قراءة في فوق الحياة قليلا

، بقلم محمد سمير عبد السلام

في نصه الروائي " فوق الحياة قليلا " يعيد سيد الوكيل إنتاج الزمن الإبداعي الخاص، وفق منظومة سردية، وثقافية جديدة تبدأ من التعالي الفني، والإنساني، وأخيلة الكائن الأعلى، وتعاين اندماج هذه الأخيلة ببكارة التعرف على العوالم الفنية، ثم التحليق والارتفاع فوق الحياة ثم السقوط في الحياة اليومية، والمعارك الصغيرة، ثم بروز المقهى الثقافي، والحضور النصي للشخصيات، وغلبة النظرة الإبداعية إلى كل من الأداء اليومي وتأويل الكينونة والعالم كدوال لعالم تتحقق فيه طفرة سلبية متمردة للشخصية، مع كونه تشبيها يوشك أن يستبدل مفردات الحياة، ويمتصها في نصيته التي صارت بالفعل واقعا يمكن أن يشكل منه السارد حياة البطل / الكاتب، أو بعض الشخصيات الواقعية الواردة في النص مثل إبراهيم فهمي، ونجيب محفوظ وغيرهما.

هل تميز رواية سيد الوكيل تلك النظرة الإبداعية للوجود كمحور لثقافة أخرى تحاول استبدال المشاعر التقليدية السائدة ؟ أم أنها ترصد هذا التوتر بين النظرة الإبداعية للعالم، وإمكانية السخرية من تعالي المجاز على الواقع ؟

تذهب الوحدات السردية، والأفعال في الاتجاهين لتتولد منهما دلالات جديدة تعزز من الحنين إلى النصية ؛ ولكن ما هي النصية هنا ؟

إنها كتابة الواقع في صورة أدائية تكشف عن ألعابه، ومجازاته بحيث يبرز النص وكأنه واقع جديد يعمل فيه التشبيه بصورة خفية غير معلنة. هذه الصورة تسخر من بكارة التعالي الكلي للذات المبدعة في بداية النص، فقد اندمجت النصية بالعالم بحيث يمكن تأويل المقهى الثقافي، ومسار بعض الشخصيات من خلال أخيلة النص وفاعليته الخفية ؛ ولهذا يظل الزمن الخاص للمبدع عند سيد الوكيل متمردا وسلبيا لا يحقق نجاحا في مطارداته. لكن هذه السلبية هي التي تحول الواقع باتجاه التشبيه، بل تنتصر للتشبيه المكون من المفردات الواقعية نفسها ؛ تلك التي تجرد المطاردة من مدلولها التقليدي باتجاه صيرورة من الدوال تعزز من تواصلية الأداء التخييلي لشخصية المبدع دون أن ترجع كليا إلى هذا الأصل المتعالي ذي التكوين الثابت الذي يكثر الراوي من السخرية منه.

الواقع وأحاسيس التجاوز:

بين الأحاسيس البشرية، وما يتجاوزها من مشاعر فنية فريدة تتشكل شخصية البطل / الشاعر عند سيد الوكيل. هناك إذا رغبة في االخروج، والتمرد، والاستعادة لإرث طفرة الإنسان عند فريدريك نيتشه، ثم الوصول بهذه الطفرة إلى مستوى الواقع في تداخله مع التشبيه والسيرة الشخصية للبطل.

في كتابه " هذا هو الإنسان " يصف نيتشه نصه هكذا تحدث زرادشت بأنه كتاب للأعالي، حيث يبدو الواقع الإنساني بكليته فوق مسافة تحتية خيالية، وتكمن الذات النورانية عنده في بحثها المستمر عن الغريب والمختلف والاختلاف نفسه في أعلى الجبل بشكل طوعي ( راجع – نيتشه – هذا هو الإنسان – ترجمة على مصباح – دار الجمل بألمانيا ).

لكي نؤول هذه المسافة التخيلية التي تسير ببطء نحو الواقع في نص سيد الوكيل، ينبغي أن ننظر للفراغ الذي يسبق هذه الحالة، في ثرائه بإرث التمرد والبحث عن الواقع البكر وفقا للأخيلة الإبداعية. هذا الواقع سيتغير في لحظات المجاز، ويسخر منها في الوقت نفسه، فعندما يدرك البطل الفتاة السمراء مع الشمس والبحر وتذكره بقصيدة لشوقي، يتغزل فيها وفقا لإيقاع اللحظة فتنبني الحياة الواقعية التقليدية في حدث آخر هو الزواج، وقد يناهض الحدث الآخر بنيته الأولى، فراغه الأول من المحتوى، لكنه تاريخيا نبع من هذا الفراغ الذي دفع بطل كامو لقتل عبثي في جو حار، وكان هذا المشهد حاضرا كتأويل مجازي متكرر لهذه اللحظة التي تجمع السقوط، والتعالي فوق الحياة.

إن بطل الرواية متوتر بين تدمير اللحظة، والانصياع لإيحاءاتها فهو يدفع فتاة الندوة الأدبية للغريزة، بينما ينكر مغادرتها للحظة المجازية التي كانت فيها، وكأن هذه اللحظة تحمل السخرية والسقوط بداخلها، ولكن الفتاة نبعت من حالة المنتدى الافتراضية الأولى، وكأن حدث السقوط يلي رغبة التعالي دائما، ويعزز من السير ببطء نحوها مرة أخرى، فبصورة غير واعية حول السارد هدى كمال من مجاز المطاردة الجسدية إلى الطرد خارج المجاز – الواقع التقليدي الجنسي معا، إلى صورة سلبية نصية للمطاردة فقد عادت هدى لموقعها المتعالي بل اتسعت دائرته في صورتها الأخرى القصصية.

إن بطل سيد الوكيل يكشف قاعدة الواقع المجازية النيتشوية ؛ ولا يظل وحيدا ؛ فيندمج بالمكان / مقهى المثقفين ؛ فهو محتوى زمنه الخاص ؛ يقول " المقهى حياة كاملة، كما رآها نجيب محفوظ، وماتها إبراهيم فهمي، ما كان ينقصه إلا الموت لتكتمل له الحياة ".

في هذه اللحظة من حديث السارد عن المقهى ينقلب الواقع، ومحاكاته، في اتجاه تداخل التشبيه مع الحقيقي، وكمونه في نسيجه، فقد صار زمن القاص المصري إبراهيم فهمي سيرة تشبيهية، يعيشها البطل. أما ابتسامة محفوظ مع كلود سيمون تنقلب في اتجاه تمثيلي في لا وعي البطل فتصير اللحظة هي هذا النص الذي يطارده الكاتب من بداية النص، بكل ما فيها من واقع متحول يتجاوز نفسه في الموت والحياة.

المقهي ينتصر لمساراته النصية الثقافية، لعالمه الافتراضي الخفي خارج آلية القتل أو الموت السائدة، إنه بداية تشكل لمجموعة افتراضية تبحث عن الاختلاف ضمن السائد.

يكتب بودريار في التشبيهات والمحاكاة عن فكرة تناظر التشبيه مع الواقع أو استباقه له مما يعزز كمون المحاكاة في الحقيقي

هكذا انفجرت علامة هدى كمال من محاكاة المطاردة الجسدية، لتوقف الإشارات الواقعية عن محاكاة المجاز ؛ فيصير الواقعي نفسه / هدى كمال نصا يستلب الفاعل في ذروة خروجه وتحقق الطفرة الإنسانية التي كان يبحث عنها فوق الحياة من قبل.

سخرية الوحدات السردية:

السارد في رواية فوق الحياة قليلا يرتكز بالدرجة الأولى على التبئير الداخلى للشخصية، ولكنه يسخر من خيباتها الصغيرة المتعارضة مع بنية التعالي الأولى. السارد يتمرد أيضا على الوظائف التقليدية للشخصية، يبحث عن خروجه التخيلي خارج هذا البطل الشاعر، إنه يدمر هذا الملك ليجعل التجاوز أداء لا شخصا من خلال بنية الأنا المنقسمة نفسها.

قد تتجمع الوحدات السردية نحو بنية المطاردة، ومنطقها الدلالي ؛ فقد انبثقت صورة هدى كمال من مطاردة فراش المدرسة لها بسبب تبولها، مثلما تجمعت صور السكين وروائح اللحم والبول ونزع المشد في لا وعي البطل، لتظل المطاردة مستلبة في حدث الخروج من تحققها النهائي. هل هي الكتابة التي تقاوم المنطق بالكشف عن أصله الحدسي الأول ؟ هل كانت هدى هي الطفرة ؟
النص ؟ المسار الغائب ؟

تتناثر الوحدات السردية خارج بنية المطاردة كحدث مكتمل باتجاه تفريغ هذا الحدث من زمنيته، وفاعليته.

تأويل شخصية الفنان:

رواية فوق الحياة قليلا تقع بصورة تنتج دلالات جديدة ضمن الأعمال الكبرى التي تناولت شخصية الفنان، وأهمها رواية صورة الفنان في شبابه لجيمس جويس الذي قرأ بدوره حياة ستيفن الفنان وفقا لطيران ديدالوس وسقوطه، وتمرده على الأفكار السائدة في زمنه الخاص. الجنوح للتمرد عند جويس يتجاوز عقدة الذنب والسائد. ومن هذه النقطة في التحليل الإبداعي لزمن المبدع الخاص في تيار الوعي عند جويس يبدأ سيد الوكيل في بناء شاعره من نصية المساحة الفارغة فوق الحياة حتى تكتمل في تكرارها على مقهى المثقفين. كذلك جاء نص عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم ليصف العوالم المتعالية التي كان البطل محسن يعايشها في الموسيقى وبخاصة عند استماعه في باريس لسيمفونية بيتهوفن الخامسة وتذكره لرأي نيتشه فيها بأنها تحوي كل عواطف البشرية السامية. ومن التحليق وخوف السقوط تأتي سخرية راوي فوق الحياة قليلا من كل شيء تقليدي في حياة شاعره، إنه يطارده مثل هدى كمال ليستعيد لحظة نشوئه النصية، وهي النقطة التي أضافها سيد الوكيل لهذا الإرث الكبير المتناول لشخص الفنان، حاملة بعدا ثقافيا جديدا للمكان وتحول سيرة التعالي باتجاه وحدات سردية متخيلة وواقعية معا.


محمد سمير عبد السلام

قاص وباحث مصري

من نفس المؤلف