عازفة المساء الأخير...

، بقلم عبد الجبار الحمدي

انتظرتك مساءات كثيرة، خاصة بعدما قلت لي أنك ستعود إلي في يوم ما... لم اطلب منك أن تقول متى؟؟؟ فقد شعرت حين سمعتك تقولها بأني بين سحب وردية تلك التي طفت بين طياتها لأجمع لك ماء ورديا، تماما مثل لون الزهور التي تعشق... فجلبتها، ثم وضعتها في آنية الزهور الوردية ايضا يوم عيد ميلادك، فرشت وشاحي الذي تحب على سطح البيانو، فطالما عشقت ان ألتقيك فوقه... اتتذكر تلك الليلة التي طلبت مني ان أعزف لك مقطع من لحن اللقاء الذي كتبت.. فما أن اسمعتك بدايته حتى قلت .. لا تتوقفي يا حياتي إني اتيه بين أصابعك كنغمة.. لا تتوقفي دَليني على عالم الخلود.. لكن فجأة انطفأ التيار الكهربائي، شعرت بغصتي، أسرعت بجلب الشمعدان، ووضعته قبالة آنية الزهور التي لمعت بضياء شموع وجدك فأذاب همسها صمت الليل.. اردفت قائلا: اكملي عزفك ...

عدت أعيد أنفاسي التي لهثت من لطف روحك، سارت أصابعي تمسك باوتار وجعي إليك وحبي صعودا ونزولا فوق تراكمات شوقي حتى شعرت أني سأموت حبا الى حضنك.. رأيت عيناك قد أغرورقت بالدموع، زاد ما رأيت من ولهي عزفا الى قربك، وما أن رأيتني أذوب كالشمعة نثرت بورق الزهور على اصابع البيانو فقط كي تلبسها عطر الهيام هكذا فسرتها.. لكني لم أكن أدرك انك رميت بها لتودعني بل لتوسد مقطوعتي بفراقك البعيد الذي ما ان انتشينا جوا حتى تركتني ملقاة وحيدة بعيدة عن حنو صدرك، شعرت لحظتها أني جُننت بل كنت كذلك فقد نالت مني الهواجس، صارت ظلمتها ملاذي، ووسوستها مقطوعاتي التي اعزف... سوداوية امسيت، بالضبط مثل كهف عميق لا يصدر سوى أنين طويل، أتذكر يا حبيبي.. كم توقفت بين نقاط ايامي معك وتساءلت عن سبب هجرك لي؟ قَلَبت كل ما يمكنني ظنه أنك رحلت بسببه، فلم أجد شيء يمكن ان يجعلك تهتك ستر عالمي وترحل دون مفتاح موسيقانا التي عشناها معا، كما أنك طالما امسكت بعودك تشاركني وجعي، فتراني اتكوم نحو صدرك كما تمسك العود، لأترك لك العبث بأوتاري حتى تشتهي الألم رغبة مني فتثور ينابيع عيونك لترمي بحممها على جسدي، اتقبلها رغم سخونتها ارتواء لأرضي التي تزهر معك وبك وجعا، ارويك شغفا وتسقيني شوقا... هكذا كنا لبعضنا وتر وأصابع بيانو... لا يمكن ان أعزف دونك ولا يمكنك ان تخرج لهفة مشاعرك إلا من خلالي...

كان لرحيلك عني نهاية الحياة، ألزمت نفسي أن أنهيها... لا أكذبك حاولت أكثر من مرة، حتى وصفوني بالجنون، فشرعوا بعلاجي النفسي، وحين أجلس مع طبيبي الخاص أقول له حين يسألني أني مهووسة عاشقة بك... بعد رحيلك لا يمكن للحياة أن تعزف من جديد، لا يمكن أن أسطر ألحانا إلا بك، جنون أليس كذلك يا دكتور؟؟ أي سخف تسمعه مني، ما هو الحب الذي اكنه الى رجل أريد ان أفقد حياتي من أجله؟ أقول لك إنه روحي... الا يكفيك هذا جوابا..

هززت رأسك لي وقلت: غريب أمركِ!! كيف تحبين رجل عديم المشاعر؟ ذاك الذي يترك هالة الحب بداخلك نحوه ثم يهرب، علقت طويلا عن عودة الحياة ويمكن ان يسود الوئام الى نفسي بالتدريج، كل ما علي فعله هو ان أتناسى من أحب، ضحكت لحظتها رغم وجعي وقلت لك يا دكتور... إن من الجنون أن تصف ما لاتشعر به بداخلي، فكل مابي ملكه هو، ليس لحياتي ووجودي معنا دونه، أنه وتر عمري الذي طالما ضرب عليه ليشعرني بوجودي.. إنه ملهم سعادتي التي كنت أعيش، فلا تطلق نصائح كلها ترهات علاج نفسية، أني أدرك حالتي...

وبعد ان مللت من علاجي ووجدتني لجأت الى الانطواء تركتني بين يدي من أخذت مراقبتي ، لعلك يا فؤادي تذكرها جيدا، إنها مربيتي، عدت أخيرا الى منزلنا، الى ذلك المكان الذي ولدت أنا وإياك فيه، كان العود متوسدا سطح البيانو، أما الزهور فقد ذبلت لم أشأ ان تتغير رغم إلحاح مربيتي، حتى الشمعدان كان قد رمى بحرقة ناره على بيوت ألِفها وسادة أحلام جميلة أشاع بضيائها كل خبايا مظلمة ...

جلست امام مفاتيحه...مررت أصابعي عليها، أسألها؟؟؟ بعتب عن ألمي الذي صغته تارة بفرح وتارة بحزن تماما مثل ما كانت تلبس، رغم أني حرصت ان لا أعزف على وترها الاسود مخافة حزن عميق دلف إليها، لكن ما نفع الحب دون ألم... فكان ما كان... سرحت بعيوني الى وشاحي الذي تركت عطر انفاسك ولهاثل عليه، امسكت بأطرافه لأشمه، سقطت ورقة منه، استغربت!! قادني الفضول الى ان افضها لأقرأها... فكانت كلماتك... حبيبتي أدرك ان فراقي قد يدمر حياتك، لكن أعلمي جيدا أن فراقك ينهي حياتي الى الابد، فمجرد التفكير بالابتعاد عنك هو موت لي، لكن ما كنت أفعلها لولا أن هناك من هو أقوى مني ومنك، انه القدر لقد علمت بالاونة الاخيرة أني بحالة مرضية متأخرة ولابد لي من اجراء عملية جراحية خطرة، وكان لابد لي من الابتعاد عنك بقسوة، لكن حبي لك جرفي إليك تلك ذلك المساء حتى نسيت كل آلامي، رميت بنفسي على اعتاب تراتيل مذبحك ورضيت ان يكون يومي الاخير بين أحضانك لاحياك في عالمي الآخر الى الابد... سأترك لك هذه السطور لتدركي أني لم اتركك إلا لأني احبك، فلا اريد لك ان تتألمي وتأسي على حالي، فأنا كما تعلمين لا أحب من يعطف علي حين يعلم بحالتي... لكن بحيرتك الوردية التي اشرقت بضياء شموعك وازهارها جعلتني ارغب الموت بين يديك ...

فبعد الذي كان بيننا استيقظت فوجدتك حالمة وردية، استرسلت بعيدا عنك خلسة، رحلت الى عالم المجهول عالم ربما اللاعودة، وقد اخبرت من أثق به ان يبلغك بيوم عودتي... فلتكوني كما عهدتك حلمي الوردي..
كان هذا هو فحوى رسالته التي وجدتها علي سطح البيانو، شعرت بعدها بالحياة تدب في اوصالها، تسلقت كل احلامها عبثا طفوليا، رامت تعيد كل هياكل أركان منزلها بالبهجة، وجلست تنتظر المساء تلو المساء حتى تاه العد منها، عادت والقلق يساورها، يأكل من روح أيامها، فتراها تذبل في كل يوم يمضي حتى ألفتها مربيتها قد صارت الى فراش المرض، لا هم لها سوى سؤال واحد هل جاء المساء؟؟؟ وحين تسمع أنه جاء تحاول بكل جوارحها ان تحياه برغم ضجر الانتظار، لم تأكل او تشرب، عزفت عن الرغبة في الحياة، لقد ادركت أن الحياة ليست لها...

وفي ليلة سمعت طرقا على الباب، حاولت ان توقظ مربيتها التي نامت بالقرب منها على الاريكة، لم تسعفها حالتها، سمعت الطرق مرة أخرى فوجدت نفسها تنسل من مخدعها الى الارض وهي تحاول الامساك بأي شيء يمكنه ان يعينها على الوقوف والسير، إتكأت الحائط معينا لها، كأن المسافة ألف ميل، سمعت الطرقة الثالثة على الباب.. كانت قوية جدا، لكن لم يوقظ ذلك مربيتها، فقالت... يا إلهي أعني على الوصول... فقط لأرى وجهه وليدحث بعدها ما يحدث، لا يهمني ما يكون... سا عدني أرجوك أريد ان انام لحظتي الاخيرة بين ذراعيه... لملمت عزيمة ايامها معه قوة وجَلَد... وصلت الى الباب، امسكت بالمقبض... وما أن ادارته حتى وجدت من يأخذها الى من فارقت لتتوسد معه العالم الآخر الى الابد.