احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة صمود غزة

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > آفة الفقر والجوع

مساهمة متواضعة بمناسبة اليوم العربي للفقر.

آفة الفقر والجوع

١١ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٠بقلم حميد طولست

آفة الفقر والجوع ليست قضية تحرير أو محاربة،‮ ‬بل هي مسألة حياة أو موت، لا‮ ‬يمكن تأجيلها أو‮ ‬غضّ‮ ‬الطرف عنها‮ في أي مجتمع كان. ‬فإن استشرت في حضرة البطالة وانتشار الميز بين طبقات المجتمع و تفاوتات مستويات الدخل،‮ ‬تسلّل الفساد إليه ورافقه التخلف والانحطاط والجريمة، لإنّ‮ ‬الجائع في‮ ‬سعيه إلى توفير احتياجاته،‮ ‬قد‮ ‬يلجأ إلى أي‮ ‬تصرّف سلبي‮ ‬دون اعتبار للعواقب، أو التّفكير بأيّ‮ ‬أمر آخر مهما بدا سامياً‮ ‬وذا قيمة وقدسية‮، ‬فالجوع لا‮ ‬يعترف بقيم أو مبادئ وليس له دين، و هو "كافر" كما يقول المغاربة في الأمثال الشعبية.

كم هي كثيرة‮ القضايا التي ‬يواجهها المواطن المغربي المغلوب على أمره، فيصمت عنها أويتجاهلها، وقد لا يعيرها اهتماما، رغم ضجيج الأنباء الواردة عنها من كل حدب وصوب. فلا يهتم بالانتخابات الأمريكية وفوز أوباما بالرئاسة رغم سواده وأنه من جذور افريقية، ولا يحسب للشأن النووي‮ ‬الإيراني‮ والتفجيرات العشوائية في‮ ‬العراق وأفغانستان أي حساب، كما أنه لن يكترث لعمليات الاختطاف في‮ ‬مصر، و تزايد نشاط قراصنة السواحل الصومالية، ولا حتي ما يشهده العالم اليوم من زلازال‮ ‬اقتصادية و انهيارات في الأسواق المالية‮ التي ‬اهتزّت لها معظم الدّول‮ ‬فأدّت إلى ارتفاع مهول في‮ ‬الأسعار،‮ ‬نتجت عنها بالضرورة إختلالات خطيرة. إن ما يهم المواطن المغربي، هو توفير كسرة خبز سوداء وحيطان تقيه شر الحر و القر. أما حمايته و دويه من انخفاض مستويات المعيشة كما هو منصوص عليها في إعلانات الأمم المتحدة العالمي‮ ‬لحقوق الإنسان التي صادقت كافة أقطار العالم والمغرب من بينها والتي تنص المادة 52 منها على أنه: ‬""لكل شخص الحق في‮ ‬مستوي معيشة‮ ‬يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته بما في‮ ‬ذلك الحق في‮ ‬المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية والخدمات الاجتماعية الضرورية‮.. فالرفاهية من الأمور التي يتركها لمن تحملوا أمانة تدبير شؤون الناس من الساسة والحكام. فما يهمه من كل الهرج والمرج المحيط به، هو حلمه بعدالة اجتماعية حقيقية توفر له ولأبنائه الحد الأدني من أساسيات الحياة من تعليم وصحة ‬وشغل، وتحفظ حياته وكرامته في‮ ‬المجتمع،‮ ‬وتمكن كل الفقراء من الحصول على الغذاء الكافي لملء بطونهم و بطون ذويهم. الشيء الذي لن يتأتي إلا بتدخل الدولة لدعم السلع الأساسية لتكون في‮ ‬متناول الشرائح الاجتماعية المعوزة والفقيرة‮ دون غيرها من الميسورين الذين مَنٌ عليهم الوطن الكريم من ريع صناديقه الكبيرة العامرة، كصندوق المقاصة الذي يطبق المثل المغربي "زيد الشحمة في المعلوف"..‬

‮الخوف كل الخوف ‬يكمن في‮ ‬تجاهل القائمين على الأمور، دورالعدالة الاجتماعية والتقليل من خطورة العلاقة بينها وبين الاستقرار السياسي‮، تلك ‬العلاقة الطرديه، التي كلما حافظ عليها نظام ما، كان الاستقرار السياسي‮ ‬من نصيبه، وأسهم ذاك الاستقرار في‮ ‬توفير الأمن الاقتصادي والاجتماعي الذي يسهم بدوره في الرفع من وثيرة التقدم والازدهار.‮ ‬وقد بات معلوماً‮ ‬أنّ‮ ‬الأمن الاقتصادي‮ ‬والأمني‮ ‬متلازمان، فكلما‮ ‬غابا أحدهما بسبب من الأسباب، غاب الثاني نتيجة غياب الأول، وبغيابهما تغيب العدالة،وتعم الفوضي وكثرت الإحتجاجات التي غالبا ما تتحول في المجتمعات المتخلفة إلى انفلاتات و ثورات يصعب ردعها. فالخطر يزداد كلما ازداد عدد الأفواه التي تبحث عن اللقمة، وغياب العدالة‮ ‬يؤدي إلى العنف والي منطق خذ حقك بيدك. لذا أصبح تدارك الأمور قبل تفاقمها، من أوجب واجبات الحكومات الموقرة وكل السياسين والبرلمانيين المحترمين، بالعمل على معالجة أسباب الفقر ومسبباته، بدل صناعة الوهم و انتظار فرض العقوبات لاحقاً‮. فالوعود الوهمية زائد العقوبات هي أكثر خطراً من القنابل النووية الإيرانية التي تخيف الغرب رغم قوته.. ‬

فليس إذن من باب الصدفة أن تندرج محاربة الفقر في طليعة أهداف الألفية من أجل التنمية، التي التزمت خلالها الدول، وضمنها المغرب، بالتخفيض من معدل الفقر بنسبة 50% خلال الفترة الممتدة بين 1990 و2015 سواء تعلق الأمر بالفقر المطلق، أو بالفقر النسبي أو بالهشاشة. فقراؤنا كما فقراء العالم، لا يؤمنون بأن الاحتفال بيوم من أيام معاناتهم، يسمي "اليوم العالمي لمكافحة الفقر" في السابع عشر أكتوبر من كل سنة –أو "اليوم العربي للفقر" المحتفل به في 8 يناير من كل عام. قادر على القضاء على الفقر أو التقليص من مشاكل الفقراء الاقتصادية والاجتماعية، التي يغرقون فيها.

ورغم الاحتفالات المقامة للفقر فإن القضاء عليه -ورغم التقدم التكنولوجي الهائل الذي شهدته البشرية، ورغم ارتفاع وتائر الإنتاج العالمي بشكل غير مسبوق، والتطور الاقتصادي المذهل الذي أصاب حياة ملايين البشر، ورغم ما حصل بالمغرب من تقدم خلال الأعوام الأخيرة في مجال ووسائل محاربة ظاهرة الفقر، فإن القضاء على هذه المعضلة، أو التقليص من مساحتها، تحقيقا لأهداف الألفية الثالثة،- يبقي حلما بعيد المنال، إذ لازال الفقر بجميع أشكاله يشمل نسبة كبيرة من سكانة المغرب، و يطبق على البادية أكثر من المدن، يمس النساء أكثر من الرجال، و يهدد أعدادا كبيرة من الطبقة المتوسطة التي كانت عماد المجتمع وعصبُه.

ويري بعض المحللين أن نظام الأجور الجامد في المغرب و الذي لا يتلاءم مع تغيرات الأسعار وتلوناتها الحربائية، هو أحد أهم العوامل الرئيسية التي أفقرت الطبقة الوسطي، والتي يخشي من اندثارها واضمحلالها تحت مطارق‮ ‬غلاء الأسعار وتآكل الرواتب، التي أفقرت، بل أعدمت الطبقة الدنيا وفتحت الطريق ممهدا أمام طبقة جديدة غالبيتها من تجار و مروجي المخدرات وناهبي المال العام ليتربعوا فوق كراسي الثراء، وينمو نفوذهم على حساب نفوذ الأمة وتقوي سلطتهم على حسابها، و يسود راس المال المتوحش لحد طغي فيه على كل شيء وكانت النتيجة ما نراه الآن من فقر وتخلف، لأن غالبية الأثرياء الجدد، ليست لهم علاقة لا من قريب ومن بعيد مع المشاريع البناءة التي تقود إلى النمو أو التقدم، و لم تعد سيادة الأمة مستمدة من الشعب بقدر ما أصبحت مستمدة من القوي المرعبة لأرباب المال.كل طلك وغيره كثير قلة المحاسبة وسوء اختيار وضبابية الرؤي والتخطيطات سبب كل الإخفاقات.

معضلة الفقر لا تقتصر آثارها على الجانب الاقتصادي فقط، بل لها تأثيراتها الاجتماعية الواسعة والخطيرة جدا، فعندما يتزايد عدد الفقراء في مجتمع ما، تتزايد العشوائيات
التي تحد من تطور المجتمع، فتزداد معدلات الجريمة والانحراف الأخلاقي والاجتماعي ويزداد عدد اللصوص والنصابين والمجرمين من كل الأنواع، إضافة إلى ازدياد التسرب من المدارس، وزيادة أعداد أطفال الشوارع، وازدياد تمركز الثروة بأيدي القلة من المحظوظين، مما يوسع من الفروقات الطبقية، ويزيد من الاحتقانات والكراهية والشعور بالغبن وكلها عوامل تؤدي أإلي عدم الاستقرار وإلي الكوارث.

وهذا يتعارض مع كل الطموحات والأهداف التي تسعي إليها الأمة والقوي المخلصة فيها، وفي مقدمتها تحقيق معدلات معقولة من التنمية والنمو الاقتصادي، حتي تتمكن امتنا من النهوض من الكبوة التي ترزح تحت أغلالها منذ عقود طويلة، والحقيقة أنه مطلب ليس بعصي على التحقق، لان التخلف والضعف الاقتصادي الذي تعيشه بلادنا احد أسبابه الرئيسية هو ضعف الإدارة الاقتصادية.. وبشكل عام ضعف الإدارة السياسية، فموارد بلادنا هائلة، وإمكانياتها الاقتصادية كبيرة جدا، تمكنها من ان تصبح قوة أساسية كبري لو أحسنت الإدارة السياسية استثمار مقدرات بلادنا، وأولها وضع الخطط والبرامج التنموية الرزينة.

ما يحتم على المسؤولين الحكوميين والسياسيين، إعادة النظر في السياسات العمومية والخطط المتبعة في القضاء على الفقر، وذلك بتوزيع الثروات الوطنية بالعدل على المواطنين، ومساعدة الفقراء على رفع مستوي معيشتهم وذلك عبر سن نظام عادل للأجور، وإقرار دخل أدني للاندماج في النسيج الاقتصادي والاجتماعي، مع محاربة الامتيازات، واقتصاد الريع. بدل تعويدهم على مد يد التسول لمؤسسات الدولة و الجمعيات الخيرية الوطنية والدولية. فنسبة كبيرة ومهمة من الفقراء مستعدة لأن تصبح قوة عاملة و منتجة و مفيدة لعائلاتها و لوطنها، كما يؤكد ذلك تجربة محمد يونس البنغالي نصير الفقراء أو"مصرفي الفقراء" كما يلقبونه، وصاحب المبادئ والنظريات الاقتصادية الكبري، والفائز بجائزة نوبل للسلام عام 2006مناصفة مع بنكه "غرامين بنك" المتخصص في منح قروضا مصرفية صغيرة للمعوزين تؤدي، حسب قوله، إلى استئصال جذور النزاعات و الإرهاب، كما يقول «الفقر خطر على السلام» و أن «ما ينجم عن الفقر المشين من إحباط وحقد وغضب لا يمكن أن يضمن السلام في أي مجتمع» ويؤكد على أن جشع الأثرياء هو السبب الرئيسي فيما حصل ويحصل لفقراء العالم، و كرر دعوته للرأسمالية الاجتماعية كحل صحيح يضمن لأصحاب المال ربحهم و للفقراء فرصة الخروج من فقرهم و نيل حياة تحفظ فيها كرامتهم..

وكم كانت فكرة بروفيسور الاقتصاد البنغالي محل سخرية الجميع ببنغلاديش وعيرها، عندما طرحهت لأول مرة، ولكنها أصبحت اليوم نظرية اقتصادية ونموذجا استثماريا ناجحا يُحتدي، ويفرض التوقف عنده و التفكير فيه طويلا. فما أحوج فقراء العالم لمثل هذه المبادرات والأفكار أكثر من أي وقت سبق. و المختصون في الميدان و أصحاب القراروالتنفيذ في العالم هم المعنيون و المطالبون الأوائل بتجريب مقترح بنك "غرامين". برنامج يونس التنموي ليس وحده الذي نجح في التقليل من الفقر و حول الفقراء إلى قوة إنتاجية مهمة؛ فهناك النموذج السنغافوري للتنمية والعدالة الاجتماعية والسياسية الذي قاده رئيس الوزراء " لي كوان يو" الذي مكن‮ ‬الفقراء من أدوات العمل وحولهم إلى عناصر منتجة وفاعلة في‮ ‬المسيرة التنموية لا عناصر خاسرة إتكالية، لا تجد ما تفعله‮ ‬غير الاضرابات والاعتصامات والتظاهرات‮.‬

فقد سن رئيس الوزراء السنغافوري برنامجا تنمويا طموحا ادخل سنغافورة إلى‮ ‬مضمار التصنيع،‮ ‬واعد الأراضي‮ ‬الساحلية الواقعة في‮ ‬غرب الجزيرة لتأجيرها للاستثمار الصناعي‮، ‬وشن القوانين التي‮ ‬تنظم شؤون العمل والعمال لتحد من قدرهم على التظاهر والاشتغال بالسياسة " الخاوية أو السياسوية" و أردفه ببرنامج إسكاني‮ ‬عام وطموح، يعد مثالا ناجحا في‮ ‬كل آسيا وذلك من خلال بناء ناطحات سحاب تحتوي‮ ‬على شقق مجهزة بكل وسائل الراحة للعمال العاملين في‮ ‬القطاع العام و أسرهم، واتبع تلك الخطوة بفرض قوانين الضمان الاجتماعي‮ ‬لإجبار المواطنين على ادخار ما نسبته ربع راتبه الشهري‮ ‬على أن‮ ‬يخصم هذا المبلغ‮ ‬من الراتب ويودع في‮ ‬حساب الضمان‮.‬

الاحتفال باليوم العربي للفقر لم يأت بجديد هذا العام، أنه لم يختلف عن أيام الفقر التي يعرفها الفقراء خلال أيام الفقر الأخري الفائتة والمكرورة والمتشابهة التي لا تتغير أبدا، ولن تتغير بالنسبة للمليار فقير الذين يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، حسب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون؛ والله وحده يعلم عددهم عندنا رغم ان الإحصائيات تتضارب بين 4ملايين و5ملايين يبقي الفقر طاهرة مرعبة رغم دور الجماعات المحلية غير المنكر، ومساهماتها في إطار تذخلاتها المتنوعة، حسب اختصاصاتها الواسعة في مساعدة المواطنين على تنمية مستواهم المعيشي، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية بإنشاء البنيات التحتية والمرافق الخدماتية

والتجهيزات التي تساهم في تنمية كل القطاعات التي يمكن أن تخفف من حدة الفقر
وسطوته، إلا أنها تبقي غير كافية أو غير ذات جدوي مع الكثير من التجارب وفي كثير
من الأحيان...

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

٢ مشاركة منتدى