الأحد ٢٢ آذار (مارس) ٢٠٠٩
بقلم حنان عبد القادر

فُوَّهَةُ بندقية

كم من حواجز وضعوا بيننا..... كم معبر لأرواحنا بنيناه سويا!!

مذ التقت عيوننا، ونحن نهتف باسم حقوقنا في ذلك الشارع المفتوح في أعيننا على الغد، عبرناه بقلبينا ؛ فاشتبكا... تشابكا في نهايته.

قانون البلاد يحرمنا التفوه.... يلتقطونا من الشوارع فرادى... بعدما فرقتنا الهراوات المخزية... يسرحونا.... ولكن....!!!

ما تزال أنت.... وما أزال....

تلوح شمسنا من بعيد... طبيعي أن تنتقل خطانا على نفس المسار المؤدي إلى.....
تصدمنا تقاليد عقيمة:

-  ماذا يقول الناس.... هه... " من همه.. أخد قد أمه "
-  لن يعيشوا معنا.

صار ما يجمعنا أكبر... يتخطى حواجزهم.... يبني معابرنا........
نسمات البراءة... صباحات فيروز، وليل الست..... رحيق الوطن في قهوتنا المرة..... أوجاع قوميتنا...... إيه...

دوامة الموت المكنى تلف الأرواح.... نتعذب كثيرا.... تردد بثقة:

أمّا أنا،فسأدخل في شجرة التوتِ
حيث تحّولني دودةُ القزِّ خيط َ حرير
فأدخل في إبرةِ امرأةٍ منْ
نساء الأساطير.
ثم أطيرُ كشالٍ في الريح. (1)

ذات انتفاضة... فعلتها... أحسست بأقسى أنواع الوحدة والخيانة معا لكن... أحببتك أكثر.
ثلاثة أيام تماطلك القوات على الحدود... لم تجزك بطاقتك الصحافية.. عنيد أنت.. فعلتها أخيرا.... كنت تخشى علي؟!... من حلمنا المشترك؟!.... لاعليك... أنفاسك أنا فتخلص مني.

أسبوع وكنت بالوفد الطبي المسموح له بالمرور... بعد تعهدنا بتحمل مسؤولية ما يترتب من مخاطر.
على حاجز من حواجز العدو.. وقف ثلاثة سفلة يأكلون الشيكولا، ويحتسون الكولا، يسخرون من آلام أم في المخاض... باءت كل محاولاتنا في نقلها إلى المشفى بالفشل... لم يكن لها سوى غرفة من بشر لتستقبل وليدها... ذكرا كالبدر.. خز ضياؤه أعين الجبناء... رطنوا بعبرية ما فهمها غير عجوز كان بيننا:
-  ينجبن ذكورا في العراء... السماء تمطرهم رجالا.

سبع ساعات من العراقيل والنذالات... والمسكينة تلعق نفاسها... أحس بالعجز.. بالمهانة... سمعت وهن صوتها... اقتربت... أسرَّتني بؤسَها... وحيدة هي... كل الأهل راحوا تحت أنقاض الغارة الأخيرة... ليس لها غير عم يقطن حي الزيتون... وزوجها العربي، لا تعرف عن أهله شيئا.... قالتها في ضراعة:
-  أرجوك... الولد أمانة... سمه محمدا.. سلميه لعمي فهو من تبقى لي.
-  اطمئني... ستحملينه أنت إلى عمك، وتفرحين به.

لم يمهلنا القدر كثيرا... على أبواب المشفى فاضت الروح... وطوقتني الأمانة.. بت أبحث في تلك البقاع عن رجلين أحدهما على الأقل معروف مكانه.

عرفت أن هناك مؤسسة لمراقبة الحواجز تسمى " محسوم واتش ".. أسسها أفراد منهم يهود لايؤمنون بمبادئ الصهيونية.. وهي تحالف نسائي مهمته مراقبة سلوك الجنود الإسرائيليين على الحواجز والمعابر.
تعرفت فيه على ناشطة فلسطينية... كانت دليلي في بحثي عنكما.

وصلنا إلى حي الزيتون بحثا عن عم فاطمة أم محمد... الشوارع شوهت بالانهيارات العشوائية إثرقصف جوي.... الحال يدمي... والناس صامدون.. لم تستطع الهمجية الصهيونية تركيعهم.. أمام كومة من الهدد توقفنا... يبدو أن فات الأوان.... عم حسين أيضا أدى أمانته.

لم أتمالك نحيبيي، وأنا أجفل بالصغير... طالعت وجه هدى المكفهر... ما رأيك في السلام الذي تسعى له مؤسستك هدى؟!... أطرقت دون بنت شفة.

تمثلتك أمامي... " الحل لن يكون بالتفاوض... الأرض لن تعود إلا بالبندقية "

خلي السلاح صاحي صاحي صاحي
لو نامت الدني صحيت مع سلاحي
سلاحي في إيديا.. نهار وليل صاحي
ينادي ياثوار... عدونا غدار
خلي السلاح صاحي. (2)

علمنا بوجودك في مخيم جباليا...أوه.. كم حاجز بقى لأراك؟؟... أتبعك... يتبعك ظلي... نتبارى حول سدرة روحك... علها تمطر فيئا علي.. أيها المسافر في الروح... كيف تحملني على جناح حنينك الموجع؟!.. كيف؟!

خابروني باستشهاد محمود زميلنا.. كان يحاول إسعاف الجرحى إثر قصف جديد..أين؟.... في جباليا؟!... الشهداء أربعة بينهم طفل.. والجرحى؟! الجرحى من هم؟!..
-  أرجوك تمهل... لمن تتركني وانقسام الروح بينك وبينك؟!
-  جئتُ للعثور على شيء من كرامة.. صدقيني... الجنة تبدو قريبة جداً من هنا... آآآآآآآآآآآه... أشم الآن رائحة الشهداء.
-  أيها المبحر الغريب ال... قريـــــــــب.... يا زهر الحلم الوردي...... هل آذن حينك؟!.. لماذا لم تسمح لي برقصة أخيرة بين ذراعيك؟
-  أحب أن يكون صوتك الأخير في أذني.
-  أوسدك اللحظة قلبي... رجلا.. يأسر الروح بعذوبته ورجولته... حبيبا... خالد الرقة.. رزين الحضور...
-  هيا غني لي كما كنا نفعل في أقسى اللحظات.. غني أغنيتي الأثيرة.

أصبح عندي الآن بندقية
إلى فلسطين خذوني معكم
يا أيها الرجال..
أريد أن أعيش أو أموت كالرجال

إلى فلسطين طريق واحد
يمر من فوهة بندقية (3)

 [1]


[1

1- الأبيات للشاعر محمود درويش.
2- أغنية لعبد الحليم حافظ كلمات الشاعر: أحمد شفيق كامل.
3- أغنية لأم كلثوم كلمات نزار قباني.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى