما شأنك أنت وغلاء الزواج؟

نزوجك ونأتيك بامرأة تصلح من شأنك تغسل لك ثيابك وتطهو لك طعامك وتؤنس وحدتك ومازال في العمر بقية، كم عمرك؟

فيرد متثاقلا

- لا أعرف، ثم يردف وقد صرف بصره ذا النظرة المنكسرة إلى الأفق البعيد وحدي أفضل

- فيقول المتماجن:

- نعيد إليك زوجك وبالمناسبة يعود إليك ابنك الذي صار الآن رجلا وسنجعلها حفلا بدلة جديدة لك والدش على حساب الصالح

- فيقاطعه العربي

- أحفيظ! (معاذ الله)

فهو يكره الدش والاغتسال إلا فيما ندر وربما بالإلحاح فيقول الصالح

- إذا لم تقبل بفكرة الزواج لا سجائر لك عندي بعد اليوم فيذعن المسكين ويوافق على الزواج باللفظ فقط حتى يتخلص من الإلحاح ومن الحرمان من السجائر وما كانوا يحرمونه ولكنها الدعابة ودواعي التمثيلية.

هنا ينتصب أحدهم قائما ويقول:

- الفاتحة ويومئ إلى العربي برفع يديه لقراءة الفاتحة مع الجمع ثم يقول:

- هذه فاتحة العربي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم...... آمين أما العربي فهو ساهم الفكر لا يقرأ حرفا لأنه لا يعرف كلمة من هذه السورة وقد رفع يديه كأنهما عش طائر فارغ.

- الدخلة الخميس القادم

ثم يأتي أحدهم بخاتم من قصدير صغير ويحشره في أصبع الرجل حشرا معلقا

- هذا خاتم الخطوبة احذر نزعه يا بطل أنت عريس مع إرجاء التنفيذ وينفجر الجميع ضاحكين والرجل يقلب نظراته المتوسلة بين أفراد الجمع ولا ينصرف إلا بعد لأي إلى بيته ذاك القديم الرابض على تلة مقابلا سائر البيوت الأخرى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى