من رسائل المنفى والغياب ٢

نفس الأحلام في كل المنافي

، بقلم أحمد أبو مطر

ويواصل نفس الغياب والمنفى رسالته القديمة الجديدة:

"رغم أننا عملنا معا سنوات طويلة، إلا أنّ زحمة العمل والورق والخدمات الصحفية ومراجعة الكتب، لم تسمح لنا بمثل هذا التفاعل الذي يأتي الآن حيا نابضا عبر الورق والقلم. فيك روح شاعرة بالإضافة للمسات الفنانة. أنا الكتابة أصبحت بالنسبة لي ليست مهنة رغم أنها مهنتي منذ ربع قرن على الأقل، لكنها منذ تشردي الجديد منذ عام 1989 أصبحت سلاحي الوحيد لمقاومة الكآبة والحزن. لولا الكتابة – بدون مبالغة – لانتحرت منذ سنتين، رغم معرفتك بي كم أحبّ الحياة وصخبها وضجيجها ومعاركها، أو في أحسن الأحوال لدخلت مستشفى العقلاء على اعتبار أنّ المجانين هم أكثر عقلاء عصرنا هذا، وإلا لماذا قال القدماء : "خذوا الحكمة من أفواه المجانين ".

سألتني صديقة صحفية نرويجية : " لماذا أنت متجهم الوجه أغلب الأحيان ولا تضحك إلا قليلا؟ ". فأجبتها : " تخيلي طفلا عمره أربع سنوات طرد من وطنه، وحمله أهله هاربين مشردين لاجئين، وكبر وسط شقاء وبؤس المخيمات في قطاع غزة. وعمل وهو ما زال صبيا دون الثالثة عشرة من عمره نادلا في المقاهي والمطاعم، وتحدى كل الظروف، وذهب إلى الجامعة منهيا المرحلة الجامعية الأولى، ثم تعذّب في حرّ الكويت ورطوبتها حتى جمع المال اللازم للعودة للجامعة لإنهاء مرحلتي الماجستير والدكتوراة، وكان له هذا، وعندما اعتقد أنه جاء وقت الراحة والاسترخاء، بدأت المشاكل التي لا يتصورها، فيطرد سياسيا أو يمنع من العودة إلى الكويت. ويذهب إلى الجماهيرية الليبية الشعبية الديمقراطية العظمى، فيطرد نفسه كي لا ينخرط في موضة أو صرعة اللجان الشعبية، ومن الجماهيرية العظمى إلى جماهيرية صدّام ليخّير إما أن ينظّر ويمجد ما أطلق عليه "قادسية صدّام" في الحرب العراقية الإيرانية أو يغادر العراق تاركا عمله الجامعي، فيختار الخيار الثاني ذاهبا إلى بيروت، وبعد حصار شارون لبيروت في حزيران 1982 يتم شحنه كالبضائع في باخرة إلى سورية، وعندما أعاد توازنه وكوّن نفسه من جديد يتم تهديده ومصادرة بعض أملاكه وطرده خارج سورية بلد البعث القومي العربي الاشتراكي. ومع هذا وذاك لم يلتقي والده وأمه وكافة أفراد عائلته في قطاع غزة منذ ثلاثين عاما، واعتقل والده أكثر من مرة، وقتل أخاه الأوسط على يد بنادق جيش الاحتلال.....بالله عليك كيف يضحك هذا الشخص؟.

عندما أنهيت سرد قصة هذه المأسآة، أجهشت صديقتي النرويجية في البكاء، وأجهشت أنا في الضحك، متذكرا بيت شعر المتنبي الذي قال فيه : " إلا أنه ضحك كالبكا ". نعم إنه ضحك كالبكاء، وهذا ما يجعل هستيريا الضحك عند بعض علماء النفس تعبيرا عن موقف ساخر أو مشهد حزين.

ما العمل؟

هذا سؤال لا تسأليه وحدك، ولكن مئات ألاف من شعبنا بما فيهم الأمناء العامون لدكاكين وسوبرماركات المقاومة الذين هم يفترض من يملكون الجواب. لذلك تراودني فكرة لا أدري هل هي معقولة أم مجنونة. إنها فكرة العمل من أجل دعوة 75 مفكرا وكاتبا ومخلصا فلسطينيا لتدارس الوضع الفلسطيني البائس اليائس، للخروج بكتاب يحدد آفاق المستقبل والعمل والحلم الفلسطيني، وربما يسمى "بروتوكولات حكماء فلسطين " على غرار " بروتوكولات حكماء صهيون " الذي على هدية سار زعماء الحركة الصهيونية سرا و علنا، وكان مؤتمر بال عام 1897 أول خطواتهم نحو الوطن القومي اليهودي، الذي كان أول الخطوات نحو تشردنا وشقائنا. قال أرسطو " أنا أفكر إذن أنا موجود "، وعندي " أنا أكتب، إذن أنا موجود " والكتابة لا معنى لها بدون تفكير. لذلك أنت بالنسبة لي الآن جوهرة فيروزة ثمينة كي أكتب لك. إن التزاماتي الصحفية والكتابية لثلاثة صحف ومجلات عربية لا تكفي لاستيعاب ما يهدر بداخلي، لذلك يمكنك اعتبار نفسك المجلة الرابعة التي ألتزم بالكتابة اليها فيما لا تجرؤ تلك الصحف على نشره. المهم أن نقرأ بعض جيدا. أرجوك أخبريني عندما تطّل فيروزتكم الجديدة على عالمنا. محظوظة هذه الفيروزة التي ستولد أمريكية، وربما تنزل وفي يدها الباسبور الأمريكي بطبعته الجديدة الصعبة على التزوير. عندما كنت في دولة عربية قبل شهور قليلة، وجدت أنّ النسبة الأعظم من شبابنا العربي يفكرون في أمريكا والهجرة إليها، وكأنها حلم سيدنا سليمان أو مصباح علاء الدين أو جنّة الله. أتوقف عند هذا الفاصل الأمريكي من رسالتي ويبقى الكثير للكتابة والقراءة ، مع كل ما أستطيعه من التحيات والتقدير والأمل بحياة أمريكية سعيدة مريحة ".

إلى هنا ينتهي هذا الفاصل

من تنويعات المنفى والغياب الخاص ليثبت نشر ما كتب عام 1994 أن المنفى الفلسطيني يفكر نفس الأحلام والتنويعات، بدليل أن فكرة مؤتمر بال هذه الواردة في الرسالة الخاصة قبل 16 عاما تقريبا أي لم يقرأها سوى صاحبة الرسالة، ينظّر ويدعو لها الكاتب الفلسطيني الدكتور أفنان القاسم منذ أكثر من عام تحت عنوان " نحو مؤتمر بال فلسطيني "، وكتب العديد من الدراسات حول الفكرة، وهذا التأكيد مني من أجل القول صراحة أنّ الدكتور أفنان القاسم هو صاحب الفكرة والمنظّر لها، فهو أول من أعلنها وما زال يسعى لجلب دعم لها دون اهتمام يذكر ممن يهمهم الأمر.

وتغني فيروز

لما عالباب يا حبيبي بنتودع

بيكون الضو بعدو شي عم بيطلع

بوقف طلع فيك وما بقدر أحكيك

وتفل وما ترجع وبخاف تودعني

إلا الوداع الفلسطيني يا صاحبة " أجراس العودة فلتقرع " فهو وداع اجباري لا يملك الفلسطيني فيه ارادة، إذ لم أعد قادرا على سماع أغنيتك "سنرجع يوما إلى حينا " بعد أن امتد هذا اليوم 62 عاما، وفضائح الشهور الماضية من مصعب حسن يوسف إلى ما أعلنه من فضائح المحامي الفلسطيني ضابط المخابرات فهمي شبانة، يعلن صراحة أنّ هذا اليوم بعيد بعيد، لا أدري أي جيل سيشهده؟.

صديقي السويدي لم يقرأ أي كتاب عن المنفى والغياب الفلسطيني، ورغم ذلك جاءني يوما وقال لي : فهمت كل تفاصيل عذابكم دون قراءة أو متابعة. سألته كيف؟ قال لي: عندنا جزيرة سويدية في أقصى الشمال كل فصولها ثلوج وبرد قاس، عدد سكانها خمسة وستين سويديا وثلاثة فلسطينيين، فسألت نفسي : من أوصلهم إلى هنا حيث يهرب من الجزيرة السويديون أنفسهم؟ فعرفت الجواب: إنه الشقاء الذي حدثتني عنه كثيرا.


أحمد أبو مطر

الدكتور أحمد: كاتب وأكاديمي فلسطيني

من نفس المؤلف