احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > ديوان الدراسات المحكمة > المشترك اللفظي

قضايا الدلالة في اللغة العربية بين الأصوليين واللغويين

المشترك اللفظي

الحلقة الثانية

٣٠ آذار (مارس) ٢٠١١بقلم مولاي إدريس ميموني

تكلمنا في مبحث سابق عن الترادف، وقلنا إنه إطلاق ألفاظ عدة، على مدلول واحد. أما بحثنا في هذا الموضوع، فيتناول قضية المشترك اللفظي. وهي قضية دلالية تقابل قضية الترادف، وهي اشتمال لفظ واحد، على عدة معان، يطلق كل منها على طريق الحقيقة لا المجاز، والترادف والمشترك، مبحثان ينتميان إلى موضوع واسع، وكبير، وشامل، في التراث العربي الإسلامي، في ما يسمى غالبا بقضية اللفظ والمعنى.
والواقع أن قضية المشترك اللفظي، من حيث القلة والكثرة، تناولها قدماء اللغويين إلى جانب الأصوليين، كما سيتضح من خلال عرض آرائهم في ثنايا هذه الدراسة.

وقضية اللفظ والمعنى وتجلياتها في التراث العربي الإسلامي، أمر ليس في حاجة إلى أن يبين أو يستدل عليه، لوضوحه فيه، وكثرة ما كتب حوله، في جميع مناحي هذا التراث، نحوا، وبلاغة، وصرفا، ومعجما، وفقها، وفلسفة، ومنطقا، وأصولا، وفقه لغة، وحديثا، وعقيدة، وقراءات قرآنية.. إلى غيرها من العلوم، التي تشهد بكثرة ما قيل في موضوع الدلالة بصفة عامة، وفي قضية اللفظ والمعنى بصفة خاصة، وهو موضوع أكبر من أن يحاط به في هذه الصفحات، أو أن يدرس من وجهة نظر واحدة، لذلك رأينا أن نجعله سلسلة من الدراسات المتكاملة(#)، من خلال حقلين معرفيين متكاملين، هما علم اللغة، وعلم أصول الفقه.

فباستقراء تاريخ اللغة العربية، نجد كل الذين اهتموا بدراستها في العلوم المذكورة سلفا، قد حاولوا الوصول إلى الحقيقة من خلال دراستها، عبر الإمساك بأسرار الوظيفة المحورية فيها، المتمثلة في الدلالة، فسجلوا آراءهم في ما كتبوه في معاني الغريب في القرآن الكريم، ومجاز القرآن، وفي الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، والمعاجم الموضوعية، ومعاجم الألفاظ، ثم أثناء ضبط المصحف الشريف بالكتابة والشكل والتنقيط، وهو بحث دلالي دقق العلماء فيه، بضبط رسم الكلمة، بما لا يجعلها مخالفة لقانونها الصوتي، الذي هو أصل في اللغة، مما يؤدي إلى تغيير وظيفتها.

فباب البحث الدلالي في علاقته بالألفاظ، من أشرف الأبواب التي تناولها العلماء المسلمون في كتبهم، واهتدوا في دراستهم لها، إلى نتائج يعتمد عليها في فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها. يقول ابن جني في (باب الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني):"اعلم أن هذا الباب من أشرف فصول العربية، وأكرمها، وأعلاها، وأنزهها. وإذا تأملته عرفت منه وبه ما يؤنقك، ويذهب في الاستحسان له كل مذهب بك. وذلك أن العرب كما تعنى بألفاظها فتصلحها وتهذبها وتراعيها، وتلاحظ أحكامها بالشعر تارة، وبالخطب أخرى، وبالأسماع التي تلتزمها وتتكلف استمرارها، فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأفخم قدرا في نفوسها.فأول ذلك عنايتها بألفاظها. فإنها لما كانت عنوان معانيها، وطريقا إلى إظهار أغراضها، ومراميها، أصلحوها ورتبوها، وبالغوا في تحبيرها وتحسينها، ليكون ذلك أوقع لها في السمع، وأذهب بها في الدلالة على القصد، ألا ترى أن المثل إذا كان مسجوعا لذ لسامعه فحفظه، فإذا هو حفظه كان جديرا باستعماله، ولو لم يكن مسجوعا لم تأنس النفس به، ولا أنِقت لمستمعه، وإذا كان كذلك لم تحفظه، وإذا لم تحفظه، لم تطالِب أنفسها باستعمال ما وضع له، وجئ به من أجله"(#).

إن المشترك اللفظي، مما يحتاج إلى معرفته مؤلف الكلام، ، ليجد إذا ضاق به موضع في كلامه بعض الألفاظ سعة في العدول عنه إلى غيره مما هو في معناه، و يخص هذا الجانب الترادف، كما يمكنه إيراد بعض الأسماء المشتركة ليستعين بها على استعمال التجنيس في كلامه، "وهي اتحاد الاسم واختلاف المسميات، كالعين، فإنها تطلق على العين الناظرة، وعلى ينبوع الماء، وعلى المطر، إلا أن المشتركة تفتقر في الاستعمال إلى قرينة تخصصها، كي لا تكون مبهمة لأنا إذا قلنا: عين، ثم سكتنا، وقع ذلك على محتملات كثيرة من العين الناظرة، والعين النابعة، والمطر، وغيره مما هو موضوع بإزاء هذا الاسم، وإذا قرنا إليه قرينة تخصه، زال ذلك الإبهام، بأن نقول: عين حسناء، أو عين نضاخة، أو ملثه، أو غير ذلك. وهذا موضع للعلماء فيه مجاذبات جدلية"(#)سنعمل على تقريبها لاحقا.

حد المشترك اللفظي:

أ - المشترك لغة:
"الشِّرْكَةُ والشَّرِكة سواء، مخالطة الشريكين، يقال: اشترَكنا بمعنى تَشارَكنا، وقد اشترك الرجلان، وتَشارَكا وشارَك أَحدُهما الآخر...

وشاركت فلاناً صرت شريكه، واشْتركنا وتَشاركنا في كذا، وشَرِكْتُه في البيع والميراث..... قال ورأَيت فلاناً مُشتركاً، إذا كان يُحَدِّث نفسه أن رأيه مُشْتَرَك ليس بواحد.

وفي الصحاح: رأيت فلاناً مُشْتَرَكاً إذا كان يحدِّث نفسه كالمهموم... وطريق مُشْتَرَك يستوي فيه الناس، واسم مُشْتَرَك تشترك فيه معان كثيرة، كالعين ونحوها فإنه يجمع معاني كثيرة.(#)

"وقد اشْتَرَكا وتَشارَكَا وشارَكَ أَحدُهُما الآخرَ، والاشْتِراكُ هنا بمَعْنَى التَّشارُكِ، قال النابغَةُ الجَعْديُّ: وشارَكْنا قُرَيْشًا في تُقاها ... وفي أَنْسابِها شِركَ العِنانِ....

ورَجُلٌ مُشْتَرَكٌ: إِذا كانَ يُحَدِّثُ نَفْسَه أَنَّ رأيَه مُشْتَرَكٌ ليس بواحِدٍ، وفي الصِّحاحِ عن الأَصْمَعِي : إِذا كانَ يُحَدِّث نَفْسَه كالمَهْمُومِ ...

وطَرِيقٌ مُشْتَرَكٌ: يَستَوِي فيه النَّاسُ. واسمٌ مُشْتَرَكٌ: تَشْتَرِكُ فيه مَعان كثيرة كالعَيْنِ ونَحْوِها؛ فإِنه يَجْمَعُ معانيَ كثيرةً. وأَنْشَدَ ابنُ الأَعرابي : ولا يَستَوي المَرءَانِ هذا ابنُ حُرَّةٍ ... وهذا ابنُ أخْرَى ظَهْرُها مُتَشَركُ فَسَّره فقال: مَعْناهُ مُشْتَرَكٌ. وشَرِكَهُ في الأَمْرِ يَشْرَكُه: دَخَلَ مَعَه فيه وأَشْرَكَه فيهِ . وأَشْرَكَ فلانًا في البَيع: إذا أَدْخَلَه مع نَفْسِه فيهِ وقولُه تَعالى : " وأَشْرِكْهُ في أَمْرِي " أي اجْعَلْه شَرِيكًا لي" (#).

ب- المشترك اصطلاحا:
للمشترك اللفظي حدود شتى أهمها: قول الزبيدي في مقدمة تاج العروس إنه "اللفظُ الواحد الدالُّ على معنَيَيْن مختلفين فأكثر دلالةً على السَّواءِ عند أهلِ تلك اللغة"(#).وقول زكرياء بن محمد الأنصاري: "ما وضع لمعنيين فأكثر، كالقرء للطهر والحيض"(#).في ما قال السرخسي: " وأما المشترك، فكل لفظ يشترك فيه معان، أو أسام، لا على سبيل الانتظام، بل على احتمال أن يكون كل واحد، هو المراد به على الانفراد. وإذا تعين الواحد مرادا به، انتفى الآخر. مثل اسم (العين) فإنه للناظر، ولعين الماء، وللشمس، وللميزان، وللنقد من المال، وللشيء المعين، لا على أن جميع ذلك مراد بمطلق اللفظ، ولكن على احتمال كون كل واحد مرادا بانفراده عند الإطلاق، وهذا لأن الاسم يتناول كل واحد من هذه الأشياء، باعتبار معنى، غير المعنى الآخر. وقد بينا أن لفظ الواحد لا ينتظم المعاني المختلفة"(#).

أما الشوكاني فحده بقوله: "اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعا أولا، من حيث هما كذلك. فخرج بالوضع، ما يدل على الشيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز. وخرج بقيد الحيثية، المتواطئ. فإنه يتناول الماهيات المختلفة، لكن لا من حيث هي كذلك، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد"(#).
بينما يذهب تاج الدين السبكي إلى أنه "اللفظ الواحد، الدال على معنيين مختلفين، أو أكثر، دلالة على السواء، عند أهل تلك اللغة. سواء كانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال، أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال. أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع، والأخرى من كثرة الاستعمال. ومن قولنا الواحد، احتراز عن الأسماء المتباينة والمترادفة، فإنه يتناول الماهية، وهي معنى واحد، وإن اختلفت محالها. وقولنا عند أهل تلك اللغة إلى آخره، إشارة إلى أن المشترك، قد يكون بين حقيقتين لغويتين، أو عرفيتين، أو عرفية ولغوية.(#).

أما عبد الرحيم الإسنوي فجعل لكلامه عن المشترك مقدمة نافعة في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل قائلا "فالوضع: هو جعل اللفظ دليلا على المعنى، والاستعمال: هو إطلاق اللفظ وإرادة المعنى، وهو من صفات المتكلم. والحمل: اعتقاد السامع مراد المتكلم، أو ما اشتمل عليه مراده، وذلك من صفات السامع"(#).

وبالنظر إلى ما تقدم في الحد الاصطلاحي للمشترك، يلاحظ نوع تفاوت في احتراز العلماء لما يدخل ضمن حد المشترك حقيقة، مما لا يدخل ضمنه، وفقا لضابط الوضع، أو الاستعمال، أو الحمل. وبناء على هذا الخلاف في تصوره، كان التأليف فيه عند القدماء كما سيتضح بعده.

تأليف القدماء في المشترك:

نظرا للعناية التي حظيت بها مسألة دلالة المشترك اللفظي، لدى الأصوليين واللغويين على السواء، فقد ظهرت في اللغة العربية كتب تدرسها منذ وقت مبكر. وتوزعت مختلف هذه الدراسات بين جميع مصادر اللغة العربية(#).

فاتجه بعضهم إلى دراستها في القرآن الكريم، مثل كتاب الوجوه والنظائر (أو الأشباه والنظائر) لمقاتل بن سليمان البلخي (تـ 150هـ)، وقد حققه عبد الله شحاتة. ثم (الوجوه والنظائر في القرآن الكريم) لهارون بن موسى الأزدي (تـ170هـ)، وكتاب (ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد) للمبرد (تـ285هـ)، الذي ركز فيه على المشترك في القرآن الكريم، مشترطا في الكلمة التي يستعملها، أن تكون مستعملة في القرآن بجميع معانيها، فقاده ذلك للحديث عن المشاكلة(#) كما في قوله تعالى:وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا(#). وممن كتبوا في هذا النوع كذلك من المتأخرين ابن الجوزي، وابن الدامغاني، وأبوالحسين محمد بن عبد الصمد المصري.

وممن تناولوا المشترك من العلماء العرب المسلمين، في وقت متأخر عن هؤلاء جلال الدين السيوطي (تـ 911هـ)، حيث خصص له كتبا عدة منها: (معترك الأقران في إعجاز القرآن) الذي جعله للمشترك الوارد في القرآن، وفصّل الحديث فيه في كتاب (الإتقان في علوم القرآن)، وغالبا ما يستعمل السيوطي عند حديثه عن المشترك، لفظ الوجوه والنظائر بدلا منه، فالوجوه عنده هو ما يعنيه اللغويون بالمشترك اللفظي، الذي يستعمل في عدة معان، كلفظ الهدى، الذي ساق له السيوطي سبعة عشر معنى في القرآن. وهذه عيون من أمثلة هذا النوع، كما يقول السيوطي:"ومن ذلك الهدى يأتي على سبعة عشر وجهاً بمعنى":(#)

  1. الثبات:اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ .(#)
  2. البيان:أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ (#).
  3. الدين:إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ(#).
  4. الإيمان:وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى(#)
  5. الدعاء:وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (#). وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا(#).
  6. الرسل والكتب: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى(#).
  7. المعرفة:وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (#).
  8. النبي صلى الله عليه وسلم:إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى(#).
  9. القرآن:وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى(#). والتوراة:وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى(#).
  10. الاسترجاع:وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(#).
  11. الحجة:لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَبعد قوله تعالى:أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ (#). أي لا يهديهم حجة.
  12. التوحيد:إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ(#).
  13. السنة: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ(#) وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (#).
  14. الإصلاح:وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ(#).
  15. الإلهام:أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(#). أي ألهم المعاش.
  16. التوبة:إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ(#).
  17. الإرشاد:أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ(#).
  18. أما الذين اتجهوا إلى دراسته في المصدر الثاني، من مصادر اللغة العربية (أي في الحديث النبوي الشريف)، فلم يصل من آثارهم إلينا، سوى مؤلف واحد لأبي عبيد القاسم بن سلام، (ت 244هـ). أما الذين اتجهوا إلى دراسته في المصدر الثالث، من مصادر اللغة العربية، فقد وصلنا منه كتاب أبي العميثل الأعرابي عبد الله بن خليد (تـ 240هـ)، (ما اتفق لفظه واختلف معناه)، تناول فيه المشترك اللفظي بوجه عام، موردا حوالي ثلاثمائة كلمة، وأوجه المعاني التي تحققها.

وممن ألفوا فيه أيضا كراع النمل، (علي بن الحسن الهنائي (تـ310هـ)، في كتابه (المنجَّد فيما اتفق لفظه واختلف معناه)، وقد بدأ المؤلف كتابه بمقدمة صغيرة، تلتها المادة اللغوية في أبواب ستة، مرتبة حسب كلمات الباب الأخير، (الحرف الأخير)، بغض النظر عما إذا كانت الحروف الأوائل مزيدة، أو أصلية، (على طريقة القافية). وأبوابه الستة موزعة على الشكل الآتي:
- باب في ذكر أعضاء البدن.
- باب في ذكر أصناف الحيوان.
- باب في ذكر الطير.
- باب في ذكر السمك.
- باب في ذكر السلام.
- باب في ذكر الأرض وما عليها.

وتأتي أهمية هذا الكتاب، في كونه أول مصنف في نوعه، يبدو فيه روح النظام، والتقسيم الدقيق، كما أنه يتناول المشترك اللفظي، بسرد الكلمات ومعانيها، والاختلاف بينها في السياق.

ومن اللغويين الذين درسوا علاقة اللفظ بمعناه في هذا الإطار أيضا، نجد ابن دريد، في كتابه (الاشتقاق)، وابن فارس في (مقاييس اللغة)، وفي (الصاحبي في فقه العربية وسنن العرب في كلامها)، وابن جني في (الخصائص)، الذي سلك مسلكا متفردا في دراسته لهذا الموضوع، إذ إنه يقوم بجمع المادة اللغوية، ثم يبدأ بعد ذلك في مناقشتها، وبعد استيفائه للبحث فيها، يستنبط القوانين منها، التي تحكم الظاهرة كلها، وقد سار على هذا المنهج في دراسته للاشتقاق، وعلاقة اللفظ بمعناه.

ولم يفت السيوطي في كتابه المزهر، (وهو أحد مصادر اللغة العربية)، تسجيل أدق تفاصل هذا المبحث، غير مكتف بما ذكره اللغويون في الموضوع، بل تجاوزه ليكون، تتبعا لكل تفاصيله، منذ بدء التأليف فيه، وإلى حدود ما انتهى إليه عنده، وقت تأليفه للمزهر، سواء ورد ذلك في كتب اللغويين، أو الأصوليين، أو البلاغيين، أو غيرهم ممن بحثوه وتتبعوا وروده في اللغة، فجاء بحثه في المشترك اللفظي، بحثا شاملا متكاملا، ومستدركا لما فات غيره فيه، فلم يترك للقارئ مجالا يوقعه في حيرة أو غموض، فيسبب له اللبس والخفاء.

ولا بد أن نشير في هذا الموضوع، إلى أن أول خطوة قام بها علماء العربية قبل البدء في تصنيف العلوم، هي التدقيق في طبيعة الألفاظ، وما تدل عليه من معان، بغية تحديد هوية النص العربي، وتخليصه من الشوائب التي قد تكون علقت به، جراء ما أصاب المتكلمين باللسان العربي من عجمة، أدت إلى تحريفه وتصحيفه، وهو ما عرف بظاهرة اللحن في اللغة العربية، وهي ظاهرة عامة أصابت اللغة في أصواتها، وكلماتها، ونظمها، ومعانيها. فكان هدف علماء العربية الأول، وضع معايير لسلامة النص اللغوي، بضبطه وتحديده وحصره، ليستطيع العلماء بعد ذلك، التعامل معه دون أن تكون هناك شكوك، فيما يستنبط منه، أو يبنى عليه. استنادا على القاعدة التي تقول: كل ما بني على الصحيح فهو صحيح، وما بني على الفاسد فهو فاسد. ففي سلامة النص سلامة المعاني، وفي سلامة المعاني سلامة الأفكار، وفي سلامة الأفكار سلامة التصورات، وفي سلامة هذه الأشياء كلها، سلامة الفرد والمجتمع. فلا إصلاح إذن، دون إصلاح للمتن اللغوي الذي تمر عبره الأفكار والتصورات. ولذلك فلا غرابة، أن نجد هذه التدقيقات كلها في معاني الألفاظ، وفي تعدد المعاني للفظ الواحد، ما دام كل ذلك له مرجع وإحالة.

وبالرجوع إلى ابن فارس، في كتابه الصاحبي في فقه اللغة، نجده يعرف المشترك بقوله،" وتسمى الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد، نحو عين الماء، وعين السحاب"(#). ولم يكتف ابن فارس بمناقشة الاشتراك في اللغة مناقشة نظرية مجردة تنتهي إلى نفيه أو إثباته، بل صنف رسالة سماها (فتيا فقيه العرب)، ذكر فيها مائة مسألة فقهية، على صورة ألغاز، يحاجي بها الفقهاء، ويصوغها من ألفاظ مشتركة، يحث الفقهاء فيها على اللغة، ويلقي عليهم مسائل يذكرها فيها، فتيا فقيه العرب، ليخجلهم بذلك، ويكون الخجل لهم داعية إلى حفظ اللغة، فيقول: "من قصر علمه عن اللغة، غولط فغلط"(#) ومن الأمثلة التي ساقها قوله: " هل في الربيع صلاة؟" فيجيب نعم، إذا نَضُب ماؤه. والربع هنا بمعنى النهر. ويقول أيضا: "هل يجوز السجود على الخدِّ؟" فيجيب نعم، إذا كان طاهرا. والخد هنا بمعنى الطريق. إلى غير ذلك من الأمثلة التي تبين إثبات ابن فارس للمشترك في اللغة، وإن كان لا يفصح بذلك صراحة(#).

وتتجه عناية غالبية هذه المصادر، إلى سرد الكلمات التي وقع فيها الاشتراك، وبيان معانيها، وما إذا كان الاشتراك فيها، من قبيل التضاد أم لا، وتتفاوت في عدد استقصائها للكلمات، وقليلا ما تعنى بتفسير هذه القضية(#).

3- أحكام الاشتراك اللفظي بين الأصوليين واللغويين.

أ – حكم المشترك عند الأصوليين:
لما كانت قضية المشترك اللفظي، مسألة مشتركة بين كل من الأصوليين واللغويين وغيرهم، فإننا لا نشك في أن لكل منهما آراء ينفرد بها عن الآخر في هذا الموضوع، وذلك ما سنحاول استجلاءه عند مناقشة أفكارهم على حدة.

ألا ترى إلى الشوكاني وهو يعرف المشترك يقوله: "اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعا أولا"(#). والمقصود عنده إطلاق اللفظ على حقيقتين، وليس على أحدهما بالحقيقة والآخر بالمجاز، فلفظ (الخال) مثلا هو أخ الأم، وهو الشامة في الوجه، وهو الأكمة الصغيرة، أي التل، وهو ما دون الجبل، وهذا إطلاق للفظ بوضعه الأصلي على دلالات مختلفة.

وإذا كان مفاد كلام الشوكاني، هو إقرار وقوع المشترك في اللغة، فإن عامة الأصوليين يختلفون حول هذا الوقوع إلى أربعة مذاهب: "أحدها أنه واجب، والثاني أنه مستحيل، والثالث أنه ممكن غير واقع، والرابع أنه ممكن واقع" (#).

أولا- فالقائلون بوجوبه، يذهبون إلى أنه لو لم تكن الألفاظ المشتركة في اللغة، لخلت أكثر المسميات عن الألفاظ الدالة عليها، مع دعوة الحاجة إليها (#)، وحجتهم في ذلك، أن المسميات غير متناهية، والأسماء متناهية، ضرورة تركيبها من الحروف المتناهية.

ثانيا- أما القائلون بإنكاره واستحالة وقوعه في اللغة، فإنما يعزى ذلك عندهم، إلى أن الألفاظ إنما وضعت لتحديد المعنى وفهمه، والغاية الحكيمة المترتبة على الوضع، هي تهيئة وسائل التفاهم بين أفراد المجتمع، فإذا وضع لفظ لمعان كثيرة، قلما يفهم المراد منها، إذا خفيت القرينة الدالة. "وبما أن اللفظ الواحد لأكثر من معنى، مع خفاء القرائن مما يخل بتحقيق هذه الغاية، فلا يعقل أن يقدم عليها الواضع بحال"(#). وهذا أحد الأسباب التي أدت بالمعتزلة إلى إنكار الاشتراك في ألفاظ القرآن الكريم، لأن المشترك "إن كان المقصود منه الإفهام، فإن معه البيان، فهو تطويل من غير فائدة، وإن لم يوجد فقد فات المقصود، وإن لم يكن المقصود منه الإفهام فهو عبث، وهو قبيح، فوجب صيانة كلام الله عنه، فهو مبني على الحسن والقبح الذاتي"(#). وهذا الكلام باطل كما يقول الآمدي "لأن المشترك نوع من أنواع العموم، والعام غير ممتنع في كلام الله تعالى، وبتقدير عدم عمومه، فلا يمتنع أن يكون في الخطاب به فائدة، لنيل الثواب بالاستعداد لامتثاله، بتقدير بيانه، بظهور دليل يدل على تعيين البعض، وإبطال جميع الأقسام، سوى الواحد منها."(#)

ثالثا- أما القائلون بالإمكان مع عدم الوقوع، فيجيبون عن الألفاظ التي ترد لمعان مختلفة، بأنها إما متواطئة، وهي التي تطلق على أشياء متغايرة بالعدد، ولكنها متفقة بالمعنى الذي وضع الاسم عليها، كاسم الرجل، فإنه يطلق على زيد وعمرو وبكر وخالد، وكاسم اللون للسواد والبياض والحمرة. فإنها متفقة في المعنى الذي سمي به اللون لونا، وليس بطريق الاشتراك البتة. أو من باب الحقيقة والمجاز، كلفظ (العين) الذي وضع للباصرة، فهو حقيقة فيها، ثم أطلق على الدينار، لكنه يشاركها، في العزة والصفاء، ثم على الشمس والماء، لأن كلا منهما في الصفاء والضياء كذلك(#).

رابعا- أما القائلون إنه ممكن واقع وهم أكثر الأصوليين، ويحتجون لوقوعه فعلا في اللغة ببعض ألفاظ الشرع، فلفظ (القرء) في قوله تعالى:وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ (#)لفظ متردد هنا بين الطهر والحيض، وكذلك قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (#). فاللفظ (عسعس) معناه أقبل وأدبر. ويضيف هؤلاء بأن كتب اللغة مليئة بهذه الألفاظ، وتذكر لها عدة معان، على سبيل الاشتراك اللفظي، وكل شبهة تثار في هذا الصدد، ينقضها الواقع الذي نلمسه في جميع اللغات. (#)

ب- حكم المشترك عند اللغويين:

كما وقع الخلاف بين اللغويين في قضية الترادف في اللغة، فأيده بعضهم وأنكره بعضهم الآخر، فإن الأمر نفسه يتكرر في الاشتراك كذلك. فابن درستويه المنكر للترادف سابقا، ينكر أن يكون اللفظ الواحد دالا على معنيين مختلفين، أو أحدهما ضد الآخر، فالقول بذلك يعد تعمية وتغطية، وليس إبانة على الشكل الذي وضعت من أجله اللغة. ويذهب ابن درستويه إلى أبعد من ذلك عندما ينقض آراء المؤيدين لوقوع المشترك في اللغة، وقد ذكر لفظة (وجد) واختلاف معانيها فيقول: "هذه اللفظة من أقوى حجج من يزعم أن من كلام العرب، ما يتفق لفظه ويختلف معناه، لأن سيبويه ذكره في أول كتابه، وجعله من الأصول المتقدمة، فظن من لم يتأمل المعاني، ولم يتحقق الحقائق، أن هذا لفظ واحد قد جاء لمعان مختلفة، وإنما هذه المعاني كلها شيء واحد، وهو إصابة الشيء خيرا كان أو شرا، ولكن فرقوا بين المصادر، لأن المفعولات كانت مختلفة، فجعل الفرق في المصادر بأنها أيضا مفعولة، والمصادر كثيرة التصاريف جدا، وأمثلتها كثيرة مختلفة، وقياسها غامض، وعللها خفية، والمفتشون عنها قليلون، والصبر عليها معدوم، فلذلك توهم أهل اللغة أنها تأتي على غير قياس، لأنهم لم يضبطوا قياسها، ولم يقفوا على غورها" (#).

لقد أورد ابن درستويه هذا الكلام، في سياق رده على المبرد، الذي مثل لاتفاق اللفظين، واختلاف المعنيين بقوله: " وجدت شيئا إذا أردت وجدان الضالة، ووجدت على الرجل من الموجدة، ووجدت زيدا كريما أي علمت"(#). وابن درستويه إنما يرجع المعاني المتعددة للصيغ الصرفية، أو بسبب المصادر التي تدل على المفعولات، والمفعولات بطبيعتها متغيرة، (فوجد) لم تفد معاني مختلفة، إلا بسب العوارض التصريفية، يقول عبد العال سالم مكرم "ولست في هذا الرأي مع ابن درستويه، فكثير من المعاني المختلفة، لا علاقة لها إطلاقا بالصيغ التصريفية، أو بالمصادر اللغوية. ومعظم ما سجله من صور المشترك اللفظي لا يرتبط بصيغ تصريفية، أو مصادر لغوية، ولا أدل على ذلك من هذه النصوص الآتية" (#). يقول الخليل ابن أحمد الفراهيدي:

يا وَيحَ قَلبي مِن دَواعي الهَوى إِذ رَحَلَ الجيرانُ عِندَ الغُروب
أَتبَعتُهُم طَـرفي وَقَد أَمعَـنوا وَدَمعُ عَينَيَّ كَفَيضِ الغُروب
بانـوا وَفيهم طفلَـةٌ حـرَّةٌ تَفتَرُّ عَن مِثلِ أَقاحي الغُروب(#)

فالغروب الأول غروب الشمس، والثاني جمع غرب، وهو الدلو العظيمة، المملوءة. والثالث جمع غرب، وهي الوهاد المنخفضة. ومثل ذلك ما أنشده سلامة الأنباري، في شرح المقامات:

لقد رأيت هذريـا جَلْـسا يقود من بطن قديد جَلْسا
ثم رقى مـن بعد ذاك جَلْسا يشرب فيه لبـنا وجَلْـسا
مع رفقته لا يشربون جَلْسا ولا يؤمـون لهـم جَلْـسا(#)

فجلس الأول: رجل طويل، والثاني: جبل عال، والثالث: جبل، والرابع: عسل، والخامس: خمر، والسادس:نجد. وقد وردت بعض الأحاديث الشريفة، التي وقع فيها المشترك من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كذب عليكم الحج، وكذب عليكم العمرة، وكذب عليكم الجهاد، ثلاثة أسفار كذبن عليكم"(#) والمعنى في ذلك عليكم الحج.

ومثل هذا الرأي الذي ذهب إليه ابن درستويه، ذهب إليه أبو علي الفارسي، غير أنه لم يغال في إنكار المشترك، كما فعل ابن درستويه. وإنما نظر إليه في ضوء الواقع اللغوي إذ إن اللغات تحتك ببعضها فتتداخل، فيصبح بذلك المشترك ضرورة لغوية، يقول:"اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، ينبغي أن لا يكون قصدا في الوضع، ولا أصلا، ولكنه من لغات تداخلت، أو أن تكون كل لفظة تستعمل في معنى، ثم تستعار لشيء فتكثر وتغلب، فتصير بمنزلة الأصل"(#).

وفي ضوء هذا الرأي يمكن أن ننظر إلى المعاني التي وردت في المعاجم العربية، لهذا اللفظ أو ذاك، ككلمة العجوز التي ذكر لها صاحب القاموس أكثر من سبعين معنى(#).

وذهب فريق آخر إلى كثرة ورود المشترك في اللغة، وضرب له عددا كبيرا من الأمثلة، ومن هؤلاء الأصمعي، والخليل، وأبو عبيدة، وأبو زيد الأنصاري، وسيبويه، وابن فارس، وابن مستعدة، والثعالبي والمبرد، والسيوطي. يقول سيبويه: "اعلم أن من كلامهم، اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين" (#) أما ابن فارس فيقول في ( باب أجناس الكلام في الاتفاق والافتراق) "يكون ذلك على وجوه...ومنه اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، كقولنا عين الماء، وعين المال، وعين الركية، وعين الميزان"(#).

والحق كما يقول عبد الواحد وافي، أن كلا من الفريقين -(المثبتون مطلقا والمنكرون مطلقا له)- قد حاد عن جادة الطريق فيما ذهب إليه، فليس من المعقول إنكار جميع الألفاظ التي وردت في اللغة مشتركة، بتأويلها على غير هدى سليم، يخرجها من دائرة المشترك.كما ليس من المعقول إثباتها جميعا إلى الحد الذي يجعلها غير مقبولة فيها. ومن ثم وجب مراعاة التغيرات الطارئة على بعض الألفاظ مما ظن مشتركا، بفعل نقل معناها الأصلي إلى معان مجازية أخرى لعلاقة ما. وممن اعتدوا من القدماء بهذا الرأي، أبوعلي الفارسي، ويؤدي القول به، إلى التقليل من كثرة وجود المشترك في اللغة، على الصورة التي ذهب إليها الفريق المؤيد لوجوده بكثرة فيها. وذلك أن كثيرا من الأمثلة التي ظن هذا الفريق أنها من قبيل المشترك، يمكن تأويلها على وجه آخر يخرجها من هذا الباب، ومن هذه الأمثلة، لفظ الهلال، الذي يطلق على هلال السماء، وهلال الصيد، وهلال النعل، والحية إذا سلخت، والجمل الهزيل من كثرة الضراب، وباقي الماء في الحوض. فمن الواضح أن كلمة الهلال قد وضعت في الأصل للدلالة على المعنى الأول، وأن إطلاقها على ما عداها من قبيل المجاز(#).

3- رأي اللغويين المحدثين في المشترك وفي أسباب حدوثه في اللغة:

أ- رأي المحدثين في المشترك.

يميز اللغويون المحدثون في نظرتهم للمشترك اللغوي بين أنواع أربعة:

  1. وجود معنى مركزي للفظ، تدور حوله عدة معان فرعية أو هامشية(#).
  2. تعدد المعنى، نتيجة استعمال اللفظ في أوضاع مختلفة (#).
  3. دلالة الكلمة الواحدة على أكثر من معنى، نتيجة لحدوث تطور في جانب المعنى.(#)
  4. وجود كلمتين يدل كل واحد منهما على معنى، وقد اتحدت صورة الكلمتين نتيجة تطور في جانب النطق(#).
  5. وهناك من اللغويين من أخرج الأنواع الثلاثة الأولى من المشترك، وعدها طريقا إلى المجاز. وهناك من أدمج النوع الثالث والرابع، واعتبرهما نوعا واحدا. بيد أن معظم اللغويين على الفصل بين المشترك والتضاد(#).

أما إبراهيم أنيس، فله رأي متشدد في هذه القضية، إذ يخرج النوع الأول والثاني من المشترك نهائيا، ولا يعتبر من النوع الثالث، إلا ما تباين فيه المعنيان كل التباين، يقول: "كذلك إذا ثبت لنا من نصوص، أن اللفظ الواحد، قد يعبر عن معنيين متباينين، سمينا هذا بالمشترك اللفظي. أما إذا اتضح أن أحد المعنيين هو الأصل، وأن الآخر مجاز له، فلا يصح أن يعد مثل هذا من المشترك اللفظي في حقيقة أمره"(#). ويذهب إلى أكثر من ذلك، حين أقر أحقية ابن درستويه عندما أنكر "معظم تلك الألفاظ، التي عدت من المشترك اللفظي، واعتبرها من المجاز"(#). ولذلك فالمشترك الحقيقي، إنما يكون حين لا نلمح أية صلة بين المعنيين، كأن يقال لنا مثلا، إن (الأرض) هي الكرة الأرضية، وهي أيضا الزكام... وكأن يقال لنا، إن (الخال) هو أخ الأم، وهو الشامة في الوجه، وهو الأكمة الصغيرة. ومثل هذه الكلمات التي اختلف فيها اختلافا بينا، قليلة جدا، بل نادرة ولا تتجاوز أصابع اليد عدا.

أما الكلمات التي تسمى بالأضداد فيرى أن اعتبارها فيه، نوع من الإقحام لما بينها من علاقة الضدية، وهي صلة وثيقة في الدلالات، يقول: "فلسنا نذكر الأبيض، إلا إذا ذكرنا معه الأسود، ولسنا نذكر الغبي، إلا إذا ذكرنا معه الذكي، وقد لعب التفاؤل والتطير دورا هاما في نشأة تلك الأضداد"(#).
أما فيما يتعلق بالنوع الرابع فيقبله بدون تحفظ، حين قال:"هناك كلمات تستعمل في الأصل مختلفة الصورة والمعنى، ثم تطورت صورة بعض منها، حتى ماثلت البعض الآخر، وهكذا رويت لنا متحدة الصورة، مختلفة المعنى الأصلي، وإنما نشأ عن تغير في أصوات بعضها، ترتب عليه مماثلة في اللفظ واختلاف أصلي في المعنى"(#).

وقد رد أحمد مختار عمر على هذا الرأي، معلقا على ما ذهب إليه إبراهيم أنيس قائلا: "وإذا كان لنا من تعليق على رأي الدكتور أنيس فإنه يتلخص فيما يأتي:

أولا- إنه رغم تضييقه الشديد لمفهوم المشترك اللفظي في كتابه دلالة الألفاظ، وقصره المشترك الحقيقي على كلمات لا تتجاوز أصابع اليد، والمشترك بمعناه الواسع على كلمات لا تتجاوز العشرات، نجده في كتابه في اللهجات العربية يصرح أن المعاجم العربية قد امتلأت بها،(#) وأن ما نشأ عن التطور الصوتي المئات(#).
ثانيا- عدم استقراره على رأي واحد بالنسبة للكلمات التي نشأت عن تطور صوتي.

ثالثا- كونه ادعى أن العلماء، لم يشيروا إلى التطور الصوتي كعامل من عوامل نشوء المشترك وحدوثه.
رابعا- مزج بين المنهجين الوصفي والتاريخي في علاج قضية المشترك، وكان الأولى أن يقتصر على أحدهما)"(# ).

أما صبحي الصالح من المحدثين أيضا، فيستدل على وقوع المشترك في اللغة، بالتطور وتباين المواقف بقول "الكلمات لا تستعمل في واقع اللغة تبعا لقيمتها التاريخية، فالعقل ينسى خطوات التطور المعنوي التي مرت بها، إذا سلمنا بأنه عرفها في يوم من الأيام، وللكلمات دائما معنى حضوري ومحدود باللحظة، التي تستعمل فيها، ومفرد خاص بالاستعمال الوقتي الذي تستعمل فيه"(#). وهو رأي قريب مما قال به أبو علي الفارسي قديما.

ب- أسباب حدوث المشترك في اللغة.
نبه كل من الأصوليين واللغويين إلى الأسباب الممكنة، المؤدية إلى حدوث المشترك في اللغة، وتتمثل عند الأصوليين في وجود واضعَيْن مختلفَيْن، ينتميان إلى قبيلتين مختلفتين، تضع إحداهما للفظ معنى، وتضع الأخرى له معنى آخر، ثم يشتهر الوضعان. ويجوز أن يكون من واضع واحد، لغرض الإبهام على السامع، حيث يكون التصريح سببا للمفسدة، ويستدل على ذلك بقول أبي بكر الصديق، عندما قال لكافر كان قد سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقت ذهابهما إلى الغار: من هذا؟ فقال رجل يهديني السبيل.

وقد أغفل الأصوليون أسبابا أخرى، سنذكرها عند حديثنا عن أسباب المشترك عند اللغويين،كما نبهوا على أخرى في مواضع متناثرة(#).

وبالنظر إلى كلمات المشترك الواردة في كتاب (المنجد) (لكراع النمل) يتبين أن أسبا وقوع المشترك في اللغة متعددة، منها ما يرجع إلى أسباب داخلية، ومنها ما يرجع إلى أخرى خارجية (اختلاف البيئة).

أما النوع الأول فينقسم إلى: تغيير في النطق، ويؤدي إلى شيئين أساسيين: إلى القلب المكاني، مثل دام ودمى، فإذا أخذنا صيغة استفعل من دام، قلنا: استدام. ومن دمى، استدمى. وإلى الإبدال مثل:حنك وحلك.

- وإلى تغيير في المعنى وهو نوعان:
أولا مقصود: ويحدث عندما يراد إدخال كلمة ما، لتصبح مصطلحا علميا، مثل كلمة التوجيه، من وجهت الرجل في الحاجة والتوجيه - في قوافي الشعر- الحرف الذي قبل حرف الروي، في قافية المقيد نحو قول رؤبة:

وقاتِم الأَعْماقِ خاوِي المُخْتَرَقْ مُشْتَبِه الأَعْلامِ لَمّاعِ الخَفَقْ

ثانيا تلقائي: ويحدث عندما تكون علاقة المشابهة بين المعنيين: مثل كلمة (بشرة) وتعني جلد الإنسان، وتستعمل لعلاقة المشابهة بمعنى النبات(#).

ومن أسباب حدوث المشترك عند اللغويين المحدثين أيضا، (وهي أسباب لا تختلف عما سبق ذكره عند القدماء) ما يلي:
- الانتقال من الحقيقة إلى المجاز، وهو أهم العوامل، وإليه تعزى جميع اختلافات المعاني وتغيرها، ومن أمثلته لفظ ( العين)(#).
- اختلاف اللهجات العربية القديمة، نتج عنه الاشتراك في بعض الكلمات بسبب اختلاف استعمال القبائل لها. إذ من المستبعد جدا أن يظن المرء أن لفظة ( العجوز) مثلا، كانت تستخدم في العربية في بيئة واحدة(#).
- اقتراض الألفاظ من لغات مختلفة، فقد تستعير اللغة كلمات تماثل صورتها كلمات أخرى فيها، لكنها ذات دلالة مختلفة، وقد حدث مثل هذا في العربية، كما يقول: إبراهيم أنيس، فالحب بمعنى الوداد، وهو حب الشيء. وفيها كذلك الحب، الجرة التي يجعل فيها الماء، فالمعنى الأول أصيل عربي، وأما الثاني فمستعار من الفارسية، لكلمة مماثلة تماما للفظ العربي (#).
- التطور الصوتي(#)، فقد ينال الأصوات الأصلية للفظ ما بعض التطور، أو الحذف أو الزيادة وفقا لقوانين التطور الصوتي، فيصبح هذا اللفظ متحدا مع لفظ آخر يختلف في مدلوله. ويحدثنا (ستيفن أولمان) عن أثر التطور اللغوي فيقول: "والمشترك اللفظي ينشأ عن مصدرين مختلفين، أكثرهما وقوعا، اتفاق كلمتين مستقلتين أو أكثر، في الصيغة اتفاقا بطريقة المصادفة، وعلى هذا ليس هناك أقل من أربع كلمات تماثلها الصيغة sound في اللغة الانجليزية"(#). ومثال ذلك في العربية ما روي من أن كلمة (مرد): أقدم وعتا. ومرد الخبز: لينه بالماء، وأصل الكلمة بالمعنى الثاني هو مرث، ففي المعاجم (مرث الشيء في الماء)، أنقعه فيه، حتى أصبح مثل الحساء، فقد أبدلت الثاء هنا تاء فصارت الكلمة (مرت) وهذه رويت لنا كذلك، ثم ظهرت التاء لمجاورتها للراء، فصارت مرد، وبذلك ماثلت كلمة: مرد. بمعنى أقدم وعتا. وهذه هي بعض الأمثلة التي تدل على ما يذهب إليه المحدثون في نشوء المشترك من تطور صوتي في بعض الكلمات(#).

خلاصة:

سواء قل المشترك اللفظي إلى الحد الذي اعترف به منكروه، أو كثر إلى الحد الذي كتب فيه بعضهم مصنفات، فالأمر واحد، وهو أنه موجود في اللغة، وله دور في تحديد هذه الدلالة أو تلك. غير أن الفرق الذي قد يبدو بين هذا الفريق وذاك، أن المثبتين له، لم يبحثوا في أسباب وجوده في اللغة، بل اكتفوا بحد القول به وأنه من اللهجات القبلية، أو من التوسع المجازي، وما شاكل ذلك من آراء لم يرم أصحابها التفصيل فيها. بينما فصل المقللون منه، أو المنكرون له، في أسباب حدوثه بما يدعم آراءهم ويزكيها. غير أن المتتبع لما ورد في اللغة من ألفاظ دالة على المشترك في أغلبها، سيلاحظ أنها تعود إلى النقل والارتجال.

لذلك لا بد لضبط دلالة هذا النوع من الألفاظ، من القيام بدراسات تعنى بتاريخ الكلمات، في علاقتها بمصادرها الفعلية، وتتبع الطرق التي استعملت بها فيها، وتتبع دلالتها في كل مرحلة، ليتميز المنقول والمرتجل فيها عن غيره، وهذا النوع من الدراسات هو ما تفتقر إليه مكتباتنا اليوم، إذ لو تتبعنا كيفية استعمال الكلمات، لأمكننا الوصول إلى معناها الأصلي، ولزالت كثير من الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين العلماء في آرائهم، لأن المشترك اللفظي أحدها، كما يقول ابن السيد البطليوسي في كتابه (الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم). يقول: "أقول وبالله أعتصم، وإليه أفوض جميع أمري وأسلم: إن الخلاف عرض لأهل ملتنا من ثمانية أوجه، كل ضرب من الخلاف متولد منها، متفرع عنها. الأول منها: اشتراك الألفاظ والمعاني.."(#).

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

١ مشاركة منتدى