الطواف حول فصول الأزمان القصيدة الفائزة بالمرتبة الأولى في مسابقة الشعر الحر لعام ٢٠٠٧

، بقلم شادي شحود حلاق

الفصلُ يَزرع -هائجا-
في النّفْس آلافَ الطقوسْ.
وجهٌ يحدّث للمرايا ذكريات الأرض ِ،
تُرسم في الوجوه خرائطُ الأزمان ِ،
يقرأها المكانُ
يَصبها تحت التراب صدى ـ
فيَنبتُ في تراب النفْس ذاكرة ً
تُكوّن ما سيأتي ...
النور قرب الروح يدفئ قلبَنا
و الوشوشاتُ تَرنّ في الآفاقِ
كالأمطار إنْ رقصتْ بليلة عيد إسراء الغيوم إلى الترابِ
و عيدِ معراج القلوب إلى القلوبْ
َصَّبتْ غيومُ الروح نبضا في الكؤوسْ
مُلئتْ كؤوسُ الحب ، و ارتشفتْ شفاهُ القلب نبضَهْ
فإذا بها قد أَشرقَتْ من وجهها الشتويّ
و المُغبرِّ والعذبِ . . الشموسْ
و انشقَّ في الآفاق دربٌ أخضرٌ
و كأنه الآفاق مدَّ يدا
يصافح روحنا
فبدا هنا في الأرض وجهُ الأفق مصلوبا
يُشكِّلُ شهوةَ الأيام و الذكرى
و يَرشُقُ عطرَهُ السحريَّ مع عطر الكروم مُعطِّراً أرواحَنا
حتى تَمازجت النفوسُ مع النفوسْ
الآن يتّحد السلامُ مع السلامْ
الفصلُ حُبٌّ
فاستعدي يا جهاتي.. للهيامْ
أحبيبتي..
هذي العطورُ عطورُ جسمكِ
و النوارسُ من عيونك قد أتتْ
و الغيمُ هذا من تَبَخُّرِ نارِ دمعكِ
جاء بحثا عن غيومي
كي نُعيد لنا الهُطولْ
الآن إنّا قد توالجنا و ضعنا بين بعضينا
و لم نَعثرْ علينا
و تعانقت أشواقنا بفؤادنا
و فؤادُنا مُتشبِّثٌ بجذورنا
و الجذرُ مُمتدٌّ من التُّفاحة الأولى
إلى أقصى بساتين الندمْ .
من حيث يشتعل اللقاء و ينطفئْ
تتكوّنينَ و تختفينَ بلا اختفاءْ
أنتِ البدايةُ ،
و الختامُ بلا ختامْ
من حيث يَبتدئ الهيامُ بدأتُ ألهثُ
خلْفَ أشرعة الدمارْ
و أنا عشقتُ ، أنا أموت ، أنا أحبّكِ،
كيف أنسى ظِلَّنا حيث التقينا،
و المكانُ أحبَّنا ،
و تكحَّلتْ عيناهُ ،
عَطَّر جسمَه من أجلنا
حيث امتزجنا غيمةً قد أمطرتْ فُلاًّ
يُعرّش عطرُه بين الكواكب سابحا مُتألّقا
يَنشقُّ حوله ـ دائخا ـ
عَرْشُ النهارْ
إنّا صُلبنا الآن ـ ذكرى ـ في الجدارْ
و تشردت آمالنا و تصاعدت و تطايرت و تطايرتْ
حتى البُخارْ
و تجمَّدتْ فينا السماءْ
الفصلُ دمعٌ
فاستعدّي يا جهاتي .. للبكاءْ
الدمعُ يَشربُ من عيوني ناظِرَيّ ْ .
و حبيبتي البيضاءُ تلك حبيبتي الحمراءُ ـ (( نَرْمائيّةٌ ))
قد أشعلتني أغرقتني
شَرّشَتْ ما بين أعصابي و أعصابِ الزمانِ
كما جذور ـ لا تُرى ، وهمية ـ عند الجبالْ
بيني و بين حبيبتي نَفقٌ و لكنْ
مِنْ سرابٍ ..
جاء وجه حبيبتي من ذلك النفق الغريبْ
جاءت بوجه الحب و ابتسمت أمامي عندها
هطلَتْ ، كأمطار بوجه الصيف ، بسمتُها
على صحرا دمي.
تتسلّقُ الأعصابَ بسمتُها
و تقطفُ منْ دميْ قمراً يدورُ بلا هدىْ
فأدورُ مع قمري و نسبحُ في الضَّياعْ
و أعودُ من وجعي : يبلّل ناظريَّ حليبُ بدرٍ دافئٍ في جسمِها القمريِّ .
يبلعُ ثغريَ الصّمتَ المعتَّقَ في شفاهيْ
ثم يُسْكرني السُّكونُ فأرتمي ظلاًّ
لجسمٍ تحت أقدام الصراعْ.
في جسمها سفنٌ و بحرٌ،
و الظلامُ به شراعْ.
مجنونةٌ ريحُ الزمانِ تجيء عاريةً
بشهوةِ ألفِ بُعْدْ
تغتالُ دفءَ القربِ من حُبِّي
فأجلسُ راجفاً من شِدة الفَقدْ .
في جسمها الغجريِّ رائحةُ الوداعْ
الدربُ يمشي لا يَملْ
و أنا على ظلّي أدورْ:
ظلٌّ تكسَّرَ فوق ظلْ
و القلب تحفره القبورْ.
يا ليتَ قلبيَ َيرتحلْ
نهراً إلى بدءِ العصورْ
لأسيلَ من رحمِ الأزلْ
و أُصبَّ في يومِ النشورْ.
هذا الزمانُ يسيرُ ، يسبحُ في الدموعْ
و النارُ تتركُ ما تبقّى من رمادٍ للشموعْ
الفصلُ ذكرى
فاستعدي يا جهاتي .. للرجوعْ
من حيثُ يَبتدئ الكلامُ تكوَّنت عيناكِ
و انسكبتْ على شفتيك أغنيةٌ مضرَّجةٌ
بنورِ الحلم الأمطار و الإعصارِ ،
و انتشرتْ على كفّيكِ ألوانٌ مبلّلةٌ
بعطر الحب و الموت الذي ينمو به صمتٌ
و موسيقى و دمْ
و هناك سار الريحُ خَلْفَ الريح خلف الصِّفرِ
يلهث في ليالي شعرك الممتد من ثمر الحروف
إلى بذور الحرف يبحث عن نهارْ
و من ابتداء الحب أنجبتِ المشيئة ُظِلّكِ المرميَّ ـ سِحرا ـ
فوق أصوات البراري و البحارْ
و أنا تكوّن داخلي في نحو ستّة أدمع ، كونْتِها
ثم استويتِ على فؤادي
و قد انتشرتِ على امتدادك و امتدادي
وهنا غفوتِ على دمي فوق الألمْ.
تعبَ المكانُ فمنذ نخل لم أنمْ
الفصل نومٌ
فاستعدي يا جهاتي . . للحلُمْ
يمشي بنا الحلم الجريح إلى وطنْ
يمشي بنا الوطن الخجول إلى حلمْ
تمشي بنا الأيام ، تسكبنا بأرض قاحلهْ
نمشي ، نَجرُّ وراءنا التاريخ ؛ يسبقنا
و يركب في القطار و يرحل التاريخ يرحل
ثم نبقى لاهثين هناك خلف القافلهْ
لِمَ أيها البدء الذي كوّنْتَني
كوّنتَ روحي مستقيما
و تركتني أمشي ـ هنا ـ فوق الدروب المائلهْ ؟!
هذي القلوب مُسدَّدهْ
نحو الرماحْ
هذي الأماكن مُسنَدهْ
فوق الجراحْ
هذي البلاد مشرَّدهْ
مثل الرياحْ .
تتسلق الأحلامُ أغصانا بجسمك يا حبيبة؛ إنما
بعد الوصول إلى ثمار الحلْم ترتعش الخطا
تتعثر الخطوات بالضوء البعيد
فتسقط الأحلام تسقط في تراب الواقع المنسوج
من حُزن النواحْ
الفصل شمسٌ
فاستعدي يا جهاتي . . للصباحْ
خلْف الجهات وجدت خِلّي
ركضتْ خطايْ
نحو المدى .. و تركت ظلّي
فوَصلتُ ـ لم ألق سوايْ .
ما زلتُ أجلس في النهاية حافيَ الأشياءِ
أنتظر البدايةَ،
و البدايةُ واقفهْ
و كذلك الطرق التي
بين البداية و النهاية عاصفهْ
و اللحظة الأولى لبدء السير كانت راجفهْ
و أنا هنالك في النهاية كالبداية كالحكاية كالأساطير الحزينةِ
كالنهايةِ ،
و النهايةُ نازفهْ.
الصبر يشرب من دمي
و الوقت يحرقني فأَطعن ـ ها هنا ـ بخناجر الصرخات،
خاصرةَ المسافات الطويلة بيننا
لكنها ، هذي المسافات العنيدة لا تموت
لو أنه الإيمان ينمو في القلوب:
إن المسافة أدهر ضوئية
بين السماء و عقلنا
لكنها هذي المسافة قدْرها
بين السماء و قلبنا (( سَنْتِيْدُعَاْءْ )).
يا أيها الدرب المضرج بالفراقْ
هل جئتَ تَزرع في دمي
شوكَ المسافات التي لا تنتهي ؟!
أم أنني أنا جئت من رحم الفراق ليرتدي الأبعادَ عمري
كي أكون ممدَّدا للموت جسرا من عناقْ ؟!
لا الدرب تدركه الخطا لا لا
و لا الإسراء يبدأه و ينهيه البراقْ
كلٌّ على قدَر حزين يرحلون و ينصُبون بقاءَهمْ
قبرا على ظلِّ الصهيلْ
إن المكان ـ هنا ـ قتيلْ
الفصل هجْرٌ
فاستعدي يا جهاتي . . للرحيلْ .
هاجرتُ من قلبي إلى قلبي ـ هناك ـ
فأوقفتْ نبضي الحدودْ
قالوا : ـ جوازك يا غريبْ .
_ هل .. هل أنا ..؟‍‍‍
أحرقتم التاريخ و الذكرى هنا
هذي بلادي ..
إني أتيت إلى فؤادي .
قالوا : ـ جوازك يا غريب .
_ إني قريب ، بل و أقرب من قريبْ
يحتاج دمِّي كي يسافر من وريدي نحو قلبي
خِتما و توقيعا و تنفيعا لأعدائي ،
و ترقيعا لأشلائي ،
و إذنا للسفرْ !!
وقفت خطايْ
بين السراب على الحدودْ
و رمت يدايْ
ما قد حملتُ إلى الحبيبة من وعودْ
و بقيتُ وحدي في مدايْ
لا ، لا أروح و لا أعودْ .
الموت يشبهني
و إني الآن أشبههُ
وقبرٌ ليس معروفا ـ هنا ـ من كان صاحبه
وحيدٌ في صحارى لم يصلها الخلق ، يشبهني
و يشبهنا التجمّد و التجّردْ .
الفصل مَنفى
فاستعدي يا جهاتي .. للتشرّدْ .
متسلقا سيفا على شجر من التفاح ِ
أرجع مرة أخرى إلى نزف الصعودْ
أتسلق الندم البدائيَّ الحريريَّ الذي
ما زال يَكبر في دمي حتى نما
سدّا طويلا من عصورْ
ما زلت أقطف ـ كلما قطفت يدِي تفاحة ً
فاحت عطور من دم التفاح تذبحني
من الرحم الصغير إلى القبرْ.
يا دمعة ًمن قلب (( حواء )) ارتمت
فوق اشتهاء فاح من أعصاب (( آدم ))
من أرضعكْ
من ثديه الطوفانَ
حتى صرتِ من هذا الزمنْ
بحرا ً، من الأحزان و الدم ِ و الكوابيس المخيفةِ ،
حَول بَرِّ الحلْم و الرؤيا تُحيطْ ؟!
يا طعنة ًمن كف (( قابيل )) ارتمت
_شِبْرا ـ على صدر ٍلـ(( هابيل )) البسيطْ
من مدّد الكفَّ التي طَعنتْ، و درّبها
لتحترف القتال، الاغتيالَ
تُمدُّ آلافا من الأميال, قنبلة ً، صواريخا ـ هناك ـ و مدفعا ،
من قاعدات الغرب، ثم تطير،
تُسكب ـ هاهنا ـ في صدر (( هابيل )) الذي يمتد في هذا الزمان
من الخليج إلى المحيط ْ ؟!
هاجرتُ من صوتي إلى لغتي
فبعثرني الكلامُ
و سُكبتُ من حُبِّي على قلبي
فكسّرني الهيامُ
و مضى صدى حُبِّي إلى حُبِّي
يُلطِّخه البكاءْ.
أشجارُ قلبي ناطحاتٌ للنجومْ
و ثمارها نبضي تعرّش بين أعصاب السماءْ
و الدرب يصعد جذعَ أشجار على قلبي تعومْ
يتسلق الأغصانَ و الأعصابَ و الخفقانَ،
يقطف حُبِّيَ الـ ما زلت أسقيه دمي
و يعود هذا الدرب في كفيه أعصابي،
و في شفتيه آثار الدماءْ
لم يستطع أملي اختراق الأمنياتْ
لم يستطع عيشي الوصول إلى حياة ْ
لم يستطع موتي الوصول إلى مماتْ
مسدودة أزماننا ..
تلتف حول العمْر، تخنقنا
و تتركنا ـ هناك ـ مُعلّقين على حبال الحلْم ِ
مثل الذكرياتْ
حَلمتْ خطايْ
بالسَّير نحو السِّلم ، نحو الأغنياتْ
فرأت رؤايْ
قبرا كبيرا ، حوله مستشفياتْ
الظلم يملأ أرضنا حتى السماءْ
الشرُّ يملأ وجدنا حتى الفناءْ
الفصل حربٌ
فاستعدي يا جهاتي .. للدماءْ
الدربُ يَدخلني ، فأُصبحُ خارجي.
أنا داخلي في خارجي
أنا خارجي في داخلي
أنا أوَّلي في آخري . أنا آخري في أوَّلي.
مستقبلي يمشي إلى غَيري،
فأمسك حفنتين ، من السراب ،
و حفنة ً، من ذلك الوهم المُدمَّى،
في يدَيّ ْ
هذا الذي يبقى لدَيّ ْ
سافرتُ من ذاتي إليّ ْ
فتَّشتُ عنِّي فِيَّ ،
لم أعثر علَيّ ْ.