دلالات اللون الأبيض

، بقلم محمد السموري

ثمة استقصاء لورودات اللون الأبيض والبياض في مكنوز التراث الثقافي العربي تتكشف لدينا دلالات متعددة لكنها تشترك بمفاهيم متقاربة وقيم إنسانية ،صاغتها التجربة، فترسّخت في الثقافة الجمعية ومن ثم الوجدان، فأضحت بداهات نادرا ما تلفت الانتباه لكونها معاشة بالواقع ومتماهية في الحراك اليومي والآني والمستهلك، لكن الدلالة باتساع تفرعاتها وتأويلاتها وإحالاتها تفتح آفاقا رحبة لصوغ مادة مفهومية قد تجد لها تجسيرا ثقافيا يحتوي تفرقاتها في بنية معرفية هيكلية تنطلق برؤيتها من جديد اعتمادا على تحليل الفينومينولوجيا للفعل الرمزي التمثيلي و دراسة هذه الظواهر كمعاني موجودة في خبراتنا الواعية ..

لقد ورد ذكر اللون الأبيض في القرآن الكريم اثنا عشر مرّة ،فقال تعالى : يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه (1)وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون (2)وقال ( ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (3)واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى (4) وورد في الذكرأيضا: يطاف عليهم بكأس من معين * بيضاء لذة للشاربين (5)كما ورد:وابيضت عيناه من الحزن. قيل : أن يعقوب نبي الله لم يبصر ست سنين وأنه عمي (6) إنّ اللون الأبيض يختزل (يختصر) الألوان جميعها،فهو لا يمثل العدميّة،لأنه أساس الألوان ومجمعها، فعلميّاً لو أدرنا قرصا مقسما إلى الألوان الأساسية بمساحات متساوية لظهر لدينا اللون الأبيض الذي ينتج عندما يعكس جسم ما جميع الأشعة الساقطة عليه دون أن يمتصّ أيا ًمنها ،وهو أكثر الألوان سطوعاً، ويطفئ بريق الألوان الأخرى عند اختلاطه بها ،إنّ خلفية المسرح البيضاء،تختزل الجدل الذي يثيره النص بشخوصه المتنوعة على خشبة المسرح,ولون الكفن الذي يختزل حياة المتوفى،بكل تفاصيلها،عن ابن عباس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم(7)وفي حديث حسن عن عبد الله بن عمر قال: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث رياط بيض سحولية (8 ) وفي حديث موضوع: اتخذوا الديك الأبيض، وكل دار فيها ديك أبيض لا يقربها الشيطان ولا ساحر. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض كأنما صيغ من فضة. وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض (9) وقد استعمل الثوب الأبيض كلون للحداد في آسيا أما لون إحرام الحجيج فيختزل أعمال الإنسان وسيرته وتاريخه ويمزجها فتغدو لا لون لها، واتخذت الحمامة البيضاء كرمز للسلام ودليل علي صفاء النفس من الشرور،وراية السلام فيها اختزال لأطراف الصراع ومقولاتها المتناقضة والمتضاربة فهو كالصمت يختزل الكلام المتعدد ، والمخالف ، والمسكوت عنه, والثلج الذي يغطي الأشياء فتبدو بلون واحد لكننا ندرك تعدد واختلاف ألوانها بما نحمله في ذاكرتنا، فالثلج هنا يختزل التعدد لكنه لا يلغيه ، والقرطاس الأبيض يحتمل الكلام أيّ كان مقصده وتأويله وغايته، فالكاتب يمكن أن يصبّ عليه قصيدة،أو رواية، أو مقالة، والمهندس يضع عليه مخططا، والفنان يحوّله إلى لوحة ،وتتسع الدلالات إلى حيث لا نهائية المعنى فالتوقيع على ورقة بيضاء يرمز إلى الثقة الكبيرة ،وثوب العروس الأبيض يرمز إلى طهرها وعذريتها ففي عام 1840، ارتدت الملكة البريطانية فيكتوريا فستانا أبيض ناصعاً في زفافها، فأحدثت صدى كبيرا وسط الناس وقلّدوها فاتخذ لون إكليل العروس من يومها ويوصف الإنسان المتسامح والطيب والمحب للناس الذي لا يعرف الكراهية والحقد بصاحب القلب الأبيض ,يقول البحتري:

إِلى أَبيضِ الأَخلاقِ ما مرّ أَبيضٌ

من الدهر إلاعن جداً منه أَو رفد

إنّ الحواريين: سموا بذلكم لأنهم كانوا خاصة الأنبياء لنقاء قلوبهم، وأصل الحور في اللغة البياض وحورت الثياب: بيضتها والحوارى من الطعام: ما حور أي بيّض ,واحو: أبيض ,والجفنة المحوّرة: المبيّضة بالسنام (10)يوصف الدرّ بشدّة البياض، وإذا أريد المبالغة في وصفه وصفَ بالنصوع، وقالوا: كوكب درِّى، لبياضه، والليالي البيض هي: الثالثة عشرة، والرابعة عشرة، والخامسة عشرة من الشهر العربي وسميت بيضاً لطلوع القمر فيها من أولها إلى آخرها. واللون الأبيض يرمز للصفاء ،والنقاء ،والعفة، والنظافة، والطهارة ،والوضوح، قال عنه المهندس لوكوربوزييه: إنه الوضوح والنزاهة ضعوا إلى جانبه ألوانا أو أشياء غير نظيفة وسنكتشف سريعا أنه عين الحقيقة,واللون الأبيض أكثر الألوان راحة للنفس،يضفي البهجة والشعور بالراحة.وهو يوحي بنظافة المكان، والبياض هو قمة الوضوح،ففي اللغة بايضه ُ: جاهره بما في نفسه ويوحي بمعنى تطمئن له النفس وتحسّ بالصفاء والسكينة، يستخدم في المستشفيات لإبعاد الكآبة عن المرضى ويبعث على التفاؤل والسرور، وهو لون التوافق والانسجام مع الشمس، أي انه لون بارد لذا نجد سكان المناطق الحارة يرتدون الثياب البيض لأنه يعكس ضوء الشمس كونه يوافقها هو لون ذووا الفكر الواضح النقي ودليل على الترف ومحبوا هذا اللون لديهم رغبة في أن يستحوذوا على الإعجاب وهم حريصون على النظافة والأقرب للأمانة والثقة.وقد عبده العرب في الجاهلية قال ابن عباس كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول(11)وقد قالوا مثلهم ( ما يبيضّ حجره ) واتخذ البياض كأحد أهم معايير الحسن والجمال عند العرب. وذلك لندرة صبغته في بشرتهم السمراء فحاجتهم إليه وافتقادهم له جعلته مرغوبا لديهم ، أمّا بعده الأسطوري فتقول الأسطورة: إن فينوس إلهة الحبّ والجمال عند الرومان ولدت من زبد الماء الأبيض ، وعندما صارت صبية أصبحت رائعة الجمال ،وعند العرب كان ذو الشرى المعبود الجاهلي يتمثل بمروة بيضاء منقوش عليها كهيئة التاج ، فرأته امرأة من خثعم عندما هدمه وأحرقه فتيان بني أحمس بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشدت:

جاءوا لبيضتهم فلاقوا دونها

أسُداً تقبّ إلى السيوف قبيبا

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البياض نصف الحسن، دخل إبراهيم بن المهدي على المأمون فقال: إنك لنعم الخليفة الأسود، فتمثل المأمون ببيت نصيب، فقال:

إن كنت عبداً فنفسي حرة كرماً

أو أسود اللون إني أبيض الخلق (12)

وقال حسان بن ثابت : يربط قيم الخير والجمال بكرامة الحسب. لا ببياض البشرة

بيض الوجوه كريمة أحسابهم

شمّ الأنوف من الطراز الأول

وهناك مفهوم السلاح الأبيض الذي يعني الخناجر والسكاكين والسيوف وهكذا
قال صفي الدين الحلي:

سَلي الرماح العوالي عن معالينا

واستشهِدي البيض هل خاب الرجا فينا

وقال أيضا :يفخر بقومه ويصفهم بأصحاب الأيادي البيضاء لفعل الخير والكرم

بيضٌ صنائعنا سودٌ وقائعنا

خضرٌ مرابِعنا حُمرٌ مواضينا

وقال ابراهيم الطباطبائي: في اختلاف أحوال الدنيا وتقلب صروف الدهر .

هي الدنيا بها بيض وسود

رمت بيضاً من الدنيا بسودِ

أما في الأدب الروائي والقصصي فيكثر ورود الحصان الأبيض وفارسه الوسيم رمز الأحلام الجميلة للفتيات فصاغت منه الدراما فنا يحاكي المشاعر واللواعج .حتى الأدب الشعبي اعتنى بالأبيض عناية فائقة فجعله رمزا للحسن والجمال فقال الشاعر الشعبي من العتابا:

ملاح البيض ما رادن بعدنا

وحزنن دوم عن طاري بعدنا

وقال آخر تناصا:

ملاح البيض ما جابن من الحبيب

وجابن مطلق اليمنى من الجيب

فهو يمتدح الكريم الذي يعتبره لم يولد من النساء بل جاء من البئر رمز العطاء .أما البيض في البيتين فكناية عن النساء عموما وليس اللون تحديدا ،كما عبّر المثل الشعبي عن الأبيض بالواضح الجلي فجاء المثل السعودي ( أبيض كن الشطوط ) والمثل التونسي ( البياض يجي على العين يعميها ) في قول من يحب الزواج من سمراء .فهو يتناغم مع مثل عربي متناص مع الحديث النبوي يقول (البياض شطر الحُسن) وقال مثل لبناني ( اللي ما هو أبيض خلقه – ما بيضه من الصابون ميه خلقه ) في الأخلاق الكريمة والمؤثرات الخارجية التي لا تغيرها (13)ومثل دارج يقول (وقّع على بياض) للثقة العالية ,ومثل لأهل الجزيرة السورية (كل القبور المبيضة منك ) للاستهزاء بالجبان الذي يدّعي الرجولة . وكناية (وجهك ابيض ) لمن أدّى واجبه على ما يرام . وكناية( اليد البيضاء ) لأهل الخير والجود والسخاء . ومن اشتقاقاتها ( وجهك واللبن ) ومسارعة المصريين لتأكيد فرحهم بالقول ( يا خبر ابيض ) وهكذا .... وفي التراث المعماري العربي عرفت دور وبلدان باسم البيضاء كدار محمد بن يوسف الثقفي -أخو الحجاج- قرب مكة ودار عبد الله بن زياد بن أبيه في البصرة التي قال فيها أعرابي: صاحبها لا يلبث بها كثيرا فصدق .وهناك مدينة الأبيض في السودان المعروفة كسوق للصمغ العربي كما عرفت مدن عربية عديدة باسم البيضاء في مصر، واليمن ،وليبيا ومرفأ الدار البيضاء في المغرب ,ودار البيضا في الجزائر وجميعها تقع في القارة الأفريقية ولم تكن تسميتها مصادفة حيث تأخذ الدلالة هنا البعد التمثيلي السيسيو درامي أقصد التعويض التبادلي مع الطبيعة الأفريقية السمراء ،واسم البحر الأبيض الذي يتوسط أوربا وأفريقيا وآسيا،يختزل نصف العالم ، لقد أطلق اسم البيت الأبيض على المقر الرئاسي الأمريكي لاتخاذه رمزا للتعبير عن العنصر الأبيض واختزال ثقافات الشعوب المختلفة والمتعددة المهاجرة إلى هذه القارة واتحادها بمختلف تبايناتها اللغوية والعرقية والثقافية. وأخيرا ً: فإن البياض لا يكون قبيحا ومرذولا إلا في حالة واحدة هي أن يتخذ لونا للتمييز والتفضيل بين البشر, فيخفي القبح تحت الجمال وتنقلب الدلالة فتعرج بنا إلى مفاهيم بغيضة على الله كالعنصرية والعرقية حيث التفريق الجائر بين الخلق والتعدّي على حكمة الخالق في خلقه.

إحـــــــــــــــــــــــــــــــالات

1- آل عمران 106
2 -آ ل عمران 107
3- الأعراف 108
4- طه 22
5- الصافات45 -46
6- القرطبي 9\248
7— رواه أبو داود / 4061 / والترمذي / 994 / وابن ماجة / 1472 /
8- ( الريطة : ثوب رقيق لين ، السحل : ثوب أبيض مصنوع من القطن نسبة إلى قرية في اليمن
9 -صحيح أبي داود 2334
10- القرطبي 4\98
11 - ابن كثير 3\321
12 المستطرف في كل فن مستظرف للابشيهي
13 موسوعة الامثال الشعبية في الوطن العربي- محمد الراوي دار أسامة للنشر الأردن 2000

من نفس المؤلف