جنون مخيلة لفاطمة نزال

، بقلم فراس حج محمد

النص:

تلك القطرة، تحمل في رحيقها نواة عشق، قد تتفتق زهرا، ينبت على هامش نصٍ، فاضت به مخيلة أجهدها التصور لما بعد تلك الخصلة الغجرية.

يكفيك سوادها ليتلألأ في فضاءات حكاياتها حلم قد راودك.

القراءة:

النص الجيد هو نتاج تلاقح ما بين عناصر شتى، أولها الإحساس المرهف النقي المتحفز للإبداع، وثانيها لغة سهلة ميسورة تشعرك بالقدرة على الفهم أو الهذيان، وتفتح مخيلتك المجنونة ليتفتق زهرٌ ما في نصّ ما، هذا ما جادت به مخيلة الكاتبة فاطمة نزال في قصتها القصيرة جدا "جنون مخيلة" لنكتشف أنها كانت تعاين مخيلة أخرى واعية تستبطن الحقيقة وترجو لها إيضاحا، وليس هناك من صراحة أعظم من صراحة المخيلة عندما تبوح عبر جنونها المتصبب إبداعا في نص ما.

يتشكل النصّ جسدا من ثلاث محطات، أولها العنوان، وقد أشرت إلى بعض جمالياته فيما سبق، وما زاد في رونقه وحسن إخراجه تلك البنية التركيبية بين متضايفين نكرتين، فهل إذا أضفتَ النكرة إلى نكرة ستعرّفها، لعل النحاة يقولون إنك ستخصص، ولكن الإحساس بالعنوان يجعلك لا تعرف تخصيصا ولا تحديدا، بل تستباح الذاكرة على مطلق آخر له شكل خاص من الدلالة التي زاد العنوان اتساعا وتبئيرا في الوقت ذاته.

وثاني أطراف هذا النص السطران الأوليان (تلك القطرة، تحمل في رحيقها نواة عشق، قد تتفتق زهرا، ينبت على هامش نصٍ، فاضت به مخيلة أجهدها التصور لما بعد تلك الخصلة الغجرية.)، وقد ابتدأته بجملة اسمية متوسلة باسم الإشارة البعيد (تلك)، أهي المخيلة المجنونة التي رأت القطرة بعيدة أم أن الواقع الفعلي هو ما يجعل القطرة بعيدة وحتى وإن كانت قريبة منا؟ فبُعْدُ منال الأشياء يجعلها أبعد ما يكون ولو كانت في ملمس اليد ومتناولها، بدأت الجملة بتلقائية، وكأنها تحمل عنصر المفاجأة أيضا، فعندما يفاجئك شيء ما فإنك تتخلص من كل الزوائد لتعبر عن دهشتك مباشرة، لذلك كانت (تلك القطرة) جملة كاملة معتمدة على محذوف، واستحقت بعدها أن تكون علامة الترقيم فاصلة بين جملتين وحالتين، فتتبدل حالة الدهشة والانفعال إلى حالة أكثر هدوءا أو هكذا نظن، أو هكذا أرادت الكاتبة أن تنقلنا من جو مشاعري محتدم إلى آخر أكثر هدوءا، ولعله جنون المخيلة التي تلعب بصاحبها، فتراه هادئا رزينا مرة ومنفعلا مرات!!
بعد تلك النفرة الانفعالية القوية في (تلك القطرة)، يبدأ السرد بتوظيف الأفعال المضارعة (تحملُ، تتفتقُ، ينبتُ)، وهي أفعال تشير إلى معنى الولادة، والولادة فعل مفتوح على التجدد والاستمرار والأمل، فالولادة في الأدب وأفعالها تكتسب في الأغلب معاني إيجابية، حملت فتفتق الرحم ونبت العشق، ولكنها محملة بمعنى الاحتمالية المراوغة غير القاطعة، فكان استخدام حرف التشكيك (قد) سبيلا للتأرجح بين المعنيين، ويأتي دور المخيلة المجنونة لترسم بعدا آخر، ولكنها مجهدة متعبة في تصورها، وكأن ما رأتها أكبر من الجنون، وماذا رأت، إنها لم تر سوى خصلة من الشعر الغجري، وهنا تقفز للمخيلة قصيدة نزار قباني بكامل مشهديتها (قارئة الفنجان)، إنك تلمح طيفا، ولكنه يثير ويثير، ويجعلك عاشقا في لحظات.

وأما المحطة الثالثة من جسد هذه القصة القصيرة جدا فهو (يكفيك سوادها ليتلألأ في فضاءات حكاياتها حلم قد راودك.)، يتحول الخطاب، وتتحول اللغة إلى استخدام ضمير المخاطب، إنها تجترح لغة المنطق البعيد عن المخيلة المجنونة، وكأنها انتبهت من غفوة حلم، أو راقبت حالما أو عاشقا تعسا مهووسا بخصلة شعر غجرية، فيأتيه صوت العقل، ردا على صوت الجنون يكفيك سواد تلك الخصلة، يكفيك لونها وما شاهدتها منها، فلا تحلم بأبعد من ذلك يا مسكين، فلتصحُ من حلم قاتل راودك وجعلك تمارس جنون مخيلة لن ترحمك، وهنا يكتشف القارئ أن ثمة حواراً خفيّاً، بين اثنين، وربما كانت نجوى نفسية وحوارا داخليا، فهذا هو المجنون يكلم نفسه ويحاورها أكثر ما يحاور الآخرين ويناقشهم، وخاصة إذا كان مجنون عشق، واستولت عليه فتاة ذات شعر غجري مجنون يسافر في المطلق ليحلق في أبعد البعيد حلما لا ينال ولا يطال.

لك الله كم أثرت فيّ جنون التفسير والتأويل في قصة لا تتعدى (33) كلمة، ولكنها الفكرة العاقلة في فضاء مجنون يفتح الروح على مصراعيها لتقول في هامش النص بعض كلمة، ليبقى النص متوهجا شفافا فلزّيّا مشعّا في كل قراءة، لن تنضب له رؤيا ولن يجفّ به الحنين!!