احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > في الغربة

في الغربة

٣ نيسان (أبريل) ٢٠١١بقلم حنان فاروق

في الغربة تصبح غامض الوطن غريب الأرض كلما حللت بمكان عاملوك على أنك ضيف..مجرد ضيف فلا أنت من دم أهل غربتك ولا أهلك وأصدقاؤك حين تعود لأرضك يعتبرونك صاحب بيت..ضيف..مجرد ضيف..ولأنني بعيدة منذ عشرسنوات أو يزيد فقد وعيت الدرس واتخذت من الغربة وطناً لا أقصد البلد الذي نفيت إليه نفياً اختيارياً لكن أقصد شعور الغربة نفسه الذي أصبح يسكنني أكثر مما أسكنه..ومع ذلك فقد ظلت نوستالجيا الانتماء وحب الوطن يجذبانني بشدة ناحية أي شيء يثبت أني مصرية.. تعلقت بالنت وبالفيس بوك تحديداً..ربما لأنه مجتمع كبير أشعر فيه أنني أخلق أو أتنفس وطناً لا يحتويني..ولأني كاتبة كنت أنثر هنا وهناك همومي كمغتربة..نظرتي الساخرة لعذابات حبنا اليائس لوطن لا يعترف بنا أو هكذا تخيلنا..أحياناً كنا نقرأ لبعضنا البعض فنكتشف أننا نكتب على نفس الوتيرة..جلد الذات المشوب بالعتاب والضياع والتيه واليأس الآمل في فجر لا يتفق أبداً مع نهايات ليل الغربة..بعض الأصدقاء حين قرأ كتاباتي عرض عليّ الانضمام إلى حركة سياسية أو حزب بعينه..كنت أرفض.. لم أجد نفسي أبداً في هذا النوع من الانتماءات السياسية أحب أن أعيش مصرية حرة دون أن أكون تابعة لشيء آخر يحركني..كنت أشاهد صيحات سياسية وانتفاضات تعلو ثم تموت..تشتعل ثم تخمد..كنت أغضب أشتعل أبكي لكني تعلمت أني مثلي مثل المتظاهرين عقب كل جريمة يعلو صوتنا ..نصرخ..يتركنا الكبار نهذي ثم يطلقون علينا عصي الأمن المركزي والقهر النفسي ..يعتقلون البعض ليخوفوا بهم الكل ..قد يتركوننا ننبح بعض الوقت وهم يبتسمون في لا مبالاة لكن بحدود لا نتخطاها..تعودت هذا..حتى عندما حدثت ماسأة خالد سعيد وبكيناه..حتى عندما انطلقت البرامج الحوارية تكشف فساداً بعد فساد ونرى المفسدين بعيون رؤوسنا يتم تبرئتهم ظلماً وعدواناً ..بينما المظلومون يضيعون ويتساقطون واحداً تلو الآخر..ورغم توالي الحركات السياسية التي لاتنتمي إلا إلى مصر إلا أن هذا الأمل اليائس في غد أفضل ظل يؤرجحنا بين التيه والضياع..بين تغيير يصرخ كي يولد وانهيار يرفض أن يموت..إلى أن حدثت مأساة البوعزيزي التي فجرت ثورة تونس..كنت أتابع صديقاتي التونسيات على الفيس بوك..اشتعل الامر بين يوم وليلة..ظنناه مجرد اعتراض..احتجاجات..وأظنهم هم أنفسهم ظنوه كذلك..لم يكن الأمر مرتباً أبداً..كان انفجاراً...غضب أمة لايقوده قائد..وكالعادة قلنا لأنفسنا (نار ستخمد) فقد تعودنا ثورات الغضب تلك التي تنتهي برشوة شعبية ومنحة ممن لايملك..إلى أن هرب زين العابدين بن علي..لم نصدق..بالفعل لم نصدق..هل استطاع أخيراً بلد عربي أن يفعلها؟..لا أدري بالضبط ماالذي فجر جنون الشباب...أظن أنهم اكتشفوا أن المستحيل لم يعد مستحيلاً..بل صار ممكناً وممكناً جداً..وبدأت الدعوة العنكبوتية لثورة 25 يناير..قالوا تونس تحررت يوم 15 يناير ومصر ستفعلها يوم 25 ..ولأني من جيل مكتئب ابتسمت..قلت هل هناك ثورة في الدنيا تعلن عن يوم قيامها.. نعم سخرنا من أنفسنا ومن الدعوة..كنا نقول نعم نريد التغيير لكن كيف أعطي جلادي موعداً ليعدمني؟..أذكر جيداً أني كتبت ذلك في جملة من جمل (الستيتس) التي نعرف بها أنفسنا على الفيس.. قلت أني غير مقتنعة بهذا الغضب غير المنظم وبأن الثائرين لا يعلنون عن موعد ثورتهم أبداً لكني قلت أيضاً :

بالقطع سأفرح إن نجحوا...لكن..كيف؟

ظللنا نتناقش أياماً عدة لكن لم تكن مناقشات حامية..هل كنت لا أثق بالشباب؟..أم كنت لا أثق بالعصر الذي نعيش؟..لا أدري..

يوم 25 يناير اتصلت بصديقتي الكاتبة الأحب وسألتها عن واقع الشارع وأنا أتوقع سيناريو الغضب والقمع لكنها وهي التي شاركتني اليأس الآمل قبلاً قالت لي :
إنها مفاجأة بكل المقاييس لقد قيل لها أن الناس كانوا يخرجون كالنمل من كل مكان لا يعرف أحد من أين جاءوا ولا كيف تجمعوا..كانوا يبرزون من الشوارع الجانبية والأزقة ويتجمعون تدريجياً ويهتفون ..وهي تتكلم أحسست ان حياة ما تدب في أوصال الحلم الميت..أحسست بجنين الحرية يتحرك ..يعلن عن وجوده..لكنني مع ذلك صمت وسألتها بعد أن أخبرتني أنها ستنزل إلى الشارع في اليوم التالي أن توافيني بالأخبار ..بالحقيقة..

في اليوم التالي دق هاتفي الجوال دقة سريعة تعودناها أنا وهي حينما تحتاجني..أنهيت الحالة التي كنت أعالجها ثم اتصلت بها..كانت في قمة الحماس تكاد تبكي..قالت لي إنهم صادقون ياحنان..إنهم مصممون على ما أتوا من أجله..أغلقنا المكالمة ..أغلقت معها واتصلت بأبي في الإسكندرية سألته عن المظاهرات هناك قال لي ليست قوية ..مبعثرة هنا وهناك..أغلقت معه واتصلت بصديقتي الفنانة التشكيلية التي تسكن بالرمل قالت لي المظاهرات قوية ويبدو أن الموضوع جاد ..الغريب أنها كانت فرحة ومتحمسة هي الأخرى وتريد ان تنزل المظاهرات لكن زوجها منعها خوفاً عليها..وبعد ساعة دقت صديقتي الكاتبة التي في التحرير ثانية كلمتها قالت لي إن الأمن المركزي يتوحش في معاملتهم ..حكت لي أنها رأت بأم عينيها فتاتين في عمر الزهور مسحولتين على الأرض تدوس وجوههما الأحذية الغبية التي يرتديها عساكر وضباط الأمن المركزي..كانت تصرخ وتبكي وتهتف في آن واحد. ..تقول لي الدماء في كل مكان والشباب يتساقطون لكنهم كل ماسقط منهم واحد تأجج حماسهم وزاد إصرارهم..كانت خائفة فهي لم تكن ثورية قبلاً إلا على الورق مثلي..ربما لأنها أصغر مني سناً كانت أكثر حماسة في النقد أما أنا فكان قد أصابني مرض (مفيش فايدة) الذي أصاب الكثيرين واستفحل وأصبحوا بدلاً من أن ينقدوا الفساد يلعنون صمتهم ويأسهم وتخاذلهم وكأنهم يعوضون سلبيتهم بسب أنفسهم وظروفهم...وجدتني أدخل إلى صفحتي بالفيسبوك وأكتب كل ماتقوله..لا أعرف ماالذي أصابني..بدأت أدق هاتفها هي وصديقتي السكندرية بالتبادل كل نصف ساعة..وأقلب محطات التلفزيون والمواقع الإخبارية ..كنت أبحث عن كل خبر وأي خبر ومقالات من هم في قائمتي الذين نزلوا إلى الشارع وأنشرها على صفحتي ..عندما عادت صديقتي للبيت قالت لي أن المتظاهرين قرروا أن يعيدوا شحن أنفسهم وحشد الناس للنزول يوم الجمعة الذي أسموه (جمعة الغضب)..فدم الشهداء كان كالوقود الذي ألقي على نار الغضب فأججها ..صديقتي السكندرية قالت لي أن الشهداء يتساقطون لكن ثمن الحرية غال وإن أردناها لابد أن ندفع الثمن..بكيت..يوم الخميس وردتنا أنباء عن أنباء عن احتمال قطع الإنترنت واتصالات الهاتف المحمول لتفرقة المتظاهرين.. فقد كان المعتقد لدى السادة الكبار أن الفيسبوك والتويتر هما السبب وهما اللذان تسببا في تجميع كل تلك الأعداد التي لم تكن متوقعة أبداً لا كماً ولاعناداً.. صديقتي التي عادت إلى منزلها ترتجف يوم 26 يناير وقالت لي لن أعود هناك ثانية..اتصلت بي يوم 28 صباحاً..كان النت قد تم قطعه بالفعل في مصر لكن الهاتف المحمول ظل يعمل للساعة التاسعة والنصف صباحاً تقريباً..آخر مكالمة قالت لي:

قطعوا عنا النت..كيف سأجلس في البيت أتابع الفضائية المصرية الحكومية المقيتة التي يصدقها من حولي وأعلم أنها الكذب بعينه..؟ماذا أفعل؟..أحسست بها كالقط المحبوس في قفص..قالت لي حتى الموبايل سيغلقونه علينا ولن أعرف الأخبار منك..لافائدة..سأنزل..أشفقت عليها لكني لم استطع أن أقول لها لا...انقطع الخط ونحن نتكلم..حاولت الاتصال بها ثانية.. جاءتني رسالة(خارج نطاق الخدمة)فأدركت أن المعركة قد بدأت..
عدت إلى جلستي أمام الفيسبوك وفتحت حسابي المهمل فى التويتر ..أضفت خدمات العربية والجزيرة وروسيا اليوم والجزيرة توك ..و ناشطين وحقوقيين أعرفهم من الفيس بوك..أصبحت كالمجنونة أتمزق بين القنوات الفضائية الجزيرة والعربية والرأي العراقية والبي بي سي والسي إن إن والتويتر والفيسبوك ..كان هناك نشطاء قليلون جداً في مصر يستطيعون الدخول على النت إضافة إلى خدمة جوجل التي انطلقت لمساعدة المتظاهرين على أن يرسلوا (تويتات) أو أخبار قصيرة على التويتر.. لا أعرف من اين أتى كل هذا الإحساس بالمسئولية..لم اكن أفكر..بعد فترة من العمل ونقل الأخبار بين المواقع اكتشفت أني لست وحدي وأن كل المصريين تقريباً المغتربين في قائمتي يفعلون نفس الشيء دون ترتيب..أصبحنا فريقاً يتسابق أفراده على أن يأتوا بالأخبار ويتشاركوها..كنا مشدودين بشكل غير طبيعي..أحياناً نهتف على الستيتس ..نكاد نجن كأننا نحن المحبوسون لا الملايين التي نزلت وانفجرت من كل مكان في مصر ...ظللنا نتابع بجنون مايحدث..الهراوات المجنونة..عربات المياه التي تفجر شلالات المياه الباردة في قلب الشتاء على المصلين من المتظاهرين..هتافات: الشعب يريد إسقاط النظام....التصريحات الغبية الحكومية التي تؤكد على أن كل مايحدث هو من فعل الإخوان المسلمين ونحن نعلم الحقيقة علم اليقين..ظل الموقف يشتعل ويشتعل..حتى فوجئنا بدبابات الجيش تنزل لميدان التحرير..لم نكن نعرف لماذا نزل الجيش لكننا فرحنا..أو فلنقل استبشرنا..ربما اعتقدنا أن تلك هي النهاية السعيدة وأنه حدث انقلاب ما داخل الجيش لصالح الشعب ..بدأنا نشعر بالنجاح..نصفق..بعد قليل جاءتنا اللطمة الأولى:
الحاكم العسكري يعلن حظر التجول ....

تقافزت العفاريت الحمراء والزرقاء والسوداء من عقولنا وقلوبنا وعدنا للصراخ..

(الحاكم العسكري؟؟؟؟؟؟؟؟؟مبارك؟؟؟؟؟؟؟ثانية؟؟؟؟؟؟؟)
بعد لحظات تم الإعلان عن كلمة سيلقيها رئيس الجمهورية على الشعب بعد قليل..عاد الأمل يداعبنا وبدأت الاقتراحات والتخمينات ..لم نكن نحن فقط من نخمن بل وكالات الانباء والصحف العالمية..منهم من يقول أنه سيتنحى..ومنهم من يقول سيكتفي بتغييرات..وفجأة بدأت الشرطة تختفي من الشارع و الحرائق تشتعل في كل مكان..حرائق منظمة في وقت واحد في اقسام الشرطة ومديريات الأمن..أصبحنا نسأل سؤالاً واحداً: لم الآن..لم الآن؟
لو كان المتظاهرون يريدون أن يحرقوا لفعلوها من أول يوم ..من يفعل ذلك؟
ظهر الرجل أخيراً بعد خمس ساعات من العذاب وتبادل الآراء والتكهنات الفاشلة ليقول أنه خيارنا الأوحد أمام الفوضى وأنه سيجري تعديلاً وزارياً وبدأ قصة الأجندات الأجنبية والقوى الخارجية..و........أحبطنا وأغلقنا بعد خطابه كل وسائل الاتصال...

رسالة قصيرة تليفونية جاءتني من صديقة ناشطة شاركتني الجنون لحظة بلحظة تصرخ في:
لا...لا تتوقفي...هذا هو الوقت..لا..إياك أن تتوقفي الآن نحتاج لبعضنا البعض..يجب أن يصل صوتنا للعالم...لاتظني أن دورنا هين..هم يستطلعون الأخبار منا..لا يجب أن نصمت..

أعرف أنها على حق..لكني دون وعي قلت لها: سأعود..أنا بحاجة لأن أرتاح...فقط أرتاح...
لم أستطع النوم ..ظللت أرتجف طوال الليل واستيقظت في الخامسة صباحاً لأجد المتظاهرين معتصمين بالتحرير في زمهرير الشتاء يكتبون على الدبابات (لا لحسني مبارك)..و(الشعب يريد إسقاط النظام) ويسلمون على الضباط والعساكر..وجدتني أعود للحالة التي كنت عليها أنا والمجموعة التي تعمل معي أو أعمل معها دون ترتيب بعينه..ظللت أجرب الهاتف المحمول كل ربع ساعة..وفي الساعة الحادية عشرة من صباح السبت ردت علي صديقتي الكاتبة أخيراً..حالها لم يكن يختلف عن حالي كثيراً..سألتني عن آخر المستجدات بالنت وعالمياً لأن النت أصر على استكمال اعتقاله للمصريين وسألتها عما حدث على أرض الواقع..قالت لي أنها عادت إلى البيت في الليل بعد أن اختفت الشرطة وبدأت اللجان الشعبية في حفظ الأمن بعد خروج البلطجية واللصوص وأخبرتها عن استقراءات الإندبندنت والجارديان ورويترز وفرانس 24وماتقوله الجزيرة إذ أنهم كانوا يشوشون على بثها قبل أن يقطعوها تماماً ليتركوا المصريين أسرى الإعلام الحكومي المضلل..قالت لي أن أمها والكثير من زملائها في العمل مستسلمون تماماً ومصدقون لقصة أن مايحدث هو اختراق خارجي إسرائيلي ربما أمريكي ربما..قالت أن صوتها بح لتحاول إقناع الناس بغير ذلك فقد رأت وسمعت ..وأنها لا تتكلم عن جهل ..والذي رأى غير الذي سمع لكنهم كانوا يصمتون..خاصة بعد اختفاء الشرطة المفاجيء والرعب الذي أثاره البلطجية الذين اطلقوا عليهم دون سابق إنذار هم والسجناء الذين فتحت لهم بعض عناصر الداخلية السجون ليحاربوا الشعب ويشغلوه..بالقطع هي وأنا الذين كنا نعرف ذلك ونوقن به لكن الآخرين لم يكونوا يرون غير مايخبرهم به التلفزيون المصري وهو أن الذي فتح السجون هم عناصر من حزب الله وحماس!!!!!!

قام مبارك بحل الحكومة وتكليف أحمد شفيق وفوجئنا بأن معظم الوزراء الجدد هم القدامى أو معاونوهم..عين مبارك عمر سليمان نائباً لأول مرة منذ تولى الرئاسة..قيل أن هذا تمهيد لأن يتنازل مبارك عن سلطاته لعمر سليمان ويمضي..بدأت ترتفع أصوات الذين في البيوت..ولم لا..عمر سليمان شخص شريف..كانوا يقولون هذا وتاريخه الأسود ينشر على النت كمسؤول عن ملفات تعذيب وعن حوار مصري إسرائيلي ليس فوق مستوى الشبهات..لكن أصوات كانت تقول كفى..

لم أكن أصدق أن الناس يعيشون الكذبة ويصدقونها..ظللت الأيام التالية أنا وأصدقائي المغتربون بل وعرب أصدقاء لنا على الفيسبوك والتويتر نكمل نقل الأخبار ونراسل الصحف والمواقع الأجنبية ونضع التوقعات المرئية ونكتب بيانات نرسلها إلى كل مكان ممكن وغير ممكن..وفجأة في عصر أحد الأيام وبعد ضغوط عالمية شجبت العزل الاتصالي والتواصلي للثورة في مصر عن وسائل الإعلام تم فتح الإنترنت..فرحنا عندما رأينا المصريين يطلون ثانية..تخيلنا أنهم سيكونون الأقدر على شرح الأمور ورؤية مالانراه نحن من بعيد..لكن مع أول إطلالة اكتشفنا المأساة فقد كانت عقول الكثيرين مغسولة تماماً وموجهة ناحية أن ماحدث لم يكن إلا مؤامرة خارجية على أمن مصر..حاولنا أن نشرح..أن نحكي..قالوا لنا إنكم لاترون مانراه..

تتكلمون وأيديكم في المياه الباردة..زاد من الأمر تدفق حسابات وهمية بآلاف لا حصر لها دخلت تجرم وتتهم من يروج للثورة بالعمالة وتضع صور مبارك كصورة بروفايل وتحاول اختراق حسابات الناشطين وتنشر فكرة الأجندات الخارجية والمؤامرات الدولية.. لم أصدق حين رأيت صديقة لي تدخل تسب أحد المواقع الإخبارية وهي المشهور عنها الهدوء وضبط النفس وتتهمه بالعمالة والخيانة وبث الفتنة..اتصلت بصديقة مشتركة لنا وسألتها : هل صديقتنا حسابها مخترق؟ فوجئت بأن صديقتنا المشتركة هي الأخرى توافق على الكلام..قالت لي لماذا تسمون الجمعة القادمة جمعة الرحيل؟ لو رحل مبارك في هذا اليوم سنتأكد أن الأمر مدبر..لم أصدق فصديقتي التي تكلمني هذه لا أعرفها منذ أيام..بل منذ أكثر من عشر سنوات..وجدتني أصيح فيها بأن أفيقوا..ماالذي تقولونه..لقد كنتم مع الغضب قبل قطع النت والجزيرة فماذا الذي حدث..جمعة الرحيل ليست إلا حلماً يضعه الشباب كلما قرروا القيام بمليونية ليشحذوا الهمم ..تعودوا أن يسموا تظاهراتهم بأسماء تمنحهم الأمل في تحقيق الحلم..لو توقف شباب التحرير لسحلوا سحلاً ولم تقم لهم قائمة ..قالت لي أن ابنها ينزل اللجان الشعبية وأنه هو أيضاً معرض للموت وليس شباب التحرير وحدهم..تفهمت خوفها على ابنها لكن لم أتفهم أنها لا ترى..ولاتريد...

في اليوم التالي وكان الثلاثاء اشتعلت ثورة الغضب وصرخ الناس:

لامبارك لا سليمان..الكلام ده كان زمان

مصر حرة..وحسني برة...

ياجمال قول لابوك..شعب مصر بيكرهوك

كنا نهتف معاً على الفيسبوك وفي تويتر..أصدقائي في التحرير كانوا يتصلون بي ويجعلوني أشارك في الهتاف..كنت أبكي وأنا اسمعهم..وأنا أراهم يموتون من أجل المبدأ..
في السادسة مساءً أعلن عن الخطاب الثاني لمبارك..توقعنا أن يتنحى..لكن ليس مثل المرة الأولى..كان توقعنا مشوباً بحذر..ظللنا ننتظر وننتظر وأمريكا تندد بالعنف والدول الأوروبية تطالبه بالتنحي والصين ترفع اسم مصر من على محرك البحث حتى لا يقلد الصينيون المصريين..كل وكالات الأنباء تطالب النظام بتغيير حاسم وواضح يرضي المصريين المعتصمين في الشارع ..وقرب منتصف الليل يخرج علينا مبارك ثانية بوجه جديد..يقول أنه لن يترشح لفترة رئاسية جديدة وسيتم النظر في طعون مجلس الشعب وسيحقق في الفوضى ويحاسب من يحاسب..ويضيف أنه أب وأنه خدم الشعب المصري وكان بطل أكتوبر و..و....

من أول كلمة نزل علي الإحباط والاكتئاب اللذان أصاباني المرة الأولى لم تؤثر في كلماته الأخيرة التي استدرت عطف ودموع المصريين..كنت اعرف أنها خدعة ..مجرد خدعة..لعب على الوتر الحساس لدى المصريين..اتصلت بصديقتي السكندرية فقالت لي إن ماحدث جيداً جداً ويكفي وأنها كادت تبكي وهي تسمع الخطبة..كدت ألطم وجهي..صرخت فيها ماذا بك؟..ألست أنت التي كنت تقولين أن ثمن الحرية غال ويحتاج مزيداً من الصبر؟..والشباب المعتصمين في كل مكان والذين أتوا لنا بهذا الأمل أنفرط فيهم بمنتهى البساطة هكذا؟...سكتت..في الصباح كلمتها فوجدتها في مقهى بسبورتنج مع مجموعة من المثقفين وقد أفاقوا جميعاً..قالت لي نمنا مخدرين وقمنا نقول ماقلت أنت بالأمس..في عصر الأربعاء جاءت أنباء عن مظاهرة لمؤيدي مبارك تتجه إلى التحرير..وفجأة ودون سابق إنذار وقبل أن تمر 24 ساعة على خطبة مبارك العاطفية رأينا هجوماً عجيباً..جمالاً..بغالاً..لم نعرف هل أطلق الجيش هجانته أم تلك الخيول دخلت بالصدفة ؟كنا تماماً لانصدق
مانراه...سيوف..جنازير..سنج..طوب..والمتظاهرون العزل يدافعون عن أنفسهم بلا سلاح..مذبحة حقيقية وقف الجيش أمامها سلبياً..لم نفهم..لم نستطع التفسير...
انسحبت إلى سريري..اغلقت موبايلي والإنترنت...وظللت أبكي لثلاث ساعات متواصلة ..ضغطي ارتفع ولم يجد معه علاج..اقتحمني اليأس..أحسست أنهم يحارَبون بأخس الوسائل لأنهم فقط يطلبون لهم ولنا..الحرية..
رغم الألم الذي كان يصرخ في كل جسدي وجدتني ألتقط الجوال وأهاتف صديقتي الكاتبة التي لم تكن أحسن حالاً مني..شجعتني للعودة للنت..عدت لوكالات الانباء وأصدقائي الناشطين ..رغم الاكتئاب حمسنا بعضنا البعض خاصة وقد صمتت الاصوات التي كانت عقولها مغسولة قبل معركة الجمل تماماً ولم تستطع استكمال حواراتها العقيمة..هم نفسهم كانوا مصدومين..فقد اكتشفوا الحقيقة..اكتشفوا الخدعة..

في اليوم التالي وجدتني اتصل بالصديقة التي اتهمت الشباب في التحرير تحت تأثير وسائل الإعلام بالعمالة والتي شككت في سبب تسمية جمعة الرحيل التي لم يرحل فيها مبارك بهذا الاسم؟..وجدتها تكلمني بضجر..لم أعهد منها هذا التعامل من قبل..فأنا وهي لم نكن اثنتين أبداً كنا نحفظ بعضنا عن ظهر قلب..ربما التمست لها العذر في شعورها بعدم الأمان..ربما تفهمت تأثير الإعلام الحكومي عليها وفصلها عن التواصل العنكبوتي لكن الذي لم أتخيله أن توجه لي صديقة عمر تساؤلاً مبطناً برائحة الاتهام بالعمالة؟؟؟؟؟ثم تنهي المكالمة..
وجدتني أدخل النت وأكتب أني اتهمت في مصريتي من أقرب الناس إليّ.. ولذا سأصمت ..لكن الثورة لن تفعل..وستأتي لنا بالحرية..

بعد ساعات من البكاء وجدت صديقتي ترسل لي رسالة اعتذار بأنها مضغوطة ولا تشعر بالأمن والأمان ولا تستطيع الذهاب لعملها ولاتصدق كل مايحدث..وأنها تحبني..
ابتسمت..تفهمت..وعدت للعمل من جديد...

أيام من الصعود والهبوط..من الامل واليأس..من الثقة واللاثقة..لكننا لم نكف عن العمل..بدأت فيديوهات فتح السجون تنزل على الفيسبوك ونتداولها بيننا عل أوسع نطاق وتكشف عن تورط الأمن في إطلاق السجناء على الشعب..وبدأ المتظاهرون يحكون قصص الشهداء الشباب العزل الذين لم يقترفوا إثماً إلا أن قالوا نحلم بالحرية..صور القناصة من فوق وزارة الداخلية..فيديوهات سيارات الامن التي سحقت المتظاهرين..الرصاص الحي الذي أطلق بطريقة عشوائية..فضلاً عن منظومة البلطجية التي لم تنته حتى الآن واعتراف بعضهم تفصيلاص باستئجارهم ودفعهم من قبل الامن ورجال الأعمال وأعضاء الحزب الوطني الحاكم..بالتدريج وجدت لغة الأصدقاء التي كانت ضد الثورة تتغير..تتبدل..تقتنع..فرحت..

لكن ظل الوضع على ماهو عليه..الوزارة تفقد مصداقيتها كل يوم خاصة بعد أن قال أحمد شفيق أمام عيني حين سؤل عن تأمينه لشباب التحرير أن أي أذى يتعرضون له سيكون على رقبته ولم تمر ساعات على كلماته حتى حدثت موقعة الجمل أعقبها بسخريات عدة من الثورة وشبابها في أحاديث مختلفة..سقطنا في متاهات إمكانية تفويض عمر سليمان بثغرة دستورية في المهام الرئاسية..ثم تحذير من أن التعديلات الدستورية لن تتم إلا في وجود مبارك..بينما آخرون يؤكدون على أن الشرعية الثورية تدحض ماقبلها وبالتالي فالمفروض أن يتنحى مبارك ويسقط الدستور ويوضع دستور جديد..كنا في حالة تخبطية لا أصعب..خاصة وعمر سليمان نفسه فقد أي تعاطف معه بعد حديث لمحطة إيه بي سي أعلن فيه صراحة أن مصر غير مستعدة للديموقراطية في الوقت الحالي فأشعل بلامسؤولية حواراته وحديثه المخابراتي التهديدي المتكرر عن الأجندات والحساب والعقاب الفتيل أكثر من ذي قبل..

وصلنا إلى يوم الخميس 10 فبراير..كانت صديقتي الكاتبة في التحرير..ظللت مسمرة أمام الفيسبوك والتويتر كعادتي حتى وجدت أطفالي يبكون يريدون أن يخرجوا من أسر المنزل ومن الحالة الكئيبة التي نعيشها منذ 25 يناير..جذبني زوجي جذباً من أمام الكومبيوتر وذهبنا إلى الحديقة القريبة من المنزل ..جلست على منضدة في الركن ولم أصبر ففتحت الفيسبوك والتويتر من على جوالى وفي الخامسة والنصف وجدت خبراً يقول أن مبارك سيتنحى ويفوض سلطاته للجيش..هاتفت صديقتي في التحرير وكانت تقف ساعتها مع واحد ممن اختيروا في ائتلاف 25 يناير وأخبرتها بما عرفت فسألته فقال لها إن الخبر وصله في نفس اللحظة وأن هذا ليس سيئاً إن كان الخبر صادقاً..

عدنا بسرعة إلى البيت وأنا في السيارة هاتفتني صديقتي وزميلتي في العمل التي تسكن الشقة المقابلة ووجدتها تقول عودي بسرعة فالأحداث تتصاعد وحين عدت فتحت الباب قبل أن أدخل إلى بيتي وسحبتني داخل بيتها إلى غرفة التلفزيون لتريني المجلس العسكري المنعقد وتخبرني بصدور البيان الاول للجيش..لم يعد هناك تفسيرات أخرى..فمبارك سيتنحى..

أمطرت الدنيا أخباراً..الإندبندنت ..الجارديان..نيويورك تايمز..بعض وكالات الأنباء وأجهزة المخابرات الأوروبية تؤكد تنحي مبارك..لأول مرة يخرج رئيس الوزراء علينا بتصريح احتمال تنحي مبارك..أنباء عن كلمة لمبارك..خمس ساعات أخرى في انتظاره تخرج علينا قناة العربية قبل أن يتكلم بربع ساعة بمحتوى خطابه المحبط فلا نصدق..تأكيد على أنه لن يترشح فترة رئاسية جديدة..نظر في الطعون..لجنة لعمل التعديلات الدستورية..ماهذا؟.........كدنا نجن..

صرخنا..بعضنا بكى..وبعضنا سب..وبعضنا لعن..

لماذا إذن كانت كل تلك الأنباء عن التنحي؟هل كانوا يضحكون علينا؟يسخرون منا؟

وكيف أتت العربية بمحتوى الخطاب قبل الخطاب بربع ساعة؟

لم نعد نفهم....لم نعد نفهم...

كلمت صديقتي الكاتبة الواقفة في التحرير منذ الصباح فوجدتها تبكي وتقول الناس تصرخ..لقد فقدوا رشدهم تماماً..

ظللنا ساهرين أمام القنوات الفضائية والإنترنت طوال الليل لكن بلا كلمة..ربما ننقل أخباراً مبعثرة..ربما نتبادل كلمة تعزية أو حزن..لكننا فى النهاية صامتون..لانعرف ماذا يحمل الغد؟
في الصباح اندفع الناس في القاهرة إلى التحرير وانطلق الملايين في كل المحافظات يهتفون بسقوط مبارك..حاصر بعض المتظاهرين القصر الجمهوري..بدا الأمر حياة أو موت..اتصلت بصديقتي في الإسكندرية أخبرتني أنها اهتزت بالأمس بعض الوقت وقالت كفى ونرضى بما قسم لنا لكنها حين رأت الملايين يتدفقون من كل مكان ويتحركون في كل الإسكندرية يهتفون بسقوط مبارك عاد لها حماسها..اتصلت بأصدقائي في التحرير فأخبروني أنهم سيظلون هناك ..إما موتهم أو التنحي..

مازال المجلس العسكري منعقداً يطلع علينا ببيانات غريبة مرة تؤكد حماية البلاد ومرة تؤكد على التعديلات الدستورية..التلفزيون المصري مثبتة على النيل وتؤكد على أن الهدوء قد عاد لكافة أرجاء الدولة..بينما المشاهد من الجزيرة والعربية تظهر الملايين الغاضبة وهي تهتف بسقوط مبارك..الجيش لا يهاجم ويؤكد أنه لن يضر المتظاهرين..ثم..أنباء عن بين من قصر الرئاسة بعد قليل ..

أظهرنا أننا لم نصدق..قلنا سيخرجون علينا بعد منتصف الليل كالعادة..بدأت النكات الإلكترونية تنهال علينا..كنا نحاول أن نكسر خوفنا بالضحك..لكنا فوجئنا بعمر سليمان يقف أمامنا ممتقع الوجه ويعلن عن تخلي مبارك عن منصبه بكلمات مقتضبة لم تكمل دقيقة واحدة...
لا اعرف ماالذي حدث..

صرخنا..
سجدنا...
قفزنا...
ضحكنا..
بكينا....
رقصنا...
لا أدري...

ربما فعلت كل هذا..وربما لم افعل أيا من هذا..

كل الذي أتذكره ...طعم الحرية الذي مازال في فمي..والذي لم أتذوقه من قبل أبداً...

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.