الحب المستحيل « بو ح ٣»

، بقلم زياد يوسف صيدم

أعود أدراجي باتجاه منزلي.. مثقلا بأفكار ذاك الصديق الذي يرهقني مؤخرا بقصة حبه المجنونة التي اتفقت أثناء نقاشي معه بتسميتها بحب المستحيل وكثرة تبادل النصائح والنقاشات معه بناء على إلحاحه الدائم...دلفت منزلي وعلى عجالة أخرجت حصاني الحديدي..تركت له عنان لجامه ما ان وصلت طريق الساحل.. لقد حفظ طريقه عن ظهر قلب..لكن ماذا يحدث لي اليوم؟ لما هذه السرعة الغير معتادة والتي لا تليق بمن أنهى لتوه عقده الخامس...ولماذا هذا العبوس والتجهم.اهو لأني كنت أحاول مساعدة الصديق في إيجاد مبررات لحبه المستحيل كي يصمد بقليل من مقومات صموده ! أن يحيى ويعيش بلا مياه مستمرة التدفق لإنعاشه !.أن يتقدم بخطوات واثقة وسط حقول من الألغام شديدة الانفجار !... الحصان يسابق الريح عائدا باتجاه بيت الصديق..وما أن تراءيت له ودنوت منه حتى بدء بزعيق في وجهي.. موجة مندفعة من نبرات عصبية وحديث منفعل لفحت وجهي..بعينين حادتين تكاد تخترق مسامات جلدي.. يبدو انه لم يستطع صبرا وتمهلا..يفقد لباقته في احترام الحديث معي بالرغم من حاجته لي للبوح.. لقد فشل في إخفاء بركانه الغاضب.. حتى بادرني بلا مقدمات:

*أنا لست رجل أناني كما يتهمني بعض قراءك نتيجة لما كتبته عن شخصيتي.. لست بهيميا ولا صاحب نزوات ومغامرات نسائية.. ولا املك قلبا من أحجار صلدة بلا حياة.. إنما رجل مختلف اقر بهذا الأمر ولا أنكره.. عايش واندمج مع ثقافات مختلفة متعددة فى بيئات منوعة.. عانت من الحرمان والقهر وأخرى ثقافات منفتحة إلى ابعد حدود وعلى نقيض من سابقاتها..سافرت وتنقلت كثيرا..احمل بين ضلوعي قلب فسيح بحجم المحيط..اتسع لكل حبيب فما طعن وما جرح احد منهن..كان الإخلاص والوفاء فى حبى القائم بكل أحاسيس صادقة..فخلجات قلبى ودقاته تؤمن بان لا مستحيل في الحب وهذا قولك لي.. أنسيت دفاعك ونصحك وتمترسك؟ فلا مستحيل أمام الحب لأني احتاجه أكثر من اى رجل آخر.. إنسان عاشق.. يدافع بشراسة عن حبه وحبيبته..

* لكن تمهل– يقاطع حديث صديقه – لكنك أخفيت عنى شيء في غاية الأهمية؟ وحاولت جاهدا إبقاءه مغيبا عنى؟....

* لم افهم ما تعنيه.. أتمنى عليك الإيضاح أكثر.. لأني صدقا اشعر بدوران فى رأسي.. بل انه صداع قوى يأتيني عادة حين يشتد التفكير ويعصف برأسي ويصل إلى حائط مسدود..

* لا عليك يا صديقي سأبلغك الأمر:أنت وقعت في أخطاء تبريراتك ودفاعك عن حبك المستحيل بأنك لم تميز بين المستحيل وبين الممنوع؟ بين النظرية وبين الواقع؟

* وهل هناك فروق في الحب بين هذا وذاك؟ فالحب أعمى..يلغى العقل ويترك للقلب حرية مطلقة تقوده لأنها العواطف الجياشة وطبيعة وفطرة الإنسان منذ الأزل...

* بالتأكيد.. هناك فروق.. فالأول قد تكون على حق في دفاعك عنه وبما ذهبت إليه في تبريراتك وما تحصن به قلاعك من تحصينات يجمع عليها كثير من فلاسفة التاريخ ومفكريها..أما الثاني فإنما يقود إلى إغفال العقل وتغييبه نهائيا.. وهنا يسيطر القلب كليا على المشهد وهذا يعنى أن تسيطر العواطف الجياشة والأحاسيس المنهمرة وهنا يتجه الحب إلى درجة الوله..ويكون الضعف قد اكتنف الصورة ولونها بألوانها الجميلة والساحرة والتي تحجب الرؤى عن عواصف وبراكين متحفزة للانقضاض على المشهد الحالم تحت اى خطأ او انكشاف مفاجئ.. فتحيله إلى دمار وخراب بلحظات..من هنا ينبع الشعور بالارتباك والخوف والتوتر على الطرف الآخر بشكل مستمر فلا يقوى على المضي قدما والثبات وان كانت الرغبات قوية والحاجة شديدة بكل جوانبها المتعددة...

*هكذا إذا يا الصديق..تحاول إقناعي باني كنت على خطأ بنصحك طيلة الوقت! وباني رسمتك في مشهد من سراب وأوهام ! باني أمددتك بشحنات كانت خاوية لا نشاط ولا حركة فيها..انك تتهمني باني بعتك وبعت قراءى مجرد أوهام وحديث خواء في الحب لا يصمد أمام اى عاصفة فهو عاري تماما إلا من أصباغ وألوان ستبهت مع أشعة الشمس..وتتلاشى عن حقيقة عارية وحيدة...

يفكر سريعا بالانسحاب..فلا يحتمل سماع اتهامه بهذا الفشل الذريع ممن كان بحاجة إلى النصيحة يتحول فجأة إلى طبيب وناصح.. يتساءل مع نفسه: لكنه يتحدث بلغة العقل والمنطق والواقع.. لكن اى منطق واى واقع هذا حين تغرد بلابل الشوق تستفز شغاف القلوب..وتفيض أحاسيس الإنسان المحب والعاشق جارفة معها كل ما يصادفها من عقبات وحفر وأشواك.. فهي تقفز عن كل شيء من شانه إيقافها او عرقلة تحركاتها...يتركه متجهم الوجه..يهرع إلى حصانه الحديدي وتبدأ تتسارع في ذهنه نقاشات الصديق سابقا وحاليا.. فيزيد من مقبض سرعته فتلفح وجهه رياح تلاعب وجنتيه من شدتها.. لقد قد قرض الطريق سريعا وأصبح في مواضع تكون فيها السرعة دربا من الانتحار ! هنا يعود إليه اتزانه وتهدأ عصبيته..يركن جانبا.. يبدأ في جلد الذات مع نفسه بقسوة لم يعتدها من قبل.....يتساءل: أيعقل باني نسيت لغة العقل على حساب لغة القلب هذا الضعيف أمام اندلاع نار الحب..وتدفق القيم الإنسانية الخالدة التي ميزت الإنسان عن غيره من الكائنات..لا لا لن استسلم أبدا عن أفكاري التي آمنت بها طيلة عقود طويلة.. فتجاربي عززت من نظرياتي دوما..لكنها في بيئات ومجتمعات قابله ل...لالا لن أتعمق هنا في حديثي ولن استسلم له..انه هو من كان بحاجتي كي أسدل له النصح.. لن أتحول إلى شخصية واهمة تعيش الواقع المرير بذكريات السنين الحبيسة في تلك البوتقة النابضة بلا توقف..تحاول دمج الثقافات وتقريب البيئات المختلفة متعددة العادات والتقاليد..فهذا موضوع ليس بالهين أبدا.. ولن يكون بهكذا سهولة.. فالنظرية هنا حتما تصطدم بالواقع المحكوم بكل تعقيدات الموروثات التي رسمت حدودها الحمراء بثقل وفجاجة وعنفوان !! لكن يجب أن اقر باني أصبحت في دائرة الشك.. وانتقلت لألعب دور الصديق بديلا عنه؟ سأقر بهذا وسأستمع إليه كما سمعني طويلا..لابد من هذا حتى أعيد ترتيب أفكاري.. فقرائي يجب أن لا يقعون في حيرة..ويبدأ شعورهم بالخيبة والاستسلام هكذا بسهولة..لابد من إيجاد قواسم مشتركة.. تنفذ من خلالها دفاعاتي عن حب المستحيل بين حبيبين.. ولو أدى الأمر إلى تبديل وتغيير وتطوير في الأداء؟ ومرونة اكبر نحو إعطاء فسحة للعقل من غير تشريع الأبواب له كليا..حتى لا يدمر خلجات القلوب فيميتها..ويحطم قوانين الطبيعة والقيم الإنسانية بفطرتها.. فيقضى على عمق الإنسان وتميزه ويخالف كل نواميس الحياة..وتنعدم أفضليته فيفقد حقه فى البقاء وأحقيته فى السؤدد والإبداع والتميز عن باقي الخلائق التي أوجدها الله لخدمة الإنسان وسخرها له لمكانته وخصوصيته....

في ساعة متأخرة من الليل..يرن هاتفي النقال..كان الصديق يسأل ليطمأن عنى..فينشرح صدري.. وتنطلق منى ابتسامة رضي من جديد.. ولو أنها كانت بشكل سريع فهو لم يتركني أكابد وحيدا محاولاته إفشال نظرياتي وأفكاري وفلسفتي الخاصة بعالم النساء والحب بين بني البشر.. ليدخلني حقا في صراع داخلي.. وقد نجح تماما فى هذا.. وما ان طمأنته على نفسي حتى قام بتوجيه اهتمامات أخرى جديدة..يبدو انه في مرحلة الهجوم المستمر؟ وهذه المرة كانت أكثر بشاعة وصراحة..فكما يبدو لي انه استغل حديث الهاتف فهو بلا شك يختلف عن الحديث بأربعة عيون متقابلة.. ومن غير مقدمات كعادته في الأيام الأخيرة..قام بتفجير اتهامه الجديد لى والذي وقع كرمانة في وجهي باني:....... – يتبع -