احتفاليّةُ مؤسّسة محمود درويش

للإبداع بعامِها الخامس!

، بقلم آمال عواد رضوان

وسطَ حضورٍ كبيرٍ مِن أدباءَ وفنّانينَ وشخصيّاتٍ اعتباريّةٍ واجتماعيّةٍ وروحيّةٍ وسياسيّةٍ ورجال أعمال محلّيّين، ووفودٍ مِن بلجيكا وفلسطين، احتفلتْ مؤسّسةُ محمود درويش للإبداع- كفرياسيف الجليل بعامِها الخامس، وذلك بمشاركةِ توأمتِها البلجيكيّة "مؤسّسة سوليداريس"، في قاعةِ قصر الباشا بدير الأسد الجليليّة، بتاريخ 6-12-2013، وبالتعاون مع مجلس دير الأسد.

وقد ضمّ الوفدُ البلجيكيّ الضيفُ رفيعُ المستوى مِن مؤسّسة سوليداريس كلًّا مِن؛ وزيرة الثقافة البلجيكيّة السيدة فضيلة لعنان، والسيّد فيليب ماو رئيسُ كتلةِ الحزب الاشتراكيّ في مجلس الشيوخ، وعضوَ إدارة جمعيّةِ سوليداريس ووزيرَ التعليم السابق السيّد فريدريك بوفيس، والسيّدة ليندا كولت ممثلة حركةِ النساء في مؤسّسة سوليداريس ومديرة المركز الصحي والوقاية للنساء، والسيّد مرتان ووتي مدير مهرجان التضامن والمدير الإعلاميّ في مؤسّسة سوليداريس، ورئيسَ الوفد حسين شعبان مدير مؤسسة سوليداريس. وشاركَ أيضًا وفدٌ ثقافيٌّ فلسطينيٌّ تألّفَ مِن الأدباء: يحيى يخلف، جورج إبراهيم، عزام الأحمد وجمال زقوت.

تولّى عرافةَ الحفل الإعلاميُّ زهير بهلول، وتوالت كلماتُ كُلٍّ مِن: السيد عصام خوري مدير المؤسّسة، ورئيسُ المجلس المحلّيّ دير الأسد السيد أحمد ذباح، والسيد حسين شعبان مدير مؤسّسة سوليداريس البلجيكيّة، والسيد عبد الخالق أسدي، والكاتب محمّد علي طه، والكاتب يحيى يخلف، وكلمة وزيرة الثقافة البلجيكيّة فضيلة العنان، وكلمة المحامي جواد بولس. وقد تخلّلَ الكلماتِ وصلةٌ موسيقيّة غنائيّة للفنانة ميرا عوض، والمايسترو د. تيسير حدّاد، مِن كلمات محمود درويش، أضفتْ لمسةً إبداعيّةً فنيّةً. وفي نهاية الاحتفال تمّ تكريمُ أعضاء الوفد البلجيكيّ، والتقاطُ الصور التذكاريّة!

جاءَ في كلمة عريف الحفل الإعلاميّ زهير بهلول: هذا المهرجانُ تتبنّاهُ "مؤسّسة مركز محمود درويش للإبداع- كفرياسيف"، بالتعاون مع مجلس دير الأسد المحلّيّ، لإبقاء إرث الراحل محمود درويش إلى الأبد.

وأَضاف: هناكَ شخصيّاتٌ سردميّةٌ قابعةٌ في القلوب دائمًا وأبدًا، رغمَ أنّها رحلتْ عنّا. "مؤسّسة محمود درويش للإبداع" نقشتْ على رايتها، أهمّيّةَ إبقاءِ هذا الإرث لإحدى الشخصيّات الرياديّةِ في حياتنا الثقافيّة، وإن شئتم، في حياتنا السياسيّة. رحلَ محمود درويش، ولم يَغِبْ عنّا هذا الإرثُ الكبير، ولكن أنا لا أستطيعُ أن أتحدّثَ معكُم في بداية هذا اللقاء، دون أن أذكرَ رحيلَ شخصيّةٍ أخرى، رسمتْ خريطة الطريق للقرن الحديث. رحلَ عنّا نلسون مانديلا، ونحن إذ نستذكِرُ أنفسَنا، نكون دائمًا على يقينٍ، بأنّ طريقَ هذه الشخصيّة الأسطوريّة، هي تمامًا كطريق الشعب الفلسطينيّ، الذي عانى الأمرّيْن خلالَ عقودٍ طويلةٍ من الزمان.

كتبَ الكثيرونَ عن نلسون مانديلا، وأشارتْ إحدى الصحف، بأنّه "وُلدَ عبدًا، ولكنّه ماتَ حُرّا". ولا أعتقدُ أنّ هناكَ كلماتٍ صائبة أكثرَ مِن ذلك، كي تعكسَ دربَ هذه الشخصيّةِ الرياديّة، كما رُسمتْ ونقشت في قلوبنا، وفي أسفار التاريخ التي ستكتب عنه الكثيرَ الكثير، ولكن ما العمل، وتاريخ الشعوب في هذه الدنيا جعلت مِن الناسِ مَن يَعيشُ أحيانًا في قمع وإجحافٍ ما بعدَهُ إجحافٍ وقمع، وإن كانت هذه الأمورُ ليست بعِدويّة، فهي نوعٌ مِن العدويّة التي يرتئيها البعض حقيقة الأمر.

إنّ محمود درويش حينما رحلَ، تركَ لنا الكثيرَ كي نُذكّر ونستذكرَ، وهذه المؤسّسة التي تقفُ وراءَ هذه الفكرة، هي مؤسّسة ثريّة العطاء، وخلال خمس سنوات استطاعتْ أن تُحقق الكثيرَ، وأعتقدُ بأنّ هذا الكمّ وهذا النوع ما قبل الكمّ، هو الذي يعكسُ أهمّيّة مؤسّسةٍ مِن هذا القبيل، وهذا أكثر مِن مؤشّر، بأنّه بالرغم من سياسةِ الإقصاءِ التي تتبنّاها الحكومة الإسرائيليّة، إلّا أنّ القضيّة الفلسطينيّة باقية ومتنفسة، تضربُ وتَركلُ وتعيشُ إلى الأبد.

حينما وصلَ نبأ رحيل نلسون مانديلا، أغمضتُ عينيّ وتذكّرتُ وقلتُ لنفسي: اضطهاد؟ فنحن مِن المضطهَدين. عنصريّة؟ فنحن ممّن نُعاني مِن هذه العنصريّة. معاناة؟ فنحن نُعاني ونئنُّ تحتَ وطأةِ المعاناةِ مرّة تلوَ الأخرى. السجن الذي قبَعَ فيهِ مانديلا؟ فكَم منّا قبَعَ في السجن، المَنفى، الغربة، العزلة، الاكتئاب؟ ولكن إلى جانب ذلك كان النضالُ، وانتصابُ القامةِ والشموخ، والكرامة كانت بمثابةِ نبراسٍ اهتديْنا به، وسنستمرّ نهتدي به حتّى الرمق الأخير، وسيعيشُ هذا الشعب إلى الأبد، وسيُحقق أمانيهِ وأحلامَهُ، وستقومُ في نهاية المطاف دولةُ فلسطين، فأهلًا بالإخوان القادمينَ مِن المناطق الفلسطينيّة، مَن حضروا الليلة، الأخ يحيى يخلف، عزام الأحمد، جمال زقوت، و(أنا حينما أرى الأخ جورج إبراهيم أنفعِلُ)، فأنتم دائمًا في القلوب حيّاكم الله، وأنتم دائمًا لنا العنوان والمصدر.

وجاءَ في كلمة السيّد عصام خوري مدير المؤسّسة: الأخواتُ والإخوة مساء الخير. كلّ الوجوهِ التي عرفتُها وعرفتني تُلاقيني بجماليّةٍ عاليةٍ هذا المساء، فاسمحوا لي في البداية أن أشكرَكم وأحيّيكم، وأرحّبَ بكم جميعًا بأعذب عباراتِ الودّ والترحيب ومَشاعر الأخوّة والصداقةِ والإخلاص. أشكرُ الجمهورَ الكريم، جمهورَ مؤسّسة محمود درويش للإبداع، الذي يُعتبرُ العمودَ الفقريَّ لهذهِ المؤسّسة.

الزملاءُ المتحدّثونَ في هذه الأمسية؛ عريفُ الحفل، والفنّانونَ، والزملاءُ أعضاءُ مجالس مؤسّسة محمود درويش، والمجلس الاستشاريّ، والمجلس الثقافيّ الأعلى، والأخ العزيز مفيد حزان مُراقب الحسابات، الذي وقفَ معنا منذ اليوم الأوّل بدون مقابل أشكرك، وأشكر الزميل الشاعر معين شلبية على إدارة موقع المؤسّسة، أشكر الجميعَ على الدعم والتوجيه والمشاركة في رسم وتنظيم وتنفيذ مشاريع ثقافيّة قمنا بها خلال السنوات الخمس الفائتة، وأصبحنا من خلال عملنا الدؤوب مؤسّسة ثقافيّةً فاعلةً في مجتمعنا العربيّ الفلسطينيّ.

"مؤسّسة سوليداريس"، والتي يقفُ على رأسها الأخ والصديق العزيز مديرُها حسين شعبان، يَعجزُ اللسانُ عن وصفِ قيمتِها ودعمِها لنا، ووقفتِها معنا في أحلكِ وأصعبِ المواقفِ والظروف، والتي لولاها لما استطعنا إنجازَ ما أنجزناهُ إلى الآن.

الوفدُ البلجيكيُّ الضيفُ رفيعُ المستوى مِن مؤسّسة سوليداريس؛ وزيرةُ الثقافة البلجيكيّة السيدة فضيلة لعنان، والسيّد فيليب ماو رئيسُ كتلةِ الحزب الاشتراكيّ في مجلس الشيوخ، وعضوُ إدارة جمعيّةِ سوليداريس ووزيرُ التعليم السابق السيّد فريدريك بوفيس، والسيّدة ليندا كولت ممثلة حركةِ النساء في مؤسّسة سوليداريس ومديرة المركز الصحي والوقاية للنساء، والسيّد مرتان ووتي مدير مهرجان التضامن والمدير الإعلاميّ في مؤسّسة سوليداريس، والعزيز رئيسُ الوفد حسين شعبان مدير مؤسّسة سوليداريس، أهلًا بجميعكم.

الوفدُ الثقافيُّ الذي يُمثّلُ الكُتّابَ والشعراءَ والفنانينَ والمثقفينَ مِن رام الله، برئاسة الكاتب والأخ الصديق يحيى يخلف وزير الثقافة السابق، وبمشاركة الأخ عزام الأحمد، وجمال زقوت، والأخ جورج إبراهيم، مرحبًا بكم.

الكُتّابُ والشعراءُ والمثقفونَ المَحلّيّون، وأعضاء الكنيست، ورموز الإعلام والثقافة والفن، ورجالُ الأعمال، ورؤساءُ وأعضاءُ بلديّاتٍ ومجالسَ محليّة أهلا بحضوركم. أشكرُ مجلسَ دير الأسد على استضافتِهِ لنا، وتقديمِهِ الدعمَ الكافي لإنجاح هذه الأمسية، وأشكر رئيسَ المجلس السيد أحمد ذبّاح، وجبهة دير الأسد الديمقراطيّة، وأخصُّ الإخوةَ نصر صنع الله، وقاسم خطيب.
ولنا الشرفُ العظيمُ لانضمامِ ثلاثة أعضاء شرف لإدارة مؤسّسة محمود درويش وهم: السيّدة فضيلة لعنان وزيرة الثقافة البلجيكيّة، والسيّد فيليب ماو رئيس كتلة الحزب الاشتراكيّ في مجلس الشيوخ، والسيّد حسين شعبان مدير عام مؤسّسة سوليداريس.

وجاء في كلمة السيد أحمد ذبّاح رئيس مجلس دير الأسد المحليّ: مع حفظ الألقاب أضمُّ صوتي لصوت أخي عصام خوري، وأُحَيّي جميعَ الشخصيّات التي ذُكرتْ أسماؤُها، مِن ضيوفٍ وأهل بلد، أهلًا وسهلًا بكم جميعًا، وأُرحّبُ بكم في هذا المكان، وفي هذه الأمسيةِ اللامعةِ التي يُزيّنُها حضورُكم، للاحتفال بذكرى طيّبةٍ عزيزة نعتزّ بها ونُحييها معًا، وهي الاحتفال بالذكرى الخامسة لمؤسّسة إبداع، التي تحملُ اسمَ شاعرنا الكبير محمود درويش ابن دير الأسد، وابن البروة، وابن الوطنِ وكلّ قريةٍ ومدينةٍ عربيّة في هذا الوطن، الذي يَعتزُّ ويَتباهى به كلُّ عربيٍّ في كلّ مكان، ونفخرُ بمؤسّسة إبداع وباسمِها، وبمُؤسّسيها وكلِّ مَن يرعاها، وكلّنا فخرٌ بكَ يا محمود، أيّها الجارُ الطيّبُ منذ صبانا، ومنذ قلتَ: سجِّلْ أنا عربيّ. كلّنا شموخٌ بكَ وبدوْركَ الرائدِ الوطنيّ، والأدب المُقاوم الذي تشهدُ عليهِ أشعارُكَ الكثيرة، والمُدوّنة في كتبك المنتشرة في كلّ مكان. كلّنا كبرياءٌ وقوّةٌ بصوتكَ وشعركَ وقوْلكَ الذي يُعطي طعمًا للحياة، حينما قلتَ: "على هذه الأرض ما يستحقُّ الحياة". لقد قلتها ورحلتَ. قلتَها لأبناءِ شعبكَ ولأجيالِهِ القادمة، فهنيئًا لكَ بما قلتَه في الحياةِ مِن أجل حياتنا، فما زالَ عطرُ ذكراكَ في دير الأسد التي ضمّتكَ طفلًا في بيتها، وتلميذًا في مدرستِها، وعشتَ بين أهلِها وناسِها الذينَ ما زالوا يَذكرونَكَ، وحينما رحلتَ، كانَ رحيلُكَ عليهم أليمًا. إنّ المؤسّسة التي أُقيمتْ لذِكراكَ، تحتفلُ اليومَ بعامِها الخامس، وتطلُّ علينا مِن براءةِ عُمر الطفولة، وهي تمضي في إبراز أدبكَ، لتَطَّلِعَ عليهِ الأجيالُ، وليكونَ ناموسَ حياةٍ كريمةٍ فوق هذه الأرض التي أحببتها أنت، وليكونَ أدبًا مُتواصِلًا مع أسمى الآداب، ومع أبناءِ شعبنا في كلّ مكان، مِن خلال الندوات والتكريمات الثقافيّة لرجال العلم والأدب والإبداع لشعبنا عامّة. باسمِ المجلس المحلّيّ لدير الأسد؛ ورئيسِه، ونائبه المحامي نصر صنع الله، وأعضائِه.

باسمِ مؤسّساتِ دير الأسد وبيوتِها وأرضِها وتاريخها الذي نفخرُ به، وباسم التاريخ الذي يَفخر بكوْن محمود درويش أحد مواطنيها صامدًا، نرفع رؤوسنا عاليًا بفخرٍ كبيرٍ لهذه المؤسّسة، ونحني هاماتنا فخرًا وإجلالًا لكم ولجهودكم. دمتم ذخرًا ورمزًا للعطاء.
وفي مداخلةِ السيّد عبد الخالق أسدي جاء: محمود درويش في ذاكرة دير الأسد:
سيّداتي سادتي؛ أيّها الحضور الكريم مع حفظِ المناصب والألقاب، أسعدتم مساء بكل الخير. أتقدّمُ بخالصِ الشكر والتقدير للقائمينَ على هذا الاحتفال، بإدارةِ الكاتب عصام خوري، والمحامي جواد بولس، وبالتعاون مع مجلس دير الأسد المحليّ برئاسة أحمد ذبّاح. إنّها لفتةٌ إنسانيّةٌ ثقافيّةٌ إبداعيّةٌ ووطنيّةٌ من مؤسّساتِنا العربيّة، تليقُ بمقامِ شاعرِنا العظيمِ الذي نقفُ إكبارًا وإجلالًا له، لإحياءِ ذكراهُ، وإنعاشِ ذاكرةِ الأجيالِ القادمةِ لمَسيرتِهِ الطويلةِ، العامرة بالعطاء شعرًا ونثرًا، والشامخة بالإباء والعِزّ والفَخَار. إنّنا أمّةٌ عريقةٌ بالحضارةِ والعِلم، والثقافةِ التي انطلقتْ مِن بلادِ الشامِ من دجلة والفرات إلى نيل مصر، من المشرق العربيّ إلى المغرب العربيّ، بهدفِ الحفاظِ على جذورِنا الراسخة في تاريخنا العريق، من العصور الذهبية التي وصلتْ إلى الأندلس حتّى أيّامنا هذه: نحن الذين أعرْنا الكوْنَ بهجتَهُ/ لكنّما الدّهر إقبالٌ وإدبارُ/ منّا اكتسبَتْ حُقب ألوانها وبنا/ رفّتْ على الصورِ الجرداءِ إطارُ/ تذوّبَتْ في بناتِ الضادِ أنظمةٌ/ وفلسفاتٌ وآراءُ ... وأفكارُ

وفي هذا السياقِ أردتُ أن أحصُرَ كلمتي، بالفترة الزمنيّةِ التي عاشَها محمود درويش في دير الأسد، ما يقاربُ العشر سنوات وعلاقتي الشخصيّة معه. كنّا أولادَ صفّ، وتعلّمنا معًا المرحلةَ الابتدائيّة في دير الأسد، في النصف الأوّلِ مِن سنوات الخمسين من القرن الماضي، وكانت تربطُني به علاقةٌ حميمةٌ، وبالمرحوم الأستاذ أحمد محمود أسدي- أبو رؤوف، وكانت الراديو إحدى الوسائل التي جمَعَتْنا مع بعض عند أبي رؤوف، وعندي راديو الأمل الكبيرة تعملُ على بطاريّةٍ كبيرةٍ مثل بطاريّةِ السيّارات، ولها أنتينة على سطح البيت مثل تلفزيونات اليوم، فاستمعنا معًا لأغاني عبد الحليم، وعبد الوهاب، وأمّ كلثوم الذين أرهفوا حِسَّنا الوطنيَّ في زمن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. أحبَّ درويش البرامجَ الإذاعيّة مِن القاهرة، وكنّا نجلسُ الساعاتِ الطِّوالَ حولَ المذياع، نستمعُ لبرنامج: "لغتُنا الجميلة" لفاروق شوشة الذي كان يَبدأ، إنَّ البحرَ في أحشائِهِ الدُّرُّ، فهل سألوا الغوّاصَ عن صدفاتي؟ وبرنامج "على الناصية"، لآمال فهمي الذي كانَ يُذاعُ في الساعةِ الواحدةِ والنصفِ مِن كلِّ يومِ جمعة لمدّة ساعة، وبَعدَها نستمعُ إلى التعليق السياسيِّ للصحفيِّ المُخضرَمُ محمّد حسنين هيكل (أطالَ اللهُ في عُمرِه)، تحت عنوان "بصراحة"، الذي كان يُذاعُ مِن صوتِ العرب، في الساعة الثانية والنصف من كلّ يوم جمعة.

وأذكرُ أنّ محمود درويش تولّعَ منذُ صِغرِهِ بنجاة الصغيرة وعشِقها كثيرًا، وكانَ محمود قد بدأ يُخربشُ الشعرَ على أوراقٍ صغيرةٍ يُخفيها عن الجميع، إلّا عن أبي رءوف الذي كان يُنافسُهُ في حبِّ اللغةِ العربيّة. امتازَ محمود بأدبيّاتِ اللغة، وامتازَ أحمد بقواعدِها، وتذوّقَ الأدبَ والشعرَ، فكان يُصلِحُهُ بالقواعدِ والحركات. كانَ يقرأ محمود الشعرَ أمامَنا، وشَعراتُهُ الشُّقرُ تتدلّى على وجهِهِ، ويُداعبُهم ويَشدُّهم بأصابعِهِ مُمعِنًا النظرَ بالورقة ويَنشُقُ، وأحمد يَضحكُ، ويَستمعُ ثمّ يُبدي ملاحظاتِهِ، وأنا أشاهدُ معهما المسرحيّة، وليسَ لي كما لهما مِن مَلَكةِ الشعرِ وقواعدِ اللغة، إنّما شاهدٌ عليهما وعلى العصر.

عرفتُ محمود من الابتدائيَة قارئًا عنيفًا، إن أمسكَ كتابًا لا يتركُهُ حتّى يُنهيه، ولا ننسى أنّ أحمد وزكي مِن هذه الأسرةِ العريقةِ أدبًا وقصّة، أمّا بالثانويّة فكان محمود مِنَ القرّاء الجبابرة، مُطالِعًا مِن الدرجة الأولى، وكانت الكُتبُ عزيزةً في النصف الثاني مِن الخمسينات من القرن الماضي، وكانت تصلُ إلى الثانويّة كُتبٌ مِن الجامعةِ العبريّة، يتنقّلُ الكتابُ في الليلةِ الواحدة بين عددٍ كبيرٍ مِن طلّابٍ مُتعطّشينَ للقراءة، ومحمود أوّلُ الواردينَ على الشعرِ والأدب، وأوّلُ الساقينَ مِن شرابِ شِعرهِ العذب. كان مِن رفاقِ دربِهِ وأولادِ صفّهِ الأديبُ والشاعرُ المرحوم سالم جبران، وأطالَ اللهُ في عمرَيْهما الأديبُ محّمد علي طه والكاتب نمر نمر. وآخِرُ نادرةٍ أذكرُها عندما كُنّا في الصفّ الثاني عشر، وكنتُ جالسًا بجانبه، وكانت تُعلّمُنا درسَ العبريّ معلّمةٌ يهوديّة، من الصفّ التاسع حتى الثاني عشر، اسمُها شوشنة لبيدوت، وكان المألوفُ حينَها أن يقفَ الطلّابُ احترامًا للمعلّم، مع دخولِهِ للصفّ في بداية كلّ درسٍ، وكانت للمعلّمة شخصيّةٌ قويّةٌ عسكريّة، اقترحَ محمود أن لا نقفَ لها عندما تدخلُ إلى الصفّ، وهكذا كان. طلبَتْ منّا القيامَ فرفضنا، فتركت الصفّ وأحضرَتِ المدير، وكان المديرُ يهوديًّا عراقيًّا اسمُهُ عوزي لويا ابن عرب، أي يُجيد اللغة العربيّة جيّدًا جدًّا، طلبَ منّا القيامَ فرفضنا، فتوجّهَ المديرُ لمُربّي صفّنا المرحوم نمر توما، فجاءَ واحترمناهُ، وأشارَ محمود لنا بالقيام فقُمْنا.
وكانَ آخِرُ لقاءٍ لي معهُ في حيفا بمطعم إسكندر، قبلَ أن يُغادرَ إلى الاتّحاد السوفييتي عام 1971، طلبتُ منهُ ألّا يُغادرَ فرفضَ، لأنّ طموحاتِهِ الشخصيّةَ منذُ صِغرِهِ أن يَشتهرَ، ويُصبحَ شاعرًا عربيًّا مشهورًا عالميًّا، وحقّقَ ما كان يَصبو إليه، هذا هو محمود كما عرفتُهُ مِن علاقتي المتواضعةِ معه، رحمَ اللهُ شاعرَنا عاشقَ فلسطين وعصفورَها المُغرّد، شاعرَ البلادِ والعبادِ، شاعرَ الأشجارِ والأحجارِ، شاعرَ الجرح الفلسطينيّ درويش، الأسطورة التي مِن الصعبِ أن تتكرّرَ، وقلّما يَجودُ الزمانُ بمِثلِه.

وفي مداخلة رئيس الوفد حسين شعبان مدير مؤسّسة سوليداريس جاء: لماذا محمود درويش؟ لأنّ محمود درويش كانَ وما يزالُ أجملَنا. لا نستطيعُ أن نُصنّفَه كشاعرٍ عاديّن، فهناكَ بعضُ الشعراء الذين اختارتهم الأقدارُ ليكونوا رموزًا، وليسوا فقط شعراء. وفي تقديري أنّهُ واحدٌ مِن هؤلاء الشعراء، فقد احتلَّ مكانةً أكبرَ بكثير مِن مُجرّد أنّه شاعرٌ كبير، ولهذا حينما يُقيَّمُ كشاعرٍ في مسيرةِ الشعر العربيّ والعالميّ، نقفُ وقفةَ إجلالٍ وإكرامٍ لتراثِ هذا الشاعر الكونيّ العظيم!

ولماذا مؤسّسة سوليداريس تحترمُ وتُقدّرُ وتتعاملُ مع مؤسّسة محمود درويش للإبداع بالذات؟ انطلاقًا مِن مفهوم معنى الثقافة لدينا، واتّكاءً على مِحورها ورَكيزتِها الأساسيّة، ألا وهو الإنسان، جاءَ تعاملُنا وعونُنا ودعمُنا للبرامج والمشاريع المتنوّعة، التي تقومُ بها هذه المؤسّسة العونُ في مجال التنمية البشريّة وبناءِ القدراتِ، فتنوّعتْ وتعدّدتْ، وهي تستهدفُ الشرائحَ الأكثرَ تأثيرًا في المجتمع، ألا وهي الثقافة، وكيف لا، وهي تُرسّخُ إرثَ وأثر وميراثَ صاحب الكلمة، الشاعر الكبير محمود درويش، بواسطة مؤسّسته هذه، المؤسّسة التي صانت وتصونُ وبكلّ أمانة وإخلاص طريقَ الإنسانيّة، وذلك سعيًا منها لإحداثِ النقلة النوعيّة فيها، بتخليق طاقاتها وصقل مهاراتها، يما يُمكّنها من أن تصبحَ أدواتِ بناءٍ فعّالة، تُسهمُ في إحداث التنمية، وإدارة عجلتها، وتجديدِ منابعها، تحقيقًا لنهضةِ وطن ثقافيٍّ وبناءِ مستقبله! لقد أولتْ مؤسّسةُ سوليداريس اهتمامَها بمؤسّسة محمود درويش للإبداع/ الجليل، انطلاقًا مِن رؤيتِنا بأنّها هي المَخرجُ الآمِنُ، والمفتاحُ الذي يمكنُ عن طريقِه أن نفتحَ الباب على مصراعيْه، لنُعلنَ اليومَ أنها المؤسّسةَ التوأمّ لمؤسسة سوليداريس، وهي مَن تُمثّلُ مؤسّستَنا في هذه البلاد، وذلك تقديرًا واحترامًا لعملِها ومسيرتِها، وخاصّةً للإخوة؛ مديرها وإدارتها.

وأنتم مَعشرَ المُثقفين، سيّداتي وسادتي، جئتم وجئنا خصّيصًا، كي نحتفي بالشعر، بالكتابة، بالفنّ، نحتفي معًا بمناسبةِ مرور خمس سنوات على تأسيس مؤسّسةِ محمود درويش للإبداع، ولأنّنا نحتفي بالإبداع، ولأنّنا نحتفي بالحياةِ الكلمة، تلكَ الكلمة التي تخترقُ الأبعادَ بدون تأشيرةِ دخول، تحملُ شعارَها الأوّل "في البدءِ كانَ الكلمة"، وقد كان لي الشرفُ العظيم أن أكونَ أحدَ المُساهِمينَ في حركةِ وحَراكِ هذه الكلمةِ وتطوّرها، كإحدى الأدواتِ الأهم في التواصل الحضاريّ والثقافيّ والإنسانيّ بين الأمم والشعوب، على اختلاف ثقافاتها وتوجُّهاتها الفكريّة، فالفنون تُوحّدُ البشرَ بما تحملُهُ مِن قِيمٍ ومَعانٍ تُشكّلُ جوهرَ الإنسان، وتُعبّرُ بأرقى وأصدقِ ما يمكنُ عن روحِهِ ووجدانِهِ وانتمائِهِ الأكبر للبشريّةِ والإنسانيّة، فيما يتعدّى الانتماءاتِ الضيّقةَ التي تَخطّتها الفنونُ والآدابُ الإنسانيّة عبرَ العصور، ولا بدَّ لنا في هذه الأمسيةِ أن نستذكرَ أحدَ أهمّ وأكبر رموزِ أدبنا المحليّ والعربيّ والعالميّ، الشاعر الراحل محمود درويش، وما من شكٍّ أنّ غيابَ محمود درويش المبكّر، يُلقي على عاتقِنا مسؤوليّةَ العمل على تطوير أدبنا وإبداعِنا، بحيثُ يتوافقُ مع المستوى الرفيع الذي أوصلَهُ محمود درويش إلى العالم، وعي جميع الشعراء والكُتّاب والفنانين والمُبدعين، أن يكونوا أمناءَ لرسالةِ الإبداع الراقية هذه. أباركُ لكم أيّتها الأخوات والأخوة بهذه الأمسية، وأتمنّى أن نلتقي على الخير والمحبّة دائمًا، وأن يعمّ السلامُ أرضَ السلام على هذه الأرض المُقدّسة.

وأخيرًا؛ إنّنا في مؤسّسةِ سوليداريس نقدّمُ العوْنَ، ونسعى لترسيخ عملٍ ثقافيٍّ مجتمعيٍّ يقومُ على قواعدِ الشراكةِ والديمومة والابتكار بيننا، وبين مؤسّسة محمود درويش للإبداع الجليل، فكلُّ عام وأنتم بألف خير.

وجاءَ في مداخلة الكاتب محمّد علي طه: جمَعَتنا قصيدتُك، وفرّقتنا قصيدتُك، منذ سقطَ ريشُ الحرام عن عصافيرك، ونمَتْ لها أجنحةٌ، وحطّتْ على أوراق زيتون الجليل الخضراء، تغرّدُ للعاشق الفلسطينيّ الذي صمّمَ أن يَدحَرَ آخرَ الليل، ونحنُ نُرافقُكَ، نشربُ القهوةَ مع سرحان في الكافيتيريا، ونُغنّي للحبيبة كي تنهضَ مِن نومِها، هي أغنيةٌ في مَديح الظلّ العالي، ظِلِّ العملاقِ الأخيرِ المُعلّقِ على الجداريّة، الذي قُتِلَ في الحصارِ الأخير. جمَعَتنا قصيدتُك، رحلتَ وغادرْتنا، وتركْتَها ترى ما تريد. نلتقي بها يوميًّا حينما نتناولُ فطورَنا مِن خبز أمّهاتِنا، ونتذكّرُ وصايا حوريّة، وعزيزة، وجميلة، وفاطمة وزينب، نشربُ قهوتهنَّ المُهيّلةَ، وننتشي برائحتِها وطعمِها. سألني طفلٌ أسمرُ في تل السبع، كما سألتني طفلةٌ خضراءُ العينيْن في عيلوط، إن كنتُ أعرفُكَ أو جلستُ معك، وقمتُما غابطيْن، وهمسَتْ في أذني تلميذةٌ مثلَ الزنبقةِ في ترشيحا: هل صحيح أنّ صاحبَكَ كان يُحبُّ الزيتَ والزعترَ؟ فقلتُ: والملوخيّة أيضا.
جمعَتنا قصيدتُكَ على هذه الأرض، سيّدةُ الأرض، ما يستحقُّ الحياة. جمَعْتَنا في حُبّ الكلمةِ النقيّةِ الطاهرة، في حُبّ الكمنجاتِ واللازوَرد، والتراب والطيور، والنحل والفراشات والغزالات، في حُبّ النساءِ الطويلاتِ والقصيرات، الشقراوات والسمراوات والقمحيّات، ونَحومُ ولا نرُدُّ بعدَمٍ إن غزانا المرضُ والهرم. جمَعَتنا في حُبّ المُهرةِ والحصانِ، والبئرِ الأولى، وقنطرة البيت، وطريق الساحل، وشجرة الخرّوب، وشجرة الصبّار التي تقول: هنا كانت البروة، وهنا كانت ميعار. جمعَتنا قصيدتُكَ في ساحةِ العين في كفرياسيف، التي تحملُ مؤسّستُها للإبداع اسمَكَ، إلى ساحةِ المنارة في رام الله، حيثُ ضريحك ومؤسّستك وأناسك، إلى عمّان ودمشق، وبيروت والقاهرة، وتونس وباريس، هناك تقول البيوتُ: كان الفتى هنا، وتشهدُ الشوارعُ بأنّ الفتى مرَّ مِن هنا.. وفرّقتْنا قصيدتُك، واختلفنا في مقدار حُبّنا لها وحُبّنا لك. أسفروك ليأخذوك منّا، من الصداقة والمَحبّة، وصارَ أبطالُ روايات نجيب محفوظ وماركيز وكازانتزاكيس يَزعُمون، بأنّهم شربوا القهوة والنبيذ والشاي معك، وأكلوا وإيّاك الفول والطعميّة، وتزعُمُ سناء أنّكَ أنتَ الخجولُ غمَزْتَها على شاطئ النيل، ويدّعي سنتياغو أنّك سكنتَ معه على سطح بيتٍ في الحيّ القديم، ويُقسِمُ زيد بأنك كنتَ توقظُهُ في آخِرِ الليل، لتقرأ له قصيدتَك التي لم تقرأها لسليم وحورية.
أسطروكَ.. أسطوروكَ يا خيا؛ دخلَتْ قصيدتُكَ بيوتَ الأهل والأصدقاء والأحباب، وراوحْتَ بيوتَ الأعداء. تذكُر في الستينات، قرأ ليفي أشكول مَقاطعَ مِن قصائدِك في الكنيست، ليُبرّرَ ظلمَهُ لشعبنا، واستمرارَ الحُكم العسكريّ البغيض علينا، وفي أواخر الثمانينات قرأ يتسحاق شمير قصيدتَك "عابرون في كلامٍ عابر" في الكنيست، أيضًا ليُبرّرَ الاحتلالَ وتكسيرَ العظام. كانوا وما زالوا يَخافونَ قصيدتَك. هل يقرأ أيتامُ شارون ما تقولُهُ قصيدتُكَ اليوم؟ وهل يَفهمُ بيبي أبياتَها، ويتذوّقُ موسيقاها وتفعيلاتها؟ هل يتطهّرُ بحروفِها، أم أنّهم يتلونها رعبًا؟

أمشي كأنّي واحدٌ غيري/ وجرحي وردةٌ بيضاءُ إنجيليّة/ ويَدايَ مثل حمامتيْن على الصليب/ تُحلّقانِ وتَحملانِ الأرض/ لا أمشي/ أطير/ أصيرُ غيري في التجلّي/ لا مكانَ ولا زمان/ فمَن أنا/ أنا لا أنا في حضرةِ المعراج/ لكني أفكّر/ وحده/ كان النبيّ محمّد يتكلّمُ الفصحى/ وماذا بعد/ ماذا بعد/ وفجأةً صاحتْ جنديّة/ أوي فِ أفوي/ هل أنتَ ثانية/ ألم أقتلك/ قلتَ: قتلتِني/ ونسيتُ/ مثلكِ/ أن أموت.
جمعَتنا قصيدتُكَ وفرّقتْنا قصيدتُك، فشكرًا لمَن جمعَنا في هذه الأمسية، وسلامًا لمَن جمَعَنا ويَجمعُنا.

عقّبَ عريفُ الحفل الإعلاميُّ زهير بهلول: هناكَ أحيانًا مجالٌ لكلماتٍ مُسهبةٍ ولكلماتٍ هادفة، كما جاءتْ على لسان الأستاذ الكاتب محمّد علي طه، وأنا أحاولُ أن أبرهنَ ذلك، فرغم أنّ هذا العهدَ هو عصر الآيفون والتابلت، ورغم أنّ الأولاد والنشء يلتئمون مع التكنولوجيا أكثر ممّا يلتئمون مع كلماتكم أنتم الأدباءُ والشعراءُ، ولكن إن أخذنا المثالَ لشاعرنا الكبير الراحل محمود درويش، فهل نستطيع أن نقول بأنّ هذا النشء، لم يكن ليكترثَ لهذه الكلمات وهذه القصائد؟ ألم يُعرّجْ إلى جانب هذه الكلمات وهذه الأبيات؟ ألم تكن هذه الكلمات بمثابةِ النحتِ في الصخر؟ ألم تُنقش في نفوس أولادنا وبناتنا؟ إن كان محمود درويش هو مثالٌ على جدوى هذه الكلمةِ، وبقائِها مُتنفّسةً باقيةً، فأنا أُعوّلُ عليكم أنتم الأدباءُ والشعراء، بأن تستمرّوا في هذا العطاء المستفيض، كي يَذهلَ منكم مَن لا يريد ذلك. ولكن إن كنتم ذوي إبراقاتٍ في كتاباتكم وحياتكم، فإنّهم لا بد أن يَقرؤوا وأن يتأثروا مِن هذا العطاء، الذي يَجيء مِن خلال كلماتكم وعطائكم أنتم، فهذه الكلماتُ والتداعيات جاءتني بفضل كلمات الأستاذ محمّد علي طه، التي نُقشتْ في الفهم وأثّرت، وأعتقد بأنّك بلا شك تُمثّلُ استمرارًا لهذا المذهب الذي بدأ بمحمود درويش، ولا ينتهي لا اليومَ ولا غدًا ولن ينتهيَ أبدا.

أمّا الآن فنكون مع الفنان د. تيسير حداد ابن ترشيحا، وميرا عوض بنت الرامة، التي كانت إلى ما قبل فترةٍ من الزمان عروسَ الجليل، ونرجو أن تعودَ إلى سابق عهدِها، كما غابَ الكثيرُ مِن النشْءِ في قرانا وبلداتنا، فنرجو أن يعودَ هذا المجدُ إلى صفوفِ وربوع هذا البلد.
وفي كلمة السيّد فيليب ماو رئيسُ كتلةِ الحزب الاشتراكيّ في مجلس الشيوخ، التي ترجمَها للعربيّةِ الأستاذ سهيل عطالله جاء:

بمناسبة إحياء الذكرى الخامسة لتأسيس مؤسّسة محمود درويش للإبداع، بدايةً، أنا كرئيس لمنظّمة سوليداريس البلجيكيّة التي أتشرّفُ برئاستِها، أعلنُ دعمَنا لمؤسّسةِ محمود درويش للإبداع. أعي جيّدًا أنّ الأهمّيّةَ الرئيسةَ لعملِ مؤسّسةِ محمود درويش مع الشباب، ومع الحركات النسويّة، ومع باقي الهيئاتِ، وأنّ تراثَ محمود درويش يجبُ أن يُصانَ، أنّه تراثٌ ثقافيٌّ ليسَ فقط للعالم العربيّ، بل للإنسانيّة جمعاء، لذا مِن الضروريّ علينا كهيئاتٍ تثقيفيّةٍ أن نستمرَّ في نشرِ رسالةِ محمود درويش، التي هي رسالة التسامح والدعم والأمل والإخاء، وعلى مؤسّسة محمود دررويش للإبداع أن تستمرّ في تثقيف الأجيال الشابّة، للتمسّك بهذه الأمور وهذه القضايا، لذا على الشباب أن يستمرّوا في نشر رسالة المحبّة والسلام والحرّيّة، ومن أجل هذه الطموحاتِ أؤكّد لكم دعمَنا، وبهذه المناسبة أذكرُ المرحومَ العظيم نلسون مانديلا، وأؤكّد لكم في هذا المساء قيمةَ نلسون مانديلا، رمزَ التضامن والمُساواة والكفاح من أجل محبّة الإنسان للإنسان، وعلى الديمقراطيّة أن تترعرعَ وتنتشرَ في كلّ أنحاء العالم.
وقال العريف زهير بهلول: لا يسعني إلّا أن أذكرَ في هذه الليلة الشاعرَ أحمد فؤاد نجم، شاعرَ العامّيّة الذي تواصَلَ مع قلوب الناس بكلماتِهِ وفنّه، وقد رحلَ عنّا قبلَ أيّامٍ، وأذكرُ اسمًا آخرَ في هذه الليلة، اسمَ زميل وصديق الراحل محمود درويش أطال الله في عمره، ومدّهُ بمديد العمر والصحّة الشاعر الكبير سميح القاسم.

وجاء في كلمة الكاتب يحيى يخلف: أحيّيكم باسمِ وفدِنا القادم من فلسطين المحتلة من مدينة رام الله، التي تحتضن حديقة البروة محمود درويش، والتي تضمُّ تاريخ الشاعر، ومتحف الشاعر، ومركزًا ثقافيًّا باسم الشاعر، والتي يؤمُّها البسطاءُ والفقراء وأبناءُ البلد وأعيانها، وقادةُ الدول، مثلما يزورون ضريحَ الراحل ياسر عرفات، وأوجّهُ تحيّةً لهذا البلد الأمين دير الأسد وجارتها البعنة، وأوجّه تحيّةً خاصّةً إلى معالي الوزيرة فضيلة لعنان، ولصديقي حسين شعبان مؤسّس جمعية سوليداريس، وأوجّه تحيّة خاصّةً لمؤسّسة محمود درويش في عيدها الخامس، وإلى القائمين عليها من هيئة إداريّةٍ، ومجلس إدارة ومجلس أمناء، وأخصُّ بالذكر الصديقيْن السيّديْن جواد بولس وعصام خوري.

السيدات والسادة، في هذا اللقاء الحميم الذي جمعَنا في حبِّ محمود درويش، أشعر أنّ روحَهُ ترفرفُ في هذه القاعة، وتباركُ توَحُّدَنا، وتضامنَنا، ورسالة المَحبّة التي نُطلقُها لهذه الأرض، التي عليها ما يستحقّ الحياة، ولإنسانها الذي يُطوّرُ حياتَهُ ويُعمّرُها، والذي قد يجوع ويعرى، ولكنّهُ يتحدّى ويَنشدُ الأشعار. ترفرف روحُهُ فوقَنا لتقولَ لنا، لا تتركوا الحصانَ وحيدًا، أحبّوا بعضُكم بعضًا، فالبحُبّ كنوزُ الخير فيكم تتفجّرُ"، ويستشهدُ بقصائد فدوى طوقان ويُكمل، "وستخضرُّ أغانيكم على الحُبّ وتُزهر، لا تتركوا الحصانَ وحيدًا، فالدرب ما زال طويلا، والطريق ما زالت شاقة، والمؤامرات تُحاك، والاحتلالُ يتوغّلُ ويتغوّل، وجرّافات برافر تقتلعُ الجذور، فاتّحدوا حتى يطردَ وحشة الطريق وكآبة المنظر وسوءَ المُنقلب، لا تتركوا الحصانَ وحيدًا. فقد قال محمود درويش عندما كان في بيروت: "وحدي هنا أدافعُ عن جدارٍ ليس لي". وعندما عاد إلى أرض الوطن قال: "لست وحدي، أنا هنا مع شعبي، وأدافع عن جدار لنا". وإنّها رسالة توفيق زياد وسميح القاسم وإبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي ومعين بسيسو، وكلّ المُدافعين الشجعان عن الحريّة والديمقراطيّة والكرامة والإنسانيّة، ورسالة الحركة الوطنيّة في الداخل، رسالة الجبهة ورسالة توفيق طوبي وحنا نقارة وإميل توما وإميل حبيبي. لا تتركوا الحصانَ وحيدًا، فالحصان يُذكّركم هذا اليوم ببطولة القِيم، يُذكّركم بارتقاءِ أيقونة الحرّيّة إلى العلا، أيقونة إفريقيا نلسون مانديلا الذي انتصر على الأبارتهايد والعنصريّة، وألهَمَ الأحرار والشرفاء والمناضلين من أجل الحرّيّة، ومن أجل عالمٍ أكثرَ عدلًا ودفئًا، هزمَ الأبارتهايد بإرادته، فلتكن إرادتُكم صلبةً في مواجهة العنصريّة الجديدة، فوق هذه الارض التي تستحق الحياة، توحّدوا، فالوحدةُ الوطنيّةُ هي سلاحُ الانتصار!

عقّب زهير بهلول: في ظِلّ الفئويّة التي لازمتنا ولا تزال، وخاصّة في الفترة الأخيرة، نحن نبحث عن بارقة أمل فيها إجماعُ. إرث محمود درويش هو بلا شك إرثٌ كما ذكَر الأستاذ يحيى يخلف، فكم نحن بحاجة إلى عناوينَ فيها إجماعٌ، في هذا المجتمع الذي آثر في الفترة الأخيرة أن يتشتّت ويتشرذم ويتفكّك للاسف الشديد، فشكرًا على هذه الكلمة، لأنّها كانت في بالي وجالت في خاطري وفي لبّي، وأنت سبقتني إليها أستاذ يحيى يخلف، وكلمة سولاداريس هي من كلمة سوليداريتي، والتي تعني تضامن وتعاضد، ونبحث عن هذا التضامن خلالَ تفاعلنا وأنشطتنا، واعتقد بانّ هذا الجمعَ الغفير في هذا اليوم الحافل، هو خيرُ دليلٍ على أنّ للكلمة لا يزالُ وقعٌ، وأنّ الناسَ يُؤْثِرونَ أحيانًا الإتيانَ والوصول إلى أماكنَ فيها كلمة، فيها أدب وقصيدة، وفيها إرث ولا يلتئمون فقط مع الموسيقى والمسلسلات، فأنتم بهذه العيّنةِ ذات الجودة الخاصّة، تُمثّلون أهمّيّة هذه اللقاءات، ونشكرُ الأستاذ عصام خوري وجواد بولس على هذا اللقاء، والحفاظ على هذا الإرث!

وجاءَ في كلمةِ وزيرة الثقافة البلجيكيّة فضيلة لعنان التي ترجَمَها حسين شعبان: إخواني، أحبّائي وأصدقائي الأعزّاء، والحضور الكريم؛ يُسعدُني أن أكونَ بينكم في الذكرى الخامسةِ لمؤسّسةِ محمود درويش للإبداع. محمود درويش كان شاعرًا عظيمًا، كان شاعرَ فلسطين، شاعرَ المنفى. كانَ مِن الأعلام، وأعظمُ ما قالَهُ الشعراءُ في عالمِنا العربيّ المُعاصِر، وكذلكَ سميح القاسم وتوفيق زياد، نظروا لإبداع الكلمة مِن أجل السلام والحوار الفلسطينيّ الإسرائيليّ والسلام العادل، والذين أعتبرُهُم بشكلٍ شخصيّ، بأنّهم ناضلوا بشِعرِهِم، وهذا برأيي أسمى أنواع النضال والمقاومة، فهُم بالنسبة لي مِن شعراءِ الحرّيّةِ والسلام.
مؤسّسة محمود درويش لها دورٌ ورسالةٌ كبيرة، وخاصّةً بالنسبة للشبيبةِ والحركاتِ النسائيّة، ودوْرِها الخاصّ في المحافظة على الهُويّةِ الثقافيّة الفلسطينيّةِ في عصرنا هذا. مِن أجل هذا، سأدعمُ بكلّ ما أتيحَ لي مِن قوّةٍ وإمكانيّاتٍ هذهِ المؤسّسة المُوقّرة، واسمَحوا لي أن أقولَ كلمتي لصديقي يحيى يخلف، وقد التقيتُ بالسيّد يحيى يخلف في رام الله قبل سنوات، وكنتُ ما أزالُ وزيرةً صغيرة وجديدة، ونظّمت لي لقاءاتٍ عديدةً بأدباء وفنّانين في رام الله، ومن أجل دور السينما الفلسطينيّة، وقد حدث شيء خاصّ بيني وبين يحيى يخلف، فقد وقعت في حبّ الأدباء والفنّانين الفلسطينيّين، وبفضل هذا الحبّ منذ تلك اللحظة، عام 2008 نظّمتُ لمهرجان كبير، ودعوْت 150 فنّانًا فلسطينيًّا جاؤوا لبلجيكا، وقدّموا عدّة عروض، والشّعب البلجيكيّ اكتشفَ القوّة الفنيّة عندَ الشعب الفلسطينيّ، وأريدُ أن أنهي كلمتي هذه، ببعض مقاطع أعجبتني بشكلٍ خاصّ، لمحمود درويش وسميح القاسم، وتوفيق زياد، مقاطع تؤكّدُ على صمودِ وتحدّي الشعب الفلسطينيّ وإيمانِهِ بقضيّته.

يقول محمود درويش: يُحبُّ بلادًا ويرحلُ عنها/ فهل المستحيلُ يُحبُّ بلادًا/ ويرحلُ عنها/ هل المستحيلُ بعيدٌ؟ يُحبُّ الرحيلَ إلى أيِّ شيء/ ففي السَفَرِ الحُرِّ بين الثقافات/ قد يجدُ الباحثونَ عن الجوهرِ البشريِّ مقاعدَ كافيةً للجميع/ هنا هامِشٌ يتقدّمُ/ أو مَركزٌ يَتراجَعُ/ لا الشرقُ شرقٌ تمامًا/ ولا الغربُ غربٌ تمامًا/ فإنّ الهُويّةَ مفتوحَةٌ للتعدّدِ/ لا قلعةٌ أو خنادق.

وبمقطعٍ مِن قصيدةِ سميح القاسم: أحبُّكِ كما يَشتهي الموت/ أثقلُ وزنًا وأقصر قامة/ أعتلي تجربتي وأمضي/ ما دمت قمّةَ العالم/ ما دام سطحُ الكرةِ الأرضيّةِ مُحدّبا/ فأنا أهبطُ وأبتعدُ/ أهبط وأبتعدُ/ ذاتَ يوم تتلقّفُني الرمالُ المُتحرّكة/ أغوصُ رويدًا رويدًا في أبدِ حُبّكِ المُعتم/ أغيبُ عن الوعي/ أختفي عن الأنظار/ ستشهدُ الجماهيرُ طقوسَ موتي/ ويَحسدُني المُغامرونَ والشعراء/ امّا أنتِ/ فتُلقينَ جوهرةً جديدةً في صندوق شهدائِكِ/ أحبُّكِ/ لا تندمي/ لا تمُدّي يدًا لتنتشلَني/ اِسمَحي لي أن أُحبّكِ/ كما يَشتهي الموت.

وبمقطعٍ مِن مقطعٍ لتوفيق زياد أختتمُ: وأُعطي نصفَ عمري/ للّذي يَجعلُ طفلًا باكيًا يضحك/ وأعطي نصفَهُ الثاني/ لأحمِيَ زهرةً خضراءَ أنْ تهلَك/ وأمشي ألفَ عامٍ خلفَ أغنيةٍ/ وأقطعُ ألفَ وادٍ شائكِ المَسلك/ وأركبُ كلَّ بحرٍ هائج/ حتّى أَلُمّ العطرَ عندَ شواطئِ اللّيلك/ أنا بشَريّةٌ في حجمِ إنسان/ فهل أرتاحُ والدّمُ الزكيُّ يُسفَك/ أغنّي للحياة/ فللحياةِ وهبتُ كلّ قصائدي/ وقصائدي هي كلُّ ما أملِك.

علق الإعلاميُّ زهير بهلول: بعدَ هذه الكلمات أقولُ للأدباء والشعراء، إن اجتزتُمُ الحدودَ والمحيطات، فأنتم يتوجّبُ عليكم دائمًا أن تبتعدوا عن الخلاف. كتبوا في الآونة الأخيرة، أنّ النّاقديْن الرّوائيّيْن الفيلسوفيْن الفرنسيّيْن ألبير كيمو وجان بول سارتر، قد قاما بطعن طريقِهما مِن خلال كتابةٍ تسرّبتْ ورشحتْ إلى وسائل الإعلام، ولكن أنا لا أستطيعُ إلّا أن أقول، بأنّ الأدبَ الذي نشأ في فرنسا، هو أدبٌ خالدٌ وقائمٌ إلى الأبد. والأدبُ الذي يأتي مِن خلال عطائِكم وكتاباتكم، هو الذي سيكونُ بمثابةِ الإرث المردود، خلالَ كلّ السنوات التي سنعيشُها وتعيشُها الأجيالُ القادمة.
أمّ المحامي جواد بولس فقد نقلَ للحضورِ كلمةَ الإعلاميّ الشاعر زاهي وهبي:
عزيزي جواد، لمحمود درويش مكانةٌ راسخة في القلب، ومساحةٌ واسعةٌ في الوجدان. صدقًا لا يكاد يمرُّ يومٌ واحدٌ لا يَحضرُ فيهِ محمود في الذاكرة، أو في الأحاديثِ الأليفةِ مع باقةٍ نبيلةٍ نادرة مِن الأصدقاءِ والمُحبّين. شعر محمود درويش يُمثّلُ لنا سببًا إضافيًّا لحُبّ الحياة وعيْشها، كلّما استطعنا إليها سبيلًا، مثلما يُشكّلُ مُكوّنًا عضويًّا مِن مُكوّناتِ الهُويّةِ الوطنيّةِ للشعب الفلسطينيّ، وذخيرةٍ حيّةٍ للإنسانيّةِ جمعاء. شِعرُهُ يُحرّضُنا على الحبّ والحريّةِ والمُقاومة، إلى أن تبزُغَ شمسُ الاستقلال الفلسطينيّ، وتقومَ الدولةُ الفلسطينيّةُ الحُرّةُ المُستقلّة، وعاصمتُها القدس الشريف، وهذا آتٍ لا مَحالة. أستطيعُ كتابةَ مُجلّداتٍ عن محمود وشِعرِه وشعبهِ الرائع، الذي يُشرّفُني أن أحملَ هُويّتَهُ، لكنّني أكتفي بهذا القدر كي لا أُطيلَ عليكم، مُتمنّيًا لمؤسّستكم الزاهرة المَزيدَ مِن التقدّمِ والعطاءِ والحرصِ على الإرثِ المُضيءِ لمحمود درويش، وللإبداع الفلسطينيّ عمومًا، مُعاهِدًا على الاستمرار معًا يدًا بيد، وقلبًا بقلب حتّى مَطلع الحرّيّة. كما يُسعدُني أن أنقلَ لكم تحيّةَ كثيرٍ مِن الأصدقاءِ والمُناضلينَ مِن هنا، من بيروت المنتصرة على جبروت الاحتلال الإسرائيليّ، وكذلك تحيّات المُجاهدة الكبيرة جميلة بوحيرد، التي تفرحُ بزيارة لبنان ولقاء أهلِهِ ومقاوِميه، كما تفرحُ أكثرَ ،لأنّها كما تقول: "تشعرُ بكوْنِها هنا، أي في لبنان، أنّها أقربُ إلى فلسطين". مع أمثال أبو حيرد، ومحمود درويش، وأحمد فؤاد نجم، ونلسون مانديلا، وسواهم مِن مُناضلين، نشعرُ حقًّا أنّ فلسطينَ أقربُ، وكذلك فجرُ الحرّيّة الآتية غدًا بإذن الله، وبعزيمة شعب الجبارين.
ونقلَ أيضًا كلمةَ مرسيل خليفة: عزيزي جواد، تحيّاتي لكم جميعًا أيّها الأحبّاء، معكم أحتفي بهذه المناسبة السعيدة، وأتمنّى أن تستمرَّ مؤسّستكُم بالعملِ والعطاءِ والتقدّم. كم أشتاقها فلسطين! وكم أحبُّ جليلَها.. لأقولَ: "أذرفُ دمعَ الكلام وأناجيكَ، كلّما تنهّدتُ في منامي خفَقَ قلبي. هل سأجدُ ما يكفي من الألحان لأغنّيك لأعزفَك؟ أتمشّى على الشاطئ اللازورديّ عاريًا، إلّا مِن ظلالِ ضوءِ القمر، ألقيت ُفي يمِّ البحر نوطاتي، ويَسيرُ الحلمُ فوقَ عيونِ الماءِ كحصانٍ مُندَّى. أغرقُ في حنايا الشعر، وأذوبُ في طراوةِ المعنى كقمرٍ مُكتمِلٍ، كإشراقةِ شمسٍ، كموجٍ هادرٍ، كضوءٍ مُتموّجٍ، كليْلٍ مُشتهى، كفجرٍ زاهٍ، كحفنةِ نسيمٍ، كحبّةِ قمحٍ، كمدينةٍ ساحرة، كأرزةٍ راسخةٍ، كطيورٍ عاصيةٍ، كأقاصٍ زاخرة، كنبوءةِ حُلمٍ. أعود طفلاً، أُرنّمُ في ذلك الفجرِ الذي طلعَ عليّ في قريتي الساحليّة، وحيثُ حملَتْني الفصولُ إلى مُدنٍ بعيدة. يَغمرُني نورُكَ، أناديكَ لحنًا، همسًا، حُبًّا، حلماً، قصيدةً، أغنيةً، فهل تسمعُني؟ كم ضاقَ هذا العالم برَحيلِك!"

وتابعَ المحامي جواد بولس كلمتَهُ قائلًا: لقد أبقى محمود درويش كنوزًا لنا وللإنسانيّة جمعاء، فأقمنا جمعيّةً، سُجّلتْ في حينِهِ كجمعيّةٍ قانونيّةٍ، ما زالتْ تعملُ مِن خلال مكتبٍ صغيرٍ في كفرياسيف، ومن خلال مجلس إدارة، لم يكن يومًا ولن يكونَ محصورًا على أبناءِ عائلةٍ أو حزبٍ ما، أو على أصدقاءَ قريبين أو بعيدين، فالجمعيّةُ مفتوحةٌ لكلّ مَن يُحبُّ أن يَعملَ ويُعطي، وأن يَسمو بما يُعطي لا بما يأخذ، وها أنا أُزجيها أمامَكم وأمامكنّ دعوةً مفتوحةً غيرَ مشروطة، بالانضمام لهذه الجمعيّةِ دونَ قيدٍ أو شرط. لا شروطَ لنا إلّا أن نُحبَّ ما علّمنا محمود، وما أبقاهُ لنا ميراثًا سنصونُهُ، ولذلك نقولُ إنّها جمعيّةٌ صغيرة. صحيح أنّ مَن يَبرزُ بيننا الأخ عصام خوري، فهو يعمل كبوّاب وقهويجي ومدير عامّ وكلّ شيء في هذه المؤسّسة، ولكن هذا الحفل أقرّتْهُ لجنةٌ مُكوّنةٌ مِن سبعةِ أشخاص هم الآن في هذه القاعة: الأستاذ فتحي فوراني، علي هيبي، أنور سابا، شادي شويري، محمد بكري وعودة بشارات، وهُم أصحابُ القرارات، وأيضًا مَن يَلفي علينا، مثل سهيل ديب وآخرون يُشاركوننا هذا الهمَّ وهذا النشاط.
لماذا اخترنا دير الأسد لاحتفال اليوم؟ لأنّ دير الأسد عتبتْ، وكان معها الحقُّ في العتب. لديْر الأسد قسطٌ في محمود، كما لأيّة بلدة أخرى، ومن باب العتب، نحن لم نُقرّر ديرَ الأسد مجازًا فقط، فقد كنّا في قلنسوة وباقة وغيرها، فنشكر دير الأسد على هذه الاستضافة، ونشكر مجلس دير الأسد الذي عندما خططنا، كان المجلس برئاسة نصر صنع الله، وعندما نفّذنا كان برئاسة أحمد ذباح، ولكن أحمد ونصر الآن يتبوآن هذا الدير، ونحن نباركُ هذه الوحدة وهذا العمل.

في البدايات لم يكن معنا أيُّ مبلغ لاستئجار مكتب، فطرَقنا أبوابًا لبعض الذين لم يتخلّفوا، وهُم في هذه القاعة، ومدّوا يدَ العون، ومن باب السترة لا أذكرُ أسماءَهم، فنحن جمعيّةٌ فقيرةٌ مادّيًّا نعيشُ على مصدرَيْن، ومُحاسبُنا المُتطوّعُ مفيد حزان، ويستطيعُ أيُّ شخصٍ الاطّلاعَ على حساباتِنا المكشوفة، ليسَ مِن باب إلزامٍ قانونيّ، وإنّما من بابِ ما نؤمنُ به مِن شفافيّةٍ وأخلاقيّة. في البدايات كان القرارُ بإقامةِ مؤسّسةِ محمود درويش الدوليّة في رام الله، وأن نكونَ ذراعًا لها في الوطن لاعتباراتٍ مفهومة، فنحن نعيشُ على مصدرَيْن شحيحَيْن؛ الأوّلُ مَحلّيٌّ يَكفي لسدِّ رمقِ استئجارِ المكتب وبعضِ المصاريف، والمصدرُ الثاني إلى أن جاءنا المدَدُ مِن جمعيّةِ سولاديريس في بلجيكا، وربّما هي مفارقة أن تقرّرَ سوليداريس إقامة هذه التوأمة معنا، نحن كمَن يُمثّلُ ما آمنَ بهِ محمود، ربّما الأقربُ إلى ما تُمثّلُهُ سوليداريس، هذه المؤسّسة الكبيرة الهامّة الإنسانيّة الناشطة في بلجيكا البلدِ الأوروبيّ، تأتينا بوفدٍ فيه شخصيّتان بارزتان مُؤثّرتان؛ واحدة من أصولٍ مَغربيّةٍ (فضيلة لعنان)، والثانية جليليّ الأصل (حسين شعبان). أما في ذلك مفارقة، لكي نفهمَ لماذا تُتوئِمُ سولاديريس مع مؤسّستنا محمود درويش، التي تطمحُ وتطمعُ أن تُمثّلَ ما آمن به محمود درويش، كما قالت السيدة فضيلة، بأنّ للإنسانيّةِ مكانٌ للجميع؟

مِن هنا نحن نفخرُ بهذه التوأمة، وسنوطّدُ هذه العلاقة، ومِن هنا نقول: رغمَ شُحِّ مصادرِ جمعيّة إبداع، وقلّةِ مَن يقومُ بها بنشاطٍ فاعلٍ، وعلى ما نأملُ أن يكونَ لها دوْرٌ في المستقبلِ مِن أحلامٍ سنُجسّدُها، نقولُ لكم بأنّنا نفخرُ في هذه الليلة بجميعكم، فنرى هنا سادةُ فِكرٍ وقلمٍ، وأقولُها بكلّ تواضُعٍ، على هذا الدرب نحنُ نَسيرُ، وكما قيلَ "أنا أشعرُ أنّ روحَ درويش هنا وهو فرِحٌ"، فأولئكَ إخوانُهُ لمحمود مَن حضَروا، ولكن نحن نقولُ بأنّنا في هذه الدولة يُريدون لنا أن نتشظّى شظايا، ولا يُريدون لنا أن ننجحَ، ولو في بؤرةٍ صغيرةٍ مِن إنجازٍ قد يُدَعِّمُ حصوةً في سورٍ قد يَميل، ولذلك، نحن سنمضي بكلّ ما أوتِينا من عزمٍ وقوّةٍ، ونتمنّى أن نترفّعَ عن عتبٍ أو مَلامةٍ أو مُحاسبة أو قصاص، فنحن ربّما نهفو ونسهو، وربّما نغلط وربّما وربّما..، ولكن أبوابُ المؤسّسة مفتوحةٌ لكلّ مَن يستطيعُ أن يُعطي كتفًا على كتف، وأن يَدعمَ هذه المسيرةَ التي نُريدُ لها أن تنجحَ، فنجاحُ صيانةِ إرثِ محمود درويش هو مِسمارٌ هامٌّ في نعشٍ نريدُ أن يتمَّ التئامُهُ لسياسةٍ عنصريّةٍ، والعدميّةُ القوميّةُ التي تريدُها لنا حكوماتُ هذه الدولة. شكرًا لفلسطين التي بعثتْ مَن أحبّهُ محمود وأحبّوه، وشكرًا لكلّ الحضورِ ولكلّ الشعراءِ والأدباءِ والسياسيّين، والشّكرُ الأهمّ لكلّ مَن يُجيدُ تلقّي هذا المثال، فلولا جهود القرّاء لَما أبدَعَ المُبدعون، لذلك؛ نحن نفخرُ بكُم وبهذه المؤسّسة، ونُعاهدُ مَن حضرَ وغابَ أن نستمرَّ، ونبقى على درب محمود درويش الكبير، والعصِيِّ على التحزيب والجغرافيا، والعائليّة والمنطقيّةِ والمحليّة.