احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > ديوان الدراسات المحكمة > تأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر

تأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر

الباحث: هواري خيثر - الجزائر

٣٠ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٩

ناقش الباحث هواري خيثر رسالة ماجستير في العلوم الاقتصادية تخصص-تسيير المؤسسات، واختار لها عنوان:تأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر (1962-2008)، وقد تألفت لجنة المناقشة من: الدكتور الأخضر عزي من جامعة محمد بوضياف- المسيلة: رئيسا، الدكتور عابد شريط من جامعة ابن خلدون بتيارت مقررا ومشرفا، الدكتور رشيد يوسفي من جامعة ابن باديس -بمستغانم ممتحنا، الدكتور محمد زيدان من جامعة حسيبة بن بوعلي -بالشلف ممتحنا، ونظرا لأهمية الموضوع والرسالة نقدم هذه الخلاصة؛ علها تكون ذات أهمية للطلبة والباحثين.

مقدّمة:

في ظل تفاقم عبء الديون الأجنبية التي أرهقت كاهل الخزينة العمومية للجزائر وبعد انخفاض أسعار البترول التي كانت ولازالت تمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة وظهور كثير من الإختلالات على مستوى التوازنات الداخلية والخارجية للبلاد، وعلى إثر ظهور العديد من التكتلات الاقتصادية العالمية وبروز التقسيم الدولي للعمل بصيغته الحالية وزيادة سيطرة الدول المتقدمة على المنظمات الدولية في ميدان التصويت واتخاذ القرارات، توجّهت الجزائر كغيرها من الدول النامية إلى اتخاذ عدة تدابير وإجراءات إصلاحية وهيكلية عن طريق انتهاج سياسة اقتصادية متناسقة الأبعاد والأهداف، بدأت معالمها منذ صدور قانون استقلالية المؤسسات العمومية سنة 1988 ثمّ إتباع عدة سياسات مالية ونقدية انكماشية، لتنتهي سنة 1998 بتحقيق نسبة هامة من التوازنات الكلية ولكنها تبقى اليوم مرهونة بعدة تحديات بعد دخول الجزائر في مرحلة حاسمة من تاريخها الاقتصادي باتجاهها إلى الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة (OMC).

من هذا المنطلق ولمّا كان برنامج التعديل الهيكلي يهدف في شطره الثاني إلى تصحيح هياكل الإنتاج وتوجيه سياسة الاستثمار إلى أبعد الأهداف عن طريق إعادة توزيع الأدوار بين القطاعين العام والخاص وجعل هذا الأخير هو الرائد في المرحلة القادمة للتنمية وتعظيم دوره في مجال التجارة الدولية، وبحكم أنّ المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تمثل الحصة الكبرى في تكوين هذا القطاع وأنّها تشكل قاطرة التنمية المعاصرة لكثير من دول العالم لِما تتميّز به من خصائص كمرونة الإدارة والقدرة على التحكم في شروط الإنتاج والسيطرة على قوى العرض والطلب فإننا نرى أنّ المدخل الصحيح لإعادة هيكلة الاقتصاد الجزائري وتكييفه مع متطلبات الأسواق الدولية يتمثل في الاهتمام البالغ بتأهيل هذه المؤسسات ومنحها الدور القيادي في تعزيز التنمية المستديمة من خلال تحسين ودعم قدرتها التنافسية وإكسابِها لعناصر التسيير الراشد باعتماد التقييس والابتكار التكنولوجي والارتقاء بالإنتاج الوطني إلى آفاق معايير الجودة العالمية.

في ضوء ذلك تبحث إشكالية الموضوع هنا عن مدى إمكانية طرح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كأداة فعالة من أدوات السياسة الاقتصادية في ظل الإصلاحات الجذرية التي تعيشها الجزائر، وما هي الإستراتيجية الحقيقية والمدخل الصحيح لتدعيم و تحفيز وتأهيل هذا القطاع من أجل رفع مكانته وبعثه داخل الاقتصاد الوطني؟

تعريف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر:

ثمّة عدة معايير نوعية وكميّة(1) في تصنيف المشروعات ضمن قائمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ويعتبر معيار حجم العمّال من أكثر المقاييس شيوعا في دول العالم بسبب سهولة توفر المعطيات الخاصة بذلك غير أنّه لا يخلو كغيره من النقائص لأنّه لا يعكس الوضع الحقيقي لحجم المشروع نتيجة الإختلاف في مؤشر (رأس المال\العمل) بين مختلف الصناعات، كما أنّ رأس المال هو الآخر لا يصح بانفراده في تصنيف المؤسسات، فرأس المال القانوني تتصادم المقارنة به مع معطيات الاقتصاد الكلي نتيجة تغيُّر القيمة الحقيقية للنقود، ورأس المال العامل والثابت تختلف مكوّناتهما باختلاف النشاطات على أساس كفاءة الإدارة ومعدل الدوران، بل حتى العامل التكنولوجي يتدخل - أحيانا - في نفس الفرع ليشكك في صحة هذين المؤشرين وصلاحيتهما للمقارنة بين المؤسسات، كما أنّ معيار رقم الأعمال لا يمكن التحكم فيه نتيجة تفاعل قوى السوق وأثرها على المبيعات التي تحمل في مكوناتها قيمتها الحقيقية مضافة إلى معدل التضخم.

تفاديا لهذه النقائص وتقليصا لكثير من الاحتمالات السلبية في المدى الطويل ذهبت الجزائر في إطار القانون التوجيهي لترقية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الذي صدر في 2001 إلى(2) اعتماد المعيار المزدوج في تصنيف المؤسسات كما هو مبيّن في الجدول التالي:

المؤسسات المتوسطة المؤسسات الصغيرة المؤسسات المصغرة
- من 50 إلى250 من10 إلى 49 من01 إلى09 عدد العمّال
- من200 مليون إلى 2 مليار دج 200 مليون دج> 20 مليون دج> رقم الأعمال السنوي
- من 100 إلى500 مليون دج 200 مليون دج> 20 مليون دج > الحصيلة السنوية

المصدر: تقرير من أجل سياسة لتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي: 2002، ص45.

هذا ويمكن للسلطات مراجعة الحدود المتعلّقة برقم الأعمال و الحصيلة السنوية حسب التغيرات المالية والاقتصادية ذات الأثر المباشر على سعر الصرف(3).

أهمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومكانتها في الاقتصاديات الوطنية:
يتفق جميع المسئولين وأصحاب القرار في العالم أن للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة مكانة عظيمة في تحقيق الاستقلال الاقتصادي واستقراره لِما لها من عدّة مزايا وخصائص نفتقدها في كثير من المؤسسات الكبرى، من ذلك أنها مرنة للتحولات العالمية والأزمات الاقتصادية العاصفة بأدوات التنمية وأنّها تمثّل المصدر الرئيسي للأفكار الجديدة والاختراعات، فضلا عن كونها النواة الرئيسية لكثير من الشركات متعددة الجنسيات، كشركة فورد للسيارات الّتي بدأ مؤسسها الأول "فورد" عمله كميكانيكي في ورشة صغيرة للحدادة، لتصبح مؤسسته اليوم من أعظم الشركات شهرة في عالم الاستثمار الأجنبي، كما أنّ المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تعتبر من أهمّ دعائم مكوّنات الاقتصاد الكلي حيث تساهم بما يعادل 53.7% من فرص العمل في الولايات المتحدة الأمريكية وتشكل 99% من إجمالي عدد المؤسسات الاقتصادية هناك وتحتل ما نسبته 48% من الناتج الوطني الإجمالي الأمريكي(4)، فضلا عن أنّها تغطي ما يعادل 65.9% من اليد العاملة في الاقتصاد العالمي وتساهم في إجمالي الناتج الداخلي العالمي بمتوسط يعادل 46.8%، أمّا في الاقتصاد المغاربي فتمثّل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة 92% من إجمالي عدد المؤسسات وتشارك بـ 37% من تكوين القيمة المضافة الإجمالية (5).

في ضوء هذه الإحصائيات يمكننا القول أنّ أهمية الصناعات الصغيرة والمتوسطة في البلدان المتقدمة والنامية على حدّ السواء ترجع بالأساس إلى مدى قدرتها على تحقيق عدد من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي تسعى إليها هذه الدول، كتكوين الإطارات وتوفير مناصب الشغل وترشيد استخدام الموارد وتحقيق التوازن الجهوي في التنمية.

مدخل تشخيص بيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة:

تعبّر البيئة بمعناها العام عن «مجموعة المؤثرات الخارجية والداخلية المحيطة بالمؤسسة، والتي تحدّد نشاطها واتّجاهاتها وتؤثّر في سلوكها، حيث تشمل الظروف الإيجابية والسلبية للمتغيّرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والإيكولوجية والسياسية والتكنولوجية والقانونية»، كما أنّ دراسة البيئة تعتبر من أهمّ الركائز الأساسية المكملة لتشخيص وتأهيل قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ولهذا سنحاول في هذه الفقرة تحديد مناخ الاستثمار وأهميته في بناء الإستراتيجيات واتخاذ القرارات داخل هذا القطاع:

3-1) التحليل الإستراتيجي للبيئة:

في ضوء هذا المبحث يمكننا تقسيم بيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى قسمين:

المتغيرات البيئية الخارجية الّتي تتحدد من خلالها فرص وتهديدات المحيط، وقد أجملَها بعض أساتذة الاقتصاد في نموذج يسمّى نموذج (P.L.E.S.C.E.T)(6)، وهو يعني المتغيرات: السياسية، والقانونية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والإيكولوجية، والتكنولوجية.
المتغيرات الداخلية التي ترتبط بطبيعة كل مؤسّسة وتحدّد إستراتيجيتها بالنسبة لوظائفها.

تعتبر عناصر البيئة الاقتصادية من أهمّ محددات نجاح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتوسعها في النشاط، حيث أنّ الدخل الوطني يمكّن صاحب المشروع من توقع وتحديد حجم الطلب المتوقع على منتوجاته عن طريق دراسة وتحليل مضاعف الاستهلاك مع أخذ التغير في الأسعار – طبعا - وأثرها على الدخل الحقيقي بعين الاعتبار، كما أنّ عناصر البيئة الاجتماعية لا تقلّ في الأهمية من حيث تحديد قرارات المؤسسات، كزيادة دور المرأة في العمل وما يترتب على ذلك من ارتفاع المداخيل الأسرية المحدِّدة للإنفاق(7)، أمّا المناخ القانوني والسياسي فتتحدد من خلالهما سياسة الدولة في توزيع النشاطات وتسهيل الاستثمار، فالجزائر مثلا تبنّت في الآونة الأخيرة ترقية إطارها القانوني لتكريس روح التقاول وتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في عدّة مجالات تمويلية وإرشادية وعقّارية، كتقديم الإعانات المالية والجبائية بنسب متفاوتة حسب المناطق المراد ترقيتها في إطار تسهيلات الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب، كما أنّ تحرير التجارة الدولية - في إطار المحيط الدولي - يعتبر من أهمّ تحديات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لترقية تنافسيتها وإدراجها ضمن حركية التطور والتكيف التكنولوجي العالمي.

3-2) طرق الحصول على المعلومات البيئيّة:

فالمعلومات الشفهية نحصل عليها بطريقة سريعة من عدة مصادر سمعية وبصرية، أمّا المكتوبة فمن خلال الإطلاع على المجلات والصحف والتقارير الصناعية والتجارية، وكثير من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تستخدم اليوم الإعلام الآلي باعتباره خزّانا هامّا لتجميع المعطيات حول متغيّرات المحيط، إضافة إلى ذلك الكمّ الهائل من البرامج الإلكترونية التي تساعد على ترتيب المعلومات واسترجاعها في أيّ وقت كان من أجل استعمالها للتنبؤات المستقبلية.

مدخل تشخيص وظائف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة:

هناك جملة من الوظائف تتشكل من خلالها عملية تأسيس وإدارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وفق مجموعة من العناصر الإدارية، تتمثل هذه الوظائف أساسا في نشاطات التسويق والإنتاج والتمويل والأفراد، وسنحاول هنا أن نعطي نظرة عامة على أهمّها:

4-1) وظيفة التمويل داخل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة:

في ظل حديثنا عن نشاطات التمويل داخل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة نجد أنّ صاحب المشروع يحتاج لنوعين من الأموال(8):

الإحتياجات المالية اللاّزمة للتشغيل الأولي للمشروع.

الأموال التي تغطي احتياجات الأصول الثابتة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك مصادر تمويل داخلية للمشروع (التمويل الذاتي) إضافة إلى المديونية الخارجية التي تنقسم بدورها إلى ديون قصيرة الأجل وأخرى طويلة ومتوسّطة الأجل، فالديون قصيرة الأجل تكون في إطار الائتمان التجاري (البيع بالتقسيط) أو الائتمان المصرفي لفترات أقل من سنة حيث يتوقف قرار التمويل في كلتا الحالتين عن طريق مقارنة تكلفة الائتمان بتكلفة الحصول على قروض من جهة أخرى، أمّا القروض طويلة أو متوسطة الأجل فتتضمّن الأسهم العادية والأسهم الممتازة التي تختلف عن سابقتها في أولويّة الحصول على الأرباح الموزّعة، إضافة إلى سندات الدائنين والأرباح المحتجزة(9)، وهناك طريقة أخرى للتمويل تصاعدت أهمّيتها في الفترات الأخيرة تسمى بالتأجير التمويلي "Leasing" كأسلوب من أساليب التمويل يقوم بمقتضاه المؤجر بتأجير الأصول الثابتة للاستفادة منها في العملية الإنتاجية التي تسمّى صناعة التأجير"Leasing Industry" على أن تُسدد قيمتها الإيجازية خلال فترة زمنية معيّنة(10).

وقد تطرقنا لمصادر التمويل تنبيها منّا لصنّاع السياسة التمويلية داخل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لتكوين التوليفة المثلى في هيكل تمويل المشروع في إطار عملية التأهيل، مع الإشارة إلى أنّ الحصول على أي نصيب من المصادر المذكورة ماعدا الأموال الخاصة يتوقّف على(11): التكلفة، المخاطرة، المرونة، ومدى توافر السيولة المصرفية، كما أنّ إقراض البنك هو الآخر يتحدّد بـ: الضمان الكافي الذي يغطي هذا القرض، القدرة على تحقيق الأرباح، وإمكانية استرداد أمواله في المواعيد المحددة.

4-1-1) آلية تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر ( حالة BNA-ANSEJ ):

بعد توفر شروط الاستفادة من إعانات الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب يستفيد الراغبون في إنشاء مؤسسات صغيرة ومتوسطة من عدّة إعانات مالية في شكل قروض طويلة الأجل بدون فائدة تمنحها الوكالة بواسطة الصندوق الوطني لدعم تشغيل الشباب، وإعانات جبائية وشبه جبائية وفقا للأمر رقم 96-31 المؤرخ في 19 شعبان 1917 الموافق لـ: 30 سبتمبر 1996 المتضمَّن في قانون المالية لسنة 1997، وإعانات حسب شكل التمويل وفق ثلاثة تركيبات:

تمويل ذاتي تكون فيه المساهمة الكلية لصاحب المشروع مع بعض الامتيازات الممنوحة.
تمويل ثنائي تتشكل صيغته من المساهمة الشخصية لصاحب المؤسسة والدعم المالي المقدم من طرف الوكالة، حيث يتغير هذا الدعم حسب مستوى الاستثمار.
تمويل ثلاثي يتدخّل فيه البنك كشريك ثالث بتخفيض نسبي للفائدة على قرض يتم ضمانه من طرف صندوق الكفالة المشتركة لضمان أخطار القروض، ويتغيّر الدعم في هذا الإطار وفق ثلاثة مستويات تتوقف على حجم ومناطق الاستثمار وطبيعة النشاط.
هذا وبعد قبول الوكالة للملف الإداري والمالي الواجب تكوينهما من طرف صاحب المؤسسة يتهيأ هذا الأخير لإعداد دراسة تقنو-اقتصادية يقوم بها ممثل الوكالة بمساعدة خبير محاسبي، ليتوجه مباشرة إلى البنك الوطني - في إطار التمويل الثلاثي - لطلب قرض بنكي، حيث أنّ البنوك تركز أساسا على هذه الدراسة لتبيان مردودية وإمكانية نجاح المشروع وتقديم مخاطرته، كتقديم المعلومات المتعلقة بصاحب المؤسسة ومؤهلاته وأهداف المشروع وخصائصه ودور المؤسسة في التنمية الاقتصادية...إلخ

بعد ذلك مباشرة يتحصل صاحب المؤسسة على قرض بدون فائدة من طرف الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب لينتقل إلى المستوى الثاني المتمثل في التمويل البنكي.

4-1-2) آلية البنك الوطني الجزائري في تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة:

تعَد مديرية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من إحدى أهم المديريات المتواجدة على مستوى البنك الوطني الجزائري، حيث تتكفّل بتقديم القروض لأصحاب القطاع الخاص ومتابعة تنفيذ المشاريع الصغيرة والمتوسطة وترشيد سياسة البنك الوطني في تمويلها.

كما تتكون هذه المديرية من خلية متابعة ملفات القروض الممنوحة من طرف المديريات الجهوية وأربعة مديريات فرعية تُصنَّف عل أساس القطاع الذي تموِّله، حيث نميز بين:

نشاطات قطاع البلاستيك والمطاط والمعادن والكيمياء والزجاج والكهرباء.
المواد الزراعية والغذائية، قطاع الخدمات، والتغليف بالورق.
قطاعات ترقية السكن والسيراميك céramique والأجور.
قطاع الصيدلية والتصدير والاستيراد وتشغيل الشباب.

وبعد موافقة البنك تتم عملية إمضاء عقد الائتمان مع صاحب المؤسسة، حيث يقوم بفتح حسابين على مستوى البنك الوطني الجزائري: الأول عبارة عن حساب جاري للفوائد، والثاني عبارة عن حساب استثماري يتحمل فيه قيمة القرض عند بداية التسديد، وبعدها يقوم جميع الأشخاص المعنويين بوضع حصصهم المساهمة، مع الإشارة إلى أنّ حصة البنك تحتل نسبة كبيرة في تمويل أي مؤسسة صغيرة ومتوسطة، لكن هذا لا يمنع البنك من التحفظ في تمويل بعض المؤسسات التي تتميز بدرجة عالية من المخاطرة، ولهذا تم إنشاء صندوق الكفالة المشتركة لضمان أخطار القروض الّذي يقوم بتعويض قيمة المبلغ المقرَض من طرف البنك في حالة إفلاس المقترض، كما يقوم بالاتصال بالوكالة لتقديم النصائح حول المشروعات التي تراها ذات مردودية.

كما يجب تنبيه أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على نقطتين جدّ حسّاستين، وهي أنّ البنك الوطني بعدما يقدم تمويلا للمؤسسة يقوم بعِدّة زيارات ميدانية مستمرة في أماكن تواجدها قصد التأكّد من انضباط العمل فيها وتفقّد الأصول الثابتة التي تمثّل الضمان الوحيد للقروض، أما النقطة الأخرى - وهي وجهة نظر الباحث الشخصية - تتمثل في اختيار التمويل الثنائي كأفضل بديل لتمويل المؤسسة لما يتمتع به من ميزة تقرّها الشريعة الإسلامية المحرِّمة لربا الفوائد، كيف لا وقد اتفق المنظرون الاقتصاديون على أنّ سعر الفائدة كثمن للإقراض قد أحدث تضخما مستمرا في النشاط التمويلي على حساب النشاط الإنتاجي(12)، كما نتج عن ذلك ظهور طبقة برجوازية في ارتفاع مستمر في الانكماش يتبعها ظهور طبقة فقيرة في ارتفاع مستمر في الاتساع، ولهذا توجّه كثير من الأساتذة في الدول العربية إلى التمويل الإسلامي(13) باعتباره أفضل بديل يحقق التنمية المستديمة المنشودة.

4-2) إدارة الموارد البشرية داخل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة:

لا يقتصر الاعتماد المتبادل في ظل العولمة على أنواع معيّنة من العوامل فحسب، بل أصبح يشمل حتّى الموارد البشريّة عن طريق الاستثمارات المباشرة وفق عدّة تحديات، أهمّها(14):

تشكيل إدارات فرعية في الدول المضيفة تعمل لقرار الإدارة الأم في البلد الأصلي عن طريق نقل الموارد البشرية في إطار المناولة مما يترتب عنه عدة مشاكل إدارية نتيجة الاختلاف بين ثقافات وتوجهات الموارد البشرية المحليّة والأجنبية.
التغير التكنولوجي المستمر.
زيـادة نسبة النساء العاملات وما يترتب عن ذلك من إعداد سياسات خاصة بهنّ.
موازاة لذلك نضع بين أيدي المدراء في تنمية الموارد البشرية داخل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الاقتراحات التالية(15):

ضرورة فهم الاختلافات الثقافية والحضارية وقدرات الموارد البشرية على مواجهتها.
يجب تحقيق التطور النوعي للقوى العاملة بما ينسجم مع مستلزمات تحقيق التنمية الشاملة عن طريق رفع إمكانيات التأهيل والتدريب في كافة المهن والمستويات.
تحقيق التوازن في سوق العمل وفق مبادئ الاقتصاد الكلي والتوظف الكامل.
ضرورة التوجه نحو التسيير الإستراتيجي للموارد البشرية قصد امتلاك الميزة التنافسية، لأن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في ظل العولمة لا تعاني من الافتقار إلى المعلومات بقدر ما هي بحاجة إلى توظيف هذه المعلومات، خاصة مع اعتراف الكثير بأن الموارد البشرية أصبحت أساس ومصدر القدرة التنافسية(16).
4-3) دور الإبداع التكنولوجي في تحسين الميزة التنافسية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة:

في ضوء الخطر الذي تشكله الاقتصاديات المتطوّرة في مجال تحرير التجارة الدولية كان لزاما على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر أن تلمّ بكل المعارف والأفكار العلمية الّتي تسمح لها بتحسين أدائها عن طريق تجسيد الإبداع التكنولوجي في شكل منتجات ذات جودة عبر ممارسة نشطات البحث العلمي والتطوير، لاسيما وأنّ كثيرا من الدراسات بيّنت أنّ البحث والتطوير له فائدة عظيمة في ترقية هذه المؤسسات، حيث تمّ إحصاء ما نسبته 75% من إجمالي المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الاقتصادية بفرنسا حققت نتائج فعلية في الإبداع التكنولوجي، تمثّل 49% منها مصدرا للإبداع الداخلي، وصرّحت أغلبيتها عبر الاستجواب أنّها استغلت النتائج الحديثة لإبداعات المنافسين من أجل ابتكار جديد(17)، ضف إلى ذلك أنّ 90% من نتائج البحث والتطوير كانت تمارس بطريقة غير رسمية وأنّه كلما كبر حجم المؤسسة انخفضت الممارسة غير الرسمية لنشاطات البحث والتطوير(18)، كما أثبتت دراسات أخرى أنّ نسبة براءات الاختراع للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة أعلى منها في نظيرتها الكبرى، لما تملكه الأولى من نظام إبداعي بسيط وأقل بيروقراطية ينسق العلاقات بين مراكز البحث والتطبيق((19.

هذا ويُمكّن الإبداع التكنولوجي المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من تحقيق عدّة أهداف أهمّها:

- إنتاج منتوجات نوعيّة وإدماج طرق جديدة في الإنتاج أو التسويق.
- استعمال مصادر جديدة وبديلة للمواد الأولية الخام.
- تحفيز مرونة الميزة التنافسية للمؤسسات.
- الاقتصاد في تكاليف الإنتاج ما ينعكس على رفع المردودية.
- متابعة اليقظة التكنولوجية في العالم ومسايرة تحدياتها.

أمّا بالنسبة لواقع الإبداع التكنولوجي في الجزائر فهو بعيد كل البعد عن المستوى المطلوب حسب معطيات المعهد الوطني الجزائري للملكية الصناعية (INAPI)، حيث كشف أنّ إيداع براءات الاختراع في الجزائر ورغم تزايدها إلا أنّها تمثل نسبة ضعيفة جدا بالنسبة للدول المتقدمة والنامية.

كرونولوجيا تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر:
نتطرق خلال هذا الفرع إلى دراسة تطوّر وواقع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر وفق مرحلتين، مرحلة ما قبل إنشاء وزارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومرحلة ما بعدها، آخذين في الاعتبار أنّ هذه المؤسسات تحتل الحصة الكبرى من القطاع الخاص:

5-1) تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة قبل إنشاء الوزارة:

بدأ تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر في إطار المخطط الرباعي الأول(1970-1973) على مستوى الولايات ليمتد في فترة المخطط الرباعي الثاني (1974-1977) إلى البلديات حيث تمّ إنشاء ثلاثة أنواع من المؤسسات المحلية مستقلّة ذاتيا في شكل إجراءات تنظيمية تخضع لقانون الوظيف العمومي، لتبلغ نهاية 1978 حوالي 513 مؤسسة(20) مع تسجيل تأخر كبير في التنفيذ حيث لم يتم تحقيق الجزء القليل منه إلا في سنة 1987(21) نتيجة حصر وتحديد دور القطاع الخاص في إستراتيجية التصنيع وفق ما احتواه قانون الاستثمار رقم 66-287 الصادر 1966، حيث كان ينظر إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كداعم أساسي للمؤسسات العملاقة الرائدة بالمواد الوسيطية وكحقل للتجارب الفنية فقط، لتبدأ السلطات العمومية – في إطار الخطة الخماسية بِشطريها - بعد عدّة اختلالات اقتصادية في انتهاج سياسة اقتصادية تتضمّن توجيه الاستثمارات إلى كثير من القطاعات المهمّشة من أجل إعادة التوازنات الكلية للاقتصاد الوطني، حيث تم التركيز على الوحدات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة التي نتجت عن إعادة الهيكلة العضوية والمالية للمؤسسات الاقتصادية كبديل أساسي لتحقيق بعض الأهداف المتمركزة أساسا في إنجاز برامج السكنات والأشغال العامة.

وبعد الخلل الذي حدث في سياسة إعادة الهيكلة العضوية والمالية للمؤسسات الاقتصادية ذهبت الجزائر إلى إحداث إصلاح اقتصادي شامل يمنح المؤسسة الاقتصادية الاستقلالية المعنوية والمالية في إطار قانون استقلالية المؤسسات الاقتصادية سنة 1988 كخطوة مبدئية للدخول في إقتصاد السوق، ليليه مباشرة قانون النقد والقرض سنة 1990 متضمنا لمبدأ توحيد المعاملة بين القطاع العام والخاص في مجال التموين والتمويل المصرفي وتخصيص اعتمادات مالية لفائدة المشاريع المصغّرة، ثمّ قانون 19 فيفري 1991 المتضمن تحرير التجارة الخارجية وإخضاع نفس القطاعين لنفس معايير وشروط التصدير والاستيراد، فقانون الاستثمار الذي تواكب مع ظهور وكالة دعم وترقية الاستثمارات (APSI) سنة 1993 حيث كانت من أبرز أهدافه إرساء المساواة بين المستثمرين المحليين والأجانب وإلغاء التمييز بين القطاعين العام والخاص في جميع المجالات.

5-2) تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بعد إنشاء الوزارة:

لعبت الجزائر دورا رائدا في ترقية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بعد جعلها تحت وصاية وزارة تهتم بتأهيلها وتدعيمها من عدّة نواحي، خاصة بعد صدور قانون خوصصة مؤسسات القطاع العام الذي صدر بموجب الأمر رقم 22-95 المؤرخ في 26 أوت 1995، حيث كان هذا الأخير محفزا أساسيا لإنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتوسّعها، مما جعل الدولة تتحكم في تسييرها بعد صدور القانون التوجيهي لترقية المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة مع نهاية سنة 2001 المتضمّن إنشاء عدّة وكالات وصناديق تعمل على تأهيل هذا القطاع، نتطرق إليها في كالتالي:

5-2-1) مدخل من الإطار التنظيمي:

بعد سنة 1994 بدأت الجزائر بإنشاء عدّة هيئات عامة لتقديم المشورة الاقتصادية والفنية والمساعدات المالية لصالح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، نشير إليها في هذا التسلسل الزمني:

إنشاء الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب بمقتضى المرسوم التنفيذي 296-96 المؤرخ في 8 سبتمبر سنة 1996.

الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار(ANDI) بموجب الأمر الرئاسي 01-03 المؤرّخ في 20 أوت 2001(22).

إنشاء مشاتل المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة لاستقبال واحتضان ومرافقة المشاريع الجديدة عن طريق تقديم الخدمات العامّة المختلفة في 25 فيفري 2003.

إنشاء المجلس الوطني المكلّف بترقية المناولة في 22 أفريل 2003 لتكثيف نسيج المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة ودمجها في الأسواق العالمية.

إنشاء المجلس الوطني الاستشاري لترقية المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة في 25 فبراير 2003 لترقية الحوار وجمع المعلومات الاقتصادية من مختلف الجمعيات المهنيّة ومنظمات أرباب العمل ومن جميع الفضاءات الوسيطية التي تسمح بإعداد سياسات واستراتيجيات لتطوير هذا القطاع.

في 03 ماي 2005 تم إنشاء الوكالة الوطنيّة لتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة (ANDPMI) لتجسيد سياسة التعاون والشراكة.

إضافةً إلى هيئات أخرى تعمل من قريب أو بعيد على دعم وترقية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كالوكالة الوطنية للعقار الصناعي (ANFI) والمجلس الوطني للاستثمار (CNI) وغرف التجارة والصناعة (CCI) ومراكز تسهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة...إلخ.
5-2-2) مدخل الإطار المالي:

نتيجة للدور السلبي للبنوك التي – مع تمتعها بسيولة كافية - أصبحت كالمظلة التي تنغلق عندما تبدأ الأمطار بالنزول(23) تمّ إنشاء صناديق ضمان القروض التالية:

صندوق ضمان قروض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (FGAR) في 11 نوفمبر 2002 كأول أداة مالية ساهمت بسد فراغ كبير في إشكالية الضمانات الضرورية للقروض البنكية، وقد تطورت وظيفته – اليوم – في ظل آلية جديدة في إطار (FGAR/MEDA)(24).
صندوق ضمان قروض استثمارات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (CGCI) في19 أفريل 2004 حيث بدأ نشاطه الفعلي في بداية 2006.

إضافة إلى بعض الصناديق الثانوية المساهِمة في خدمة أصحاب المشاريع، كصندوق تدعيم التصدير (FPE)، الصندوق الوطني للتنمية الفلاحية (FNRDA)، صندوق ضمان الاستقرار للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة (CGCIPME)، الصندوق الوطني لترقية نشاطات الصناعة التقليدية(FNPAAT)، الصندوق الوطني لدعم تشغيل الشباب (FNSEJ)، صندوق الكفالة المشتركة لضمان أخطار القروض (FCMGR)، صندوق البحث العلمي والتطوير التكنولوجي (FRSDT)، الصندوق الوطني للتأمين على البطالة (CNAC). ..إلخ

وكانت آخر التصريحات أنّ البنوك العمومية ستقوم بإنشاء فروع على شكل شركات ذات رأسمال استثماري وشركات متخصصة في الإيجار المالي لفائدة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وذلك في إطار برنامج جديد يمتد مابين 2009 و2014 ويهدف إلى إنشاء 200 ألف مؤسسة(25).

5-2-3) الوضعية الراهنة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة:

بلغ عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الخاصة نهاية سنة 2008 حوالي 321387 مؤسسة بمعدل نمو يعادل 9.34% مقارنة بالسنة السابقة، مع الإشارة أنّه ولأوّل مرة تمّ دمج المؤسسات التي تنشط في مجال المهن الحرّة في تعداد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة حيث أحصيت بـ 70626 مؤسسة(26)، وكانت النسبة الكبيرة من النشاط موزّعة بين فروع قطاع الخدمات لتليها مباشرة نسبة معتبرة في مجال البناء والأشغال العمومية، وقد تمركزت النسبة الكبرى – خاصة المؤسسات التابعة للقطاع الخاص – بالجهة الشمالية للوطن بمعدل 60%، لتليها منطقة الهضاب العليا بما يعادل 30%، في حين تمّ تسجيل تراجعا في تعداد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة العمومية خلال عام 2008 إلى 626 مؤسسة بدلا من 666 مؤسسة سنة 2007 نتيجة تغير البنية الهيكلية في إطار الخوصصة(27)، إضافة إلى إفلاس بعض المؤسسات.

آليات وأفق تأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة في الجزائر:

أعطى رئيس المجلس الوطني الاستشاري لترقية المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة صورة قاتمة(28) عن وضعيّة المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة في الجزائر مطالبا بمزيد من العناية والاهتمام بهذا القطاع الحيوي المعوّل عليه في رفع مداخيل البلاد خارج قطاع المحروقات، حيث تساءل عن الفجوة الكبيرة بين توصيات الجلسات العمومية والتقاعس في تطبيق البرامج ميدانيّا، إضافة إلى إعطائه بعض المؤشرات الرهيبة نتيجة الانفتاح المتهوّر على الشراكات الدولية.

من هذا المنطلق نقدّم هنا بعض الاقتراحات لدعم برنامج تأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة في الجزائر في ضوء تحديد العراقيل الأساسية التي تقف أمام هذه العملية.

6-1) وزن قطاع المؤسسات الصّغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني:

على اعتبار أنّ المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تحتل حصّة الأسد من القطاع الخاص؛ يمكننا أن نستعرض هنا بعض مؤشرات التنمية التي ساهم بها هذا القطاع خارج قطاع المحروقات(29):

- ساهم في الناتج الداخلي الخام بـ: 80.80% سنة 2007.
- ساهم في تكوين القيمة المضافة بـ: 86.43% سنة 2007.
- في سنة 2008 ارتفعت قيمة الواردات إلى 39 مليار دولار بنسبة تطور تعادل 41.71% مقارنة مع نتائج السنة السابقة، أمّا الصادرات فقد قدرت بـ: 78.3 مليار دولار أمريكي بزيادة تقدر بـ: 30.04% مقارنة بسنة 2007(30).
- تمّ توفير مناصب الشغل بمعدل 8.2% ما بين 2006 و2007.
- تمّ تحقيق معدلات نمو وصلت في سنة 2007 إلى ما بين 8% و9%.
- عرف معدل الإنتاج نموا مطّردا قدّر بحوالي 11% سنة 2007 مقارنة مع سنة 2003.
وبالرغم من المرتبة التي تحظى بها المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر إلا أنها تبقى دائما رهينة المحيط الاقتصادي الذي تنشط فيه، فمنذ بداية تطبيق سياسة الإصلاحات الهيكلة وهي تحاكي المشاكل العويصة أدت في بعض الأحيان إلى زوالها.

6-2) آفاق المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في العالم الاقتصادي الجديد:

يعتبر البرنامج الوطني لتأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر منعطفا هاما في تاريخ الإصلاحات الاقتصادية التي سطرتها الحكومة الجزائرية، حيث كان من أبرز أهدافه تحقيق النمو والتوازن على المستويين الداخلي والخارجي عن طريق تشجيع الاستثمار ودعم إنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في إطار غطاء مالي بقيمة 01 مليار دينار سنويا يمتد إلى غاية سنة 2013(31).

رغم ذلك، لا نستبعد ظهور كثير من الإفلاسات في مجال النشاطات الصناعية نتيجة التحدّيات التي أصبحت تفرضها كثير من الاتفاقات والتطوّرات الدولية، الأمر الذي جعلني أتطرّق هنا إلى مدى أثر انضمام الجزائر إلى الشراكات العالمية على سير المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة:

6-2-1) الآثار الإيجابية على المؤسسات الجزائرية بعد الانفتاح الاقتصادي التام:

نذكر من بين الآثار الإيجابية:

دعم المؤسسات نفسانيا بالاندماج في الاقتصاد العالمي بسرعة وفعالية نتيجة الشراكة مع مؤسسات ذات قدرات عالية في الإنتاج والمعرفة وفنيات التسيير.
تحسين كفاءة المؤسسات الإنتاجية وتعزيز قدراتها التنافسية.
تطوير الصناعة المحلية عن طريق الاستفادة من التطور التكنولوجي واكتساب خبرات أجنبيّة جديدة، كالاستفادة من شبكة التجارة الإلكترونية المتطوّرة في الإتحاد الأوربي.
تلبية الطلب المحلي من السلع الصناعية وتنويعها.
الاستفادة من شبكات التوزيع العالمية بعد أن أصبحت محتكرة من طرف شركات أوربية وأمريكيّة معروفة.

فتح الآفاق أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من أجل غزو الأسواق الأجنبية وتحقيق حلم الاستثمار الأجنبي الجزائري في السوق الأوربية والدولية.
الاستفادة من إجراءات الحماية التعريفية ما يجعل المؤسسات الجزائرية تكسب فرصا جديدة لفرض وجودها في الأسواق العالمية، إضافة إلى ارتفاع هامش الربح نتيجة انخفاض الضرائب على المواد الوسيطية المستوردة التي تعتبر مدخلات عديد من المنتجات الوطنية.
الإستفادة من برامج التأهيل الدولية ما يتطلّب من وزارة المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة ووزارة الصناعة أساسا وضع الآليات والبرامج الدقيقة لتجسيد هذا الدعم.
6-2-2) الآثار السلبية على المؤسسات الجزائرية بعد الانفتاح الاقتصادي التام:

من أهمّ الآثار السلبية على المؤسسات الجزائرية بعد الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة وإتمام الشراكة مع الإتحاد الأوربي، وما يتبع ذلك من تأسيس التجارة الحرّة مايلي:

إغراق الأسواق الجزائرية بالسلع الأجنبية ذات الجودة العالمية ما يؤدي إلى كساد الصناعة الجزائرية.
انسحاب العديد من المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة من السوق بسبب التفكيك الجمركي الذي يعمل في اتجاه خفض أسعار الواردات من السلع الأجنبيّة.
6-2-3) شروط نجاح اندماج مؤسساتنا الصغيرة والمتوسّطة في الاقتصاد العالمي:

من أهمّ الإملاءات التي نعرضها هنا حتّى تُكيّف مؤسساتنا وأدواتها التنمويّة مع العالم الاقتصادي الجديد مايلي(32):

- تأهيل الاقتصاد الوطني على صعيد كل القطاعات الاقتصادية والسياسية، كالإدارة والمؤسسة والجهاز البنكي والمالي، وحتّى القوانين والمراسيم؛.
- ترقية المحيط الذي تسوده مناطق النشاط الصناعي؛
- تحسين الهياكل القاعدية كالمواصلات والموانئ والمطارات والطرق والجسور ومناطق النشاط .
- تحسين دور البنوك من خلال التدخل في تمويل الاستثمار والتدخل في تقسيم أداء المؤسسة حسب الشروط الدولية.

6-3) المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتعاون الدولي:

حتى تتمكن من مسايرة التطورات العالمية ذهبت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الجزائرية إلى أبعد الحدود في إطار الشراكة الدولية من أجل الاسترشاد بتجارب الدول المتقدمة من خلال عدّة إشكال للتعاون الثنائي والإقليمي، ، أهمّها:

برنامج ميدا لتنمية المؤسسات الصغيرة و المتوسطة بالجزائر في إطار التعاون الأورو- متوسطي الذي يهدف بالأساس إلى تحسين القدرة التنافسية لهذه المؤسسات عن طريق تأهيلها وتأهيل محيطها، حيث تمّ في المرحلة الأولى (2002-2007) تحقيق حوالي 448 عملية تأهيل وتشخيص وتكوين في إطار الدعم المباشر، وكانت أهم النشاطات التي ركّز عليها هذا البرنامج في هذه العمليّة 36% لترقية الإدارة و26% لتطوير الإنتاج و15% للجودة و14% للتسهيلات المصرفية، أمّا التسويق فقد قدّر ب9%(33)، ليدخل في مرحلته الثانية "ميدا2" حيّز التنفيذ ابتداء من أوّل جانفي 2009(34)، من أجل تعزيز مكاسب البرنامج الأول "ميدا1" وتيسير مهمّة هذه المؤسسات في اعتماد التقييس وإدراج تكنولوجيات الإعلام والاتصال الحديثة(35).

التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية لدعم استحداث نظم معلوماتية وإحداث محاضن نموذجية لرعاية و تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وكذا إنشاء ورشة حول ترقية التمويلات بالاشتراك مع كل من ماليزيا، اندونيسيا وتركيا، تحت غطاء مالي قدره 1.5 مليون دولار(36).

التعاون الثنائي مع بعض دول الإتحاد الأوربي قصد اكتساب الخبرات الضرورية لوضع البرامج.

التعاون مع البنك العالمي لمتابعة التغيرات التي تطرأ على وضعية المؤسسات.
التعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية لتأهيل المؤسسات في فرع الصناعات الغذائية.

برنامج جديد لدعم تنافسية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال استعمال تكنولوجيات الإعلام والاتصال وتأهيل 450 مؤسسة جزائرية بالتعاون مع الإتحاد الأوربي أنطلق في ماي 2009(37).

6-4) إجراءات مقترحة لدعم تأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة:

نظرا للأخطار المرتقبة أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة في آفاق الاقتصاد العالمي آثرنا أن نتطرّق إلى بعض التدابير المدعِّمة لمسار تأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة في الجزائر في ضوء كثير من المعوّقات المعترضة لذلك:

6-4-1) معوّقات تأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر:

تتمثّل أهم المشاكل التي تَحُول دون تطور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مايلي:

- البيروقراطية الإدارية في منح الاستثمارات.
المؤسسات المالية الموازية و مشكلة ضمان القروض ما يدفع بأصحاب المؤسسات إلى التعامل مع وكلاء الأسواق غير الرسمية الخارجة عن سيطرة ورقابة البنوك المركزيّة.
- إشكالية تموين الآلة الإنتاجية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
- غياب دراسات إستراتيجية صناعية تنبِّئ أصحاب المشاريع بأخطار الاستثمارات.
- غياب برامج التكوين والتدريب.
- صعوبة الحصول على العقار الصناعي.
- ارتفاع وتيرة الإقتصاد الموازي.
- ارتفاع الضغوطات التسويقية.

6-4-2) آليات تأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر:

إنّ تأهيل قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة في الأوضاع الراهنة منوط باكتساب مجموعة من المقوّمات المتمركزة حول روح الشفافية والحكم الراشد والإنفتاح على المبادلات الدولية، وفي هذا الإطار أردنا تقديم هذه الإقتراحات -على ضوء ما ذكرناه من مشاكل:

- ضرورة تأهيل البيئة الاقتصادية.
- السعي لإصلاح المنظومة المصرفيّة.
- تحسين الكفاءة الإنتاجية وفق المقاييس والمواصفات الدولية من أجل ضمان نجاح فرص الانضمام إلى منطقة التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي ودخول المنظمة العالمية للتجارة.
- تبسيط الإجراءات الجبائية عن طريق إعادة النظر في معدلات بعض الضرائب والرسوم ومراجعتها دوريا في قوانين المالية لكل سنة.
- العمل على غرس ثقافة التقاول كأمر إستراتيجي بالنسبة لمستقبل الجزائر، وذلك من خلال إعداد برنامج تأهيل عبر مراكز التأهيل(38).

إنشاء مراكز للبحوث والتطوير لتحسين تقنيات وأساليب الإنتاج وجودة المنتوجات.

العمل على دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة الجزائرية لشغل وتفعيل اقامة مواقع إلكترونية على شبكة الإنترنت قصد الوصول إلى المستهلك العالمي.

إنشاء مجلس وطني للتصدير يقوم بتشخيص المشاكل التي تعاني منها المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة في مجال التصدير.

إنشاء مرصد وطني عربي لتبادل المعلومات حول نشاطات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عربيا على غرار بنك المعطيات التي رسمته الجزائر بموجب المرسوم التنفيذي رقم 09-05 المؤرّخ في 4 جانفي 2009 (39) .

خاتمة:

جاء هذا الموضوع ، والجزائر على وشك الانضمام الأكيد إلى الفضاء العالمي التجاري وبصدد إنشاء منطقة للتبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي على مشارف 2012، وبعد أشهر فقط من الدخول في منظمة التجارة الحرّة للدول العربية، الأمر الذي يجعلنا نؤكّد أنّ النجاح لن يتأتّى دون المزيد من المثابرة والتنسيق بين مسيري المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة والوزارة الوصية لتأهيل هذا القطاع بعد أن أصبح اليوم يحتلّ مكانة متنامية في الإقتصاد العالمي ويشكّل الهيكل العظمي لكثير من الدول النامية.

وحتى يكلل مشروع تأهيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالنجاح يجب وضع الخطة التنموية في إطار تحكم جيد في مجموعة مقومات المنافسة العالمية المتمثّلة في الإدارة والتكنولوجيا وجودة المنتوجات، ويجب توطيد العلاقة بين منشأة العمل الصناعي وهياكل التعليم العالي ومراكز البحث التطبيقي باعتبار هذه الأخيرة مصادر هامة لاستقطاب الأفكار والإبداعات التكنولوجية.

كما أنّ برنامج التأهيل والترقية يعتمد بالأساس على الإدارة باعتبارها العقل المدبّر للاقتصاد الوطني، إذ يجب إسناد مصيرها إلى الكفاءات العلمية العالية المتخصصة المخلصة التي تؤمن بالتغيير وتعمل على تحقيقه وتنظر إلى الحاضر بأعين المستقبل وتعد له بالتخطيط المدروس.

الهوامش:

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

٢ مشاركة منتدى