فن الوقاحة

، بقلم رينا ميني

يبدو أنّ الصراعات التي يتخبّط فيها عالمنا لن تنتهي لا بزمننا هذا ولا بالأزمان المقبلة، ويبدو أنّ

التراكمات التاريخية التي أدّت إلى وجود هذه الصراعات لن توصلنا إلا إلى المزيد من التصدّع

والإنشقاق. أجيالٌ فاسدة تربّي أجيالاً فاسقة وبالتالي نحن أمام تراجع مستمر للإنسانية

والأخلاق، هذا ما يشير إليه جيل اليوم الذي أخشى أنّه تخطّى كل الصفات.

جيل نشأ في زمن اللعب على المكشوف، زمن خلط المعايير والمفاهيم، زمن المجون العلني

والدعارة السياسية على كل شكلٍ ولون. إننا نواجه اليوم ما هو أخطر من الدسائس

والمؤامرات، وما هو أفظع من الخيانة والإجرام، لأننا بصدد الوقاحة السياسية.

إننا أمام طبقة حاكمة تتبجح بسلطتها على العباد، وعباد يتقاتلون صباحاً على خدمة حكّامهم

ويشتمونهم مساءً. ولنتوقف قليلاً لنرى ما يفعله أصحاب هذه الطبقة: هم أصحاب الضمائر

الغائبة من كثرة ما استترت، هم أصحاب الأفواه المليئة بالكلام المسموم والكذب المدروس،

إستوطنوا الإعلام وجعلوا منها وسيلة من وسائل تعذيب البشر. هم يتقلّبون تارةً هنا وتارةً

هناك وشعوبهم تصفق لهم حيناً وتلعنهم حيناً أخر.هم أشبه بطفلٍ مستهتر يمسك الكرة

الأرضية بين يديه ويخضّها لينقلب محتواها رأساً على عقب، وحينما يملّ منها يطرحها أرضاً

فتتمزّق أوصالها وتتبعثر أشلاءً. هم يبرمون الإتفاقيات مع ألدّ الأعداء ليُصار لهم الرغد الأبدي

والعيش الهانئ، فلقد استطاعوا أن يحققوا المعادلة الصعبة التي عجز عنها دُعاة السلام، فها

نحن نرى تلاقي المتطرّف مع الكافر، والثائر مع النظام، والثري يتنازل عن ماله المسروق للفقير

المحروم..حقّاً إنّ المصالح تتصالح. هم يتخطّون المحظورات يضحضون الأعراف والمبادئ، إنّما

حذارِ، فإنّ هذا الدور مخصص لأبطالٍ معينين ومن تجرّأ من الصغار التشبّه بالكبار فله المشانق

تُعلّق وتُشنّ الهجمات والضربات، وفي كلتي الحالتين لا أمواتاً يُحصون ولا مشردين فهؤلاء

ضحايا حروب. هم وقحون، لنا الموت ولهم الرقص على الجثث.

إنّي ما زلت أصرّ على أنهم لا يتحملون مسؤولية أعمالهم كاملةً، بل إننا كشعوب نشاطرهم

الذنب والجرم. قال كارل ماركس: التاريخ يعيد نفسه مرتين..في المرّة الأولى كمأساة وفي

الثانية كمهزلة. والمهزلة تتكرّر..