المتمكن

، بقلم مجدي علي السماك

لم تكن الجنازة كبيرة.. كتلك الجنازات التي اعتدنا رؤيتها في الأحياء العتيقة لمدينة غزة..لا طول لها ولا عرض. إنما هم قلة من الناس يتقدمهم حملة النعش. انضم إليهم عدة أشخاص كانوا يمشون في الشارع الضيق المؤدي إلى المسجد..طمعا في الثواب.

عجائز طاعنات كن ينظرن في وجوم.. وقد اتكأن بأثدائهن الكبيرة على حواف الشرفات و النوافذ المشرعة على آخرها.. مددن رؤوسهن إلى الخارج وقد بدأ يتسلل إلى قلوبهن حزن ممزوج بخوف عميق. وعلى الفور كل واحدة منهن تصورت أن عزرائيل قد بدأ يحوم حولها وأن دورها قد جاء. فاستبد الذعر بوجوههن فانكمشت أكثر فأكثر حتى صارت مثل الأسفنج المضغوط.
بكل ما في الموت من مهابة وخشوع..دخلت الجنازة في بطء حتى وصلت صحن المسجد..واقاموا صلاة الظهر. ثم صلوا على الميت صلاة الجنازة.

بالكاد انتهى الناس من صلاتهم وخشوعهم حتى سرت همهمات خافتات.. ومن بين الجموع خرج رجل قصير القامة له كرش صغير بحجم الإبريق..ووقف على المنبر ونادى بصوت هادر خال من أي إثم:

يا ناس..الميت رحمه الله كان زبونا عندي..وهو مدين لي بمبلغ كبير من المال..عشرة آلاف دولار..استلفها مني قبل موته بأيام قلائل.

صارت العيون تحدق حولها في محاولة منها للعثور على أي قريب للميت..لكن لم يظهر له أي قريب. فاقترب من الدائن رجل كهل..طويل القامة ورفيع كالبوص..وتحدث بصوت واطئ مليئ بالتقوى والورع: سامحه يا بني..إن الله يحب المحسنين ! لا تنس أن كل حسنة بعشرة أمثالها.

لكن الرجل الدائن رفض أن يسامح الميت..ورفض عشرة أمثالها من الحسنات..واحمر وجهه وطفح بالغيظ.. وكادت تنفجر شرايين رقبته حين صرخ..

تبرعوا له بالمبلغ قبل أن تدفنوه..وإلا لن يدخل الجنة..وسوف أحرمه من نعيم الآخرة كما حرمني من نعيم الدنيا..لن أسامحه يوم الحساب.. اقسم بالله أبدا لن أسامحه.
ردد كل واحد من الحاضرين ما استطاع أن يردد..في وقت واحد تداخلت الأصوات وتلاطمت وتمازجت ..أصوات مليئة بالغضب والرفض والشجب..

كل هذا حبا بالنقود..من أجلها تريد أن يخلد الرجل في نار جهنم..إنك رجل طماع وحاقد..لا يوجد في قلبك ذرة رحمة..يا أخي حرام عليك..اتق الله.

وانفجر من بين الحضور صوت قوي كأنه قذيفة دبابة..لم يعرف أحد من هو صاحب الصوت: سامحه يا ابن الكلب.

لكن الرجل الدائن راح يصيح بصوت معذب لا يخلو من لعثمات: الواحد منكم لا يريد التبرع للميت بمبلغ زهيد وتافه..لماذا تطلبون مني أن أتبرع له وأسامحه بكل هذا المبلغ الكبير؟ إن قلوبكم مثل الحجر..لا يوجد عندكم رحمة..يا ناس حرام عليكم.. ثم بعد هذا تظنون أنني وحدي أتحمل مسؤولية ذهابه إلى جهنم.أنتم أيضا تتحملون المسؤولية الأكبر لإنكم كثرة..وأنا رجل واحد فقط. علي الطلاق بالثلاثة ما أسامحه.

انبعث صوت من بعض الناس الواقفين بالقرب من المنبر..وصاحوا في وجه الرجل:
نحن فقراء على باب الله..لا نملك حتى مبلغا تافها لنتبرع به..كلنا مساكين.الأغنياء لا يصلون في هذا المسجد..وإذا صلوا أسرعوا إلى الخروج ليتابعوا أعمالم.

لكن الرجل الدائن لم يسكت..إنما رد على كلامهم في ثباب وثقة عالية في النفس كأنه يلقي خطبة عصماء: لقد استدان ميتكم هذا مني كل ما أملك..وأنا إذا سامحته سوف أعود فقيرا معدما أتسول النقود من العابرين في الشوارع والميادين..وسوف أتشرد..ولن أملك من هذه الدنيا حطامها..ولا حتى عود ثقاب..حينئذ هل سوف تنفعونني؟ وها أنا أمامكم أقول لكم بصراحة تامة وبلا أي مراوغة: أنا لم أطلب منه ولم أقل له أن يموت وهو مدين لي.

رد عليه رجل عجوز نحيل مقوس الظهر.. جلد وجهه مليئ بالتجاعيد ومشفوط إلى داخل فمه:
وهل مات الرجل متعمدا كي يفقرك..أو نكاية بك.

لم تتحمل أعصاب الرجل الدائن كل هذا الكلام..وبدأ دمه يغلي ويفور..وعاد يجعجع: ها أنا ذاهب ولن أسامحه..دبروا أنفسكم..وعلى الميت أن يدبر نفسه يوم القيامة.

تدخل على الفور واحد من حملة النعش: يا ناس..كان الميت حسن الخلق والطباع، فأنا أعرفه.. ليس له أقارب ومقطوع من شجرة..لكنه مات والأعمار بيد الله. كان كثير العبادة والصلاة والقيام..انظروا إلى جسده النحيل لكثرة الصوم..و فوق كل هذا إنه من حفظة كتاب الله.
أخيرا..استجاب الحاضرون كلهم وقد أخذت الرأفة من قلوبهم مأخذها..وبدأو يجمعون ما لديهم من فتافيت النقود. وراح الرجل الدائن يجمعها بكلتي يديه..ولكثرة ما جمعه لم يستطع الإمساك بها جيدا..فاضطر الى خلع قميصه ليضع به النقود وقد حوله الى صرة كبيرة مليئة بالدسم.
ولما دفع الناس كل ما في جيوبهم من نقود..وقد صاروا مشغولين فيما بينهم بأحاديث جانبية.. وتعليقات حادة مستنكرة تترى هنا وهناك.. لا أحد يدري كيف اختفى الرجل الدائن صاحب صرة النقود من المسجد..ولا حتى حملة النعش..كأنهم في لمح البصر تحولوا جميعهم إلى عدم..أو انشقت الأرض وبلعتهم.

اقترب واحد من الموجودين إلى النعش ليشاهد وجه الميت عله يتعرف عليه..فوجد وسادة طويلة متسخة وممزقة ومليئة بالثقوب.. ممدودة على طول النعش.