جواب سؤال بقلم : موسى أبو دوي

سؤال: بماذا يمكن أن نفسر تفكك التحالف الدولي لضرب سوريا، بعد أن انسحبت بريطانيا وتبعتها ألمانيا، وكذلك إيطاليا، إضافة إلى موقفي كل من روسيا والصين المعارض ابتداء لتوجيه ضربة لسوريا؟

جواب:

أولاً: رغم حديث أميركا عن وجود تحالف دولي لضرب سوريا لكن واقع الحال أنه لا وجود لواقع "التحالف الدولي" بالمعنى الصحيح للكلمة. فأميركا لا يبدو عليها بالمرة أنها تسعى لإيجاد "تحالف" يشبه ذلك الذي صنعته عند غزوها للعراق أو أفغانستان. وقد كان وزير الخارجية جون كيري واضحاً عندما قال أمس في كلمته: أن العملية العسكرية المحتملة ضد النظام السوري ستكون محددة الهدف ولن تشارك فيها قوات على الأرض ولن يكون مثل التدخل في العراق أو أفغانستان. وأضاف كيري أن واشنطن تعول على حلفائها وهم فرنسا والجامعة العربية وأستراليا وتركيا.

ثانياً: إن العملية العسكرية التي تزمع أميركا القيام بها ستكون ضربات جوية محدودة وليس غزواً برياً داخل سوريا، وهذا لا يتطلب حشد تحالف دولي من الجيوش البرية. وأقصى ما يمكن أن يحصل هو قيام عمليات فرق كوماندوس محدودة العدد بقيادة أميركية ومؤازرة من دول الجوار وبخاصة تركيا والأردن دون أن يتم الإعلان عن ذلك. وقد كان أوباما واضحاً في تحديد طبيعة هذه الضربة، عندما قال بأنه يبحث عن رد محدود وليس حرباً مفتوحة. إن واشنطن لا تفكر في تحرك عسكري بالقوات البرية في سوريا وإنما عملية محدودة ضيقة وخيارات تقتصر على الهواجس المتصلة بالأسلحة الكيميائية.

ثالثاً: وبناءً على ما تقدم فإنه لا معنى للحديث عن "انسحاب" بريطانيا وألمانيا وإيطاليا من "التحالف الدولي" باعتبار أنه لا وجود له ولم تسع أميركا لإيجاده فعلياً. أما الغاية من الترويج لإسم التحالف إعلامياً وحتى سياسياً فهو للتغطية على عدم لجوء أميركا لمجلس الأمن والأمم المتحدة عند قيامها بالضربة العسكرية، بحيث يتم الإيحاء بأن هناك تحالفاً دولياً من أجل "الحفاظ على الإنسانية" من الأسلحة الكيميائية ومعاقبة من يستخدمها وإظهار أن أوباما وفى بتهديده عندما قال بأن استعمال هكذا أسلحة يمثل خطاً أحمر لا يمكن السكوت عليه.

رابعاً: التصريحات الأميركية بعد تصويت مجلس العموم البريطاني ضد المشاركة في الضربة العسكرية يؤكد أن أميركا ليست غاضبة على بريطانيا. فقد قالت كيتلين هايدن المتحدثة باسم البيت الأبيض في بيان "نحن على علم بنتيجة الاقتراع الذي أجري في برلمان المملكة المتحدة الليلة. الولايات المتحدة ستواصل التشاور مع حكومة المملكة المتحدة.. أحد أوثق حلفائنا وأصدقائنا". ومن ناحيته حاول رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون توجيه اللوم لزعيم حزب العمال المعارض آد ميليباند واتهمه بتعريض المصالح البريطانية والعلاقة مع أميركا للخطر، وذلك عندما قال: "لا نصدق أن ميليباند فضل التنازل عن مصالح البلاد من أجل تجنب الانزلاق في حفرة". كما ذكر دافيد كاميرون أنه يأسف لرفض مجلس العموم البريطاني تأييد القيام بعمل عسكري في سوريا إلا أنه قال: "أعتقد أن الجماهير الأميركية والشعب الأميركي والرئيس أوباما سيتفهمون".

خامساً: يبدو أن أهم العوامل التي أثرت على تصويت مجلس العموم البريطاني بفارق 13 صوتاً هي شبح حرب العراق وعدم وضوح أهداف الضربة العسكرية على سورية بالإضافة إلى التخفيض في ميزانية الدفاع البريطانية؛ ولا بد أن نضيف أيضاً الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها كاميرون من داخل حزبه بسبب تشكيله حكومة ائتلافية مع حزب الديمقراطيين الأحرار وتلويح بعض نواب حزب المحافظين للدفع بعمدة لندن بوريس جونسون أو النائب من أصول أفريقية أدم أفريي، للمنافسة على زعامة الحزب إذا ما أراد كاميرون أن يشكل حكومة ائتلافية مرة أخرى في حال فوز حزبه بالإنتخابات العامة القادمة في 2015.

سابعاً: أما بالنسبة لألمانيا فإن امتناعها عن المشاركة كان بسبب موقف أحد منافسي أنجيلا ميركل على الحكم، وهو بير شتاينبروك زعيم أحد أحزاب المعارضة الذي قال: "أود أن أوضح أنه بالنسبة لي وللحزب الديمقراطي الاشتراكي فإننا نعتقد أن التدخل العسكري سيكون خاطئاً لأننا لا نستطيع أن نرى كيف يمكن لذلك أن يساعد الناس في سوريا". وهذا من أهم الأسباب التي اضطرت المستشارة أنجيلا ميركل أن تعلن عدم مشاركة ألمانيا في الضربة الأميركية وبخاصة وأن البلاد مقدمة على انتخابات عامة في 22 أيلول/سبتمبر القادم وحظوظ ميركل قوية في الفوز بفترة انتخابية ثالثة. ولذلك فهي تخشى أنها في صورة دعمها العلني للضربة الأميركية أن تنزل حظوظها الإنتخابية القادمة في ظل استطلاعات للرأي تظهر النفور الشديد من أي عمل عسكري وبخاصة إذا شاركت ألمانيا فيه. وهذا ليس غريباً فقد سبق لألمانيا أن نأت بنفسها عن التدخل العكسري الذي قام به الحلف الأطلسي في ليبيا قبل عامين.

ثامناً: أما إيطاليا فإن حكومة ائتلافية من أحزاب يمينية محافظة وأخرى من الوسط ويسار الوسط وفي ظل رفض حركة (الخمس نجوم) المعارضة، وهي ثاني أكبر الأحزاب السياسية، لأي عمل عسكري حتى في ظل قرار من مجلس الأمن الدولي، يجعل من الصعب على الحكومة الإيطالية المشاركة في أي عمل عسكري مع أميركا ضد سوريا. ومع ذلك فقد أشار البيان الصادر عن قصر (كيجي)، وهو مقر رئاسة الوزراء، إلى استمرار الاتصال مع الإدارة الأميركية مشدداً على أن "العلاقات مع الحليف الأميركي حتى في هذه المسألة السورية تظل تتسم بالتعاون التام والصداقة". كما أن وزارة الخارجية الإيطالية وعلى لسان نائبة وزيرة الخارجية الإيطالية، مارتا داسّو، قد نفت أي ضلوع للمعارضة المسلحة السورية باستخدام الأسلحة الكيميائية معربة عن "الإعتقاد بأن المسؤولية في ذلك تقع على عاتق بشار الأسد".

تاسعاً: إن عدم مشاركة بريطانيا وألمانيا وإيطاليا علنياً في المجهود الحربي مع أميركا لا يعني أن هذه الدول لا تدعم توجيه ضربة عسكرية بدعوى معاقبة بشار على استعماله السلاح الكيميائي. فقد أكد زعماء هذه الدول أن على النظام السوري تحمل عواقب استخدامه للسلاح الكيميائي. وإن تصريح حكام هذه الدول بأنهم يدعمون الحل السياسي في سوريا من خلال الذهاب إلى مؤتمر جنيف 2 يؤكد أنهم يسيرون وفق الرؤية الأميركية في تحقيق الغاية السياسية من الضربة العسكرية على سوريا؛ أي إجبار النظام والمعارضة على الجلوس للتفاوض بشأن الحل السياسي الذي ارتضته أميركا لواقع النزاع في سوريا عبر تثبيت كل طرف في مواقعه الجغرافية التي رسمتها أميركا بالإتفاق مع روسيا.

عاشراً: أما روسيا والصين فلا تملكان سوى المعارضة الكلامية لشن ضربة أميركية على سوريا دون التصدي الجدي لذلك على المستوى الدولي سوى استعمال حق الفيتو. والجدير بالإهتمام هنا هو الموقف الروسي الذي أشار إلى أن روسيا لن تتدخل عسكرياً لحماية سوريا في حال تعرض هذه الأخيرة لضربة أميركية. فقد قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مؤتمر صحافي, رداً على سؤال بشأن ما ستفعله روسيا إذا هاجم الغرب البنية التحتية للجيش السوري النظامي "ليس لدينا نية لخوض حرب مع أحد". والسبب في ذلك أن روسيا تدرك جيداً أن نية أميركا في الضربة العسكرية إيجاد شروط التفاوض بينه وبين المعارضة في جنيف 2.

وما يجب أن يكون واضحاً أن وجود روسيا في الشرق الأوسط هو من أجل المصالح والمنافع العسكرية والإقتصادية وبخاصة النفطية، وسوريا لا تمثل خطاً أحمر بالنسبة للمصالح الحيوية الروسية مثل جورجيا حيث حسمت روسيا الصراع هناك في أيام معدودة وقامت بفصل أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وإعلان استقلالهما في ظرف قياسي. وهي بذلك وجهت رسالة واضحة وقوية لأميركا والغرب بأنها لن تتوانى عن الدخول في حرب عندما يتعلق الأمر بالمصالح الحيوية المباشرة لروسيا. ويتعامل الكرملين مع أميركا في الملف السوري بخاصة والشرق الأوسط بعامة بمنطق الضغط وعقد الصفقات. ولعل في الزيارة التي قام بها بندر بن سلطان رئيس المخابرات السعودية إلى موسكو في بداية آب/أغسطس 2013 ولقائه مع فلاديمير بوتين لمدة أربع ساعات ما يفسر كيفية نجاح أميركا في تليين الموقف الروسي من أزمة سوريا.

فقد ذكرت وكالة "رويترز" في تقرير لها بتاريخ 7/8/2013 أن المملكة العربية السعودية قدمت عرضاً لموسكو بصفقة سلاح بقيمة 15 مليار دولار وضمانات بعدم منافسة دول الخليج العربي لصادرات روسيا من الغاز المسال في السوق الأوروبية. وهذا هو أحد مضامين الصفقة الروسية الأميركية وهي أن تتخلى موسكو عن دعم بشار الأسد مقابل ضمانات باستمرار توريدها الغاز لأوروبا، ما يعني إيقاف مشروع ضخ الغاز القطري كبديل عن الغاز الروسي في اتجاه أوروبا مروراً بالأراضي السورية والتركية. وإضافة لما سبق، ذكر ليونيد فيدون نائب رئيس لوك أويل ثاني أكبر شركة نفط روسية أن الشركة تعتزم بدء إنتاج الغاز الطبيعي في السعودية العام المقبل بالقول: "حققنا كشفاً يضم 400 مليار متر مكعب ... سيكون ذلك كافياً وسيكون أول مشروع غاز في السعودية."

وفي الختام فإن مشاركة فرنسا عسكرياً للولايات المتحدة في ضربها لسوريا وعدم إدانة باقي دول أوروبا لذلك بل استمرار تأكيدهم على تحميل نظام بشار مسؤولية استعمال السلاح الكيميائي ثم مشاركة دول المنطقة في هذا العدوان يكفي أميركا أن توحي للعالم بأن هناك تحالفاً دولياً يقف لأسباب "أخلاقية وإنسانية" بدعوى الدفاع عن الشعب السوري من الإبادة الجماعية. ويعتبر الموقف الفرنسي ذا أهمية بالنسبة لأميركا دولياً وأوروبياً وإقليمياً نظراً للوجود الفرنسي الثقافي والإستعماري في سوريا ولبنان. ولذلك حين سئل فرنسوا هولاند هل يمكن أن تتحرك فرنسا دون بريطانيا أجاب بالقول: "نعم.. كل دولة حرة في المشاركة أو عدم المشاركة في عملية ما. وهذا ينطبق على بريطانيا مثلما ينطبق على فرنسا". وتابع قائلاً: "هناك دول قليلة لديها القدرة على إنزال عقاب بوسائل ملائمة؛ فرنسا إحداها. نحن مستعدون وسنحدد موقفنا من خلال الاتصال الوثيق بحلفائنا."

وهكذا تبقى بلاد المسلمين مستباحة لدول الكفر، تدمر قواها، وتنهب مقدراتها، وتزهق أرواح أبنائها دون أية رحمة أو خشية من رقيب أو حسيب، بل يبلغ التضليل الذي تمارسه هي وأدواتها في بلاد المسلمين حد رضى أبناء المسلمين بقتل بعضهم، وتدمير بلادهم بأيديهم وأيدي أعدائهم، بل والطلب من أعدائهم بإلحاح لقتل وتدمير جيوشهم وقدراتها كما حصل في العراق وليبيا، وكما هو متوقع الحصول للجيش السوري الذي هو جيش للأمة حال الجيش العراقي والليبي، وقد تلحق بالقائمة لا قدر الله جيوش أخرى، فتُحكم أميركا والغرب الكافرين قبضتها على بلاد المسلمين بعد توجيهها الضربة لثقافة الأمة وطموحها لتحكيم شرع ربها، فتدمّر قواها المتمثلة بجيوش بلادها وشبابها القادرين والمتحمسين لقتال الكفار، وتستمر في نهب مقدرات بلاد المسلمين، وبذلك تحول دون انعتاق المسلمين من القبضة الأميركية المجرمة والمستعمرة والمتربصة بالإسلام والمسلمين باعتبارهم العدو الأخطر على تفردها في قيادة العالم والسيادة عليه في هذا القرن.

فهل يُعمِل المسلمون عقولهم بشكل أفضل ويفكروا بعمق واستنارة فيدركوا إن صعيد المعركة الأساسي هو بين الكفر والإسلام، وأنهم إنما يُستخدمون أدواتٍ بيد الكفار ينفّذ بهم الكفار جزءاً وافراً من مخططاتهم لمحاربة دينهم ووحدة بلادهم وإضعافهم وإذلالهم واستئصال أي أمل لهم ليقتعدوا المكانة اللائقة بهم بين أمم الأرض.