الخميس ١٩ نيسان (أبريل) ٢٠٠٧
بقلم بيانكا ماضية

التحقيق الأخير

كان مستلقياً على سريره الضيق الذي مل رائحته الكريهة ... شبك أصابع يديه ووضعها فوق جبينه وراح يفكر في التحقيق الأخير ....

لم يكن هذا التحقيق كغيره من التحقيقات .... اللجنة مؤلفة هذه المرة من كبار الضباط .. لقد وعدني ذلك اللواء الذي تشير علائم وجهه إلى بشرى لم أرها منذ زمن بعيد أن يطلقوا سراحي .... ولكن لماذا تأخر الوعد ..... خمسة وعشرون عاماً مرت وأنا على موعد مع الحرية في هذا السجن الأبدي ... متى تأتين إلي أيتها الحرية الحسناء ؟؟؟

بعد قليل .... فتح باب الجناح ....

- غسان الأحدب .... جهّز حقيبتك ... إفراج !!

- يا إلهي .... هذا المجرم القاتل الذي أفرغ مسدسه في دماغ أخيه لأن أباه تنازل لأخيه عن كل أمواله ... كيف يتركونه حراً طليقاً .... وأنا ما أزال أقبع في هذا المكان المضجر .... والله العظيم لم أفعل شيئاً ..... صحيح أن جاري كان يستقبل الوفود تلو الوفود في بيته ، وكان يعقد الجلسات والندوات ، وتضم مجالسه نخبة المثقفين الذين كنت أقرأ لهم بعض المقالات في الصحف ، ولكنني لم أكن أدري أنه من حزب الـ ....... وأنه كان يخطط لأمر ما .... وكيف لي أن أعلم .... لم أزره في حياتي .... ولم أر وجهه قط .

اشتقت لزوجتي وأولادي .... ترى أين هم الآن .... صحيح أنني لم أرهم منذ عشر سنوات بعد أن نقلوني إلى هذا السجن التائه في الصحراء .... ولكنني على يقين بأنهم قد اشتاقوا لي أيضاً .....

النور يتسلل إلى الغرفة من نافذة صغيرة تعلو الجدار ....

فتح باب الجناح :

- عدنان العبد .... انهض هناك لجنة تريد أن تحقق معك ...

- كل اللجان تحقق معي ... وما من لجنة تفي بوعدها ....

- انهض من دون ثرثرة ....

نهض من فراشه وارتدى ملابسه ... ومشى في الممر الطويل بخطوات ثقيلة إلى أن وصل إلى غرفة التحقيق ..... نقر على الباب بهدوء ..... وإذ بصوت من الداخل :

- تفضل ....

فتح الباب وهو يفكر ... ما الذي يريدونه مني اليوم .... كل ما لدي قلته منذ خمسة وعشرين عاماً ....

- صباح الخير سيدي

- صباح النور ... تفضل اجلس .... وحدثني عما تعلمه عن جارك .....

- لا أعلم عنه شيئاً ، حتى أنني لم أره بعد أن سكن بجوارنا ... كنت ألتقي بعض زائريه وأنا عائد إلى منزلي مساء .... هذا كل ما أعرفه ...

- ألا يوجد لديك شيء جديد تود أن تقوله ؟

- لا

- هل أنت نادم لأنك لم تبلغنا ؟

- نعم نادم سيدي ؟

- تفضل ودوِّن توقيعك على هذه الورقة .... لتتعهد بأنك إن علمت شيئاً جديداً حول أي موضوع يتعلق بجارك فسوف تبلغ السلطات الأمنية ....

أمسك بالقلم الذي أعطاه إياه المحقق وراح يدون توقيعه وهو يقول :

- هل سأخرج من هنا سيدي ....

- بعد ساعات تكون خارج هذا السجن ....

وما إن سمع هذه الكلمات حتى لم تعد قدماه تحملانه .... وسقط على الأرض من فرط فرحته .... وبدأ العرق يتصبب من جبينه .... وشعر بأنه يرغب في الذهاب إلى الحمام .....

- اجلس يا أخي اجلس .... صحيح أن فرحتك لاتسعها الدنيا في هذه اللحظات .. ولكن تماسك نفسك جيداً ..... إلى أن تصبح خارج هذا المكان ...

نادى المحقق أحدهم ليأمره بمساعدة الرجل كي يصل إلى غرفته .....

وفي الممر سأل عدنان الرجل الذي استند إلى ذراعه ...

- هل أنا في حلم أم في يقظة ....

- أنت لاتحلم ... هذا هو الواقع الذي تعيشه ..

- لقد أفرجوا عني .... لا أصدق نفسي .... لقد انتظرت هذه الساعة خمساً وعشرين سنة ...

- مبارك ألف مبارك ...

- لا أستطيع الوقوف بمفردي ... قدماي لاتستطيعان حملي ....

- والله حقك يارجل .... خمس وعشرون سنة ليست زمناً قصيراً ..... المهم أنك ستخرج أخيراً .....

وصل إلى الغرفة وأعلم زملاءه الذين كانوا معه في الغرفة نفسها أنه سيخرج بعد ساعات وبدأ الآخرون الواحد تلو الآخر يقبلونه ويهنئونه بالخروج ... منهم من بكى لأنه يتمنى لنفسه هذه اللحظة ومنهم من فرح له فرحاً شديداً لأنه قد رآه وهو يعاني الأمرين خلال هذه السنوات الطوال ...

أعانه الزملاء على ترتيب أشيائه وملابسه ولوازمه ..... وجلس ينتظر الكلمة الفاصلة بين الموت والحياة ....

- عدنان العبد ... إفراج .....

وبكى في تلك اللحظة بكاء لم تغتسل به عيناه مذ أن رأى طفله الوحيد قادماً إلى هذه الحياة .... تذكر تلك اللحظة التي حمله فيها على ساعديه وقبله من جبينه قبل أن يعطيه إلى أمه التي ولدته للتو ....

خرج من باب السجن وكأنه خارج من عتمة إلى نور .... وقف قليلاً واستنشق عبير الهواء المنعش .... وشكر ربه على أن جعله يعيش هذه الساعة التي حلم بها طويلاً بعد أن ظن أنه سيمضي بقية حياته في السجن ...

- ما أجمل الحياة في الخارج .... قال والدموع تنهمر على خديه .....

استقل سيارة أجرة وطلب من السائق أن يقله إلى الحارة التي يسكن فيها ....

سأله السائق :

- هل كنت تزور أحد المساجين ؟

- لا ... كنت أنا المسجون ؟

- الحمد لله على سلامتك يا أخي ... كم عاماً قضيت في السجن ؟

- خمسة وعشرين عاماً ..

- خمسة وعشرون عاماً .... ربع قرن .... الحمد لله على السلامة !!!

- شكراً جزيلاً ياعم ..

- هل تعرف عائلتك أنك خرجت وأنك ذاهب إليها ؟

- لا لا تعرف !!

- هل لي بطلب منك يا أخي ؟

- تفضل

- هل تسمح لي بأن أبشر عائلتك بخروجك وقدومك معي ؟

- مثلما ترغب وتحب !!

- في أي طابق تسكن ؟

- في الطابق الرابع !!

وما إن وصلا إلى الحارة التي يسكن فيها عدنان حتى أشار هذا الأخير للسائق إلى البناء الذي يسكنه .... أوقف السائق السيارة وترجل منها راكضاً إلى الطابق الرابع ليعلم عائلته بعودة المسجون .... قرع الجرس ... ففتحت له زوجة عدنان الباب ... أخبرها أن زوجها أفرج عنه وهو معه في السيارة وطلب منها أن تستعد لاستقباله .... نظرت الزوجة في عيني السائق نظرة حادة وطلبت منه أن يخبر زوجها أنها لاتريد رؤيته ولاتريد سماع اسمه ......

- والأولاد ؟

- أي أولاد ؟!! .... الأولاد لا يفخرون بأبيهم خريج السجون .....

- ولكن الرجل مظلوم .... حرام عليك يا امرأة ..... بعد خمسة وعشرين عاماً تفعلين بزوجك ماتفعلينه الآن ......

* * *
وانتفض عدنان ليرى نفسه أنه لايزال مستلقياً فوق سريره .... فشكر ربه أنه لم يزل فوق هذا السرير ذي الرائحة الكريهة ..... وكان النعاس قد غلبه وهو يفكر في التحقيق الأخير .....


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى