عن البلاغة «دراسة في تحولات المفهوم»

، بقلم مصطفى الغرافي

إشكال الترجمة: بلاغة أم خطابة؟

لعل إشكال الترجمة أن يكون أعقد المعضلات التي يمكن أن تواجه الدارس العربي المتشبع بالتراث البلاغي العربي عند توجهه لبحث مفهوم "البلاغة" كما تحدد في التقاليد الغربية: هل يترجم مصطلح (rhétorique) بـ"البلاغة"؟ أم بـ«الخطابة»؟ أم يزاوج بينهما صنيع بعض المعاصرين من أمثال محمد الولي وعائشة جرير في مقدمة ترجمتهما لكتاب "البلاغة، مدخل لدراسة الصور البيانية"، حيث كتبا: "ينبغي قبل الانتقال إلى تأطير الصور البيانية ضمن الأدوات التعبيرية الفنية أن نلقي الضوء على مصير صرح البلاغة ـ الخطابة" . أم يحتكم في ترجمة المصطلح إلى السياق صنيع محمد الولي نفسه في أطروحته عن "الاستعارة في محطات يونانية وعربية وغربية"، حيث واجه إشكال الترجمة فقرر حله بالاحتكام إلى السياق، ونبه على ذلك بالقول: "نفضل ترجمة خطابة حينما يكون المقصود بلاغة الحجاج، ونفضل ترجمة بلاغة حينما يكون المقصود بلاغة المحسنات " .

إن منشأ هذا الإرباك في الترجمة مرتد بالأساس إلى الدلالة المزدوجة لمصطلح (rhétorique) في التقليد البلاغي الغربي. إذ يحيل من جهة على التعبير الأنيق الذي يتقصد الإمتاع. مثلما يحيل، من جهة مقابلة، على الخطاب بوصفه فعالية حجاجية واستدلالية تتقصد الإقناع. وإلى هذا الجانب المتعلق بإيجاد الحجج نظر أرسطو عندما حدد لفظة (rhétorique) بأنها "الكشف عن الطرق الممكنة للإقناع في أي موضوع كان" .

وانطلاقا من هذه العلاقة التي تربط هذا المصطلح بالإقناع فقد اصطفى له التراجمة العرب من المقابلات "الخطابة"، منطلقين في ذلك من اعتبار الجانب التداولي في تسمية "بلاغة" الذي يصلها بالإقناع، كما يمكن أن نستبين من تحديداتهم لهذا المتصور التي نرصد هنا بعضها:

ـ "قياس مركب من مقدمات مقبولة أو مظنونة من شخص معتقد فيه، والغرض منها ترغيب الناس فيما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم" .

ـ "الإقناعي يطلق على الخطابي وهو الدليل المركب من المشهورات والمظنونات" .
أما الذين ترجموا المصطلح بـ"البلاغة" فقد نظروا إلى الجانب المتعلق بالبعد الأسلوبي والشعري فيها، بما هي بحث في صور التعبير، بعد أن تحولت "البلاغة" من معرفة خاصة بالأجناس الثلاثة للخطاب في الإبستمولوجيا الأرسطية (القضائي والاستشاري والاحتفالي)، إلى معرفة تنشغل بوصف وتفسير مختلف الأنماط الخطابية (القصة والمسرح والرواية والخطاب السياسي والديني والنص الإشهاري..)

وبالنظر إلى التأرجح الدلالي الذي وسم مصطلح "بلاغة" بين قطبي الإمتاع والإقناع، فإن بعض القدماء من التراجمة العرب آثر أن يحتفظ للمصطلح بلفظه الأجنبي (الريطورية) أو (الريطوريقا) .

وبالرغم من هذه الاجتهادات في ترجمة اللفظة المقابلة للفظة "بلاغة" في التقليد الغربي، فإن الخلط والتشويش ظلا قائمين. ومن هنا وجدنا الاقتراحات المرصودة لترجمة هذه اللفظة لا تنقطع؛ فمحمد العمري مثلا يجتهد في تقديم ترجمة للمصطلح الغربي قدر أنها تفي بالغرض وترفع الالتباس، حيث اقترح ترجمة الريطورية الأرسطية بلفظة "خطابية" قياسا على لفظة "شعرية" التي بسطت سلطتها على مجال التخييل ، وهو الذي كان قد استعمل من قبل عبارة "الخطاب الإقناعي" لتأدية المعنى الذي يمكن أن تفيده كلمة (rhétorique) الغربية ، بما يؤشر على حيرة اصطلاحية وعدم استقرار مفهومي يعتريان ترجمة هذا المصطلح فيربكان، بالتالي، عموم القراء بل وجمهور الدارسين من غير المتخصصين .

البلاغة في التقليد الغربي:

يمكننا التمييز إذا ما استثمرنا المسرد التاريخي الذي أعده بارت حول "البلاغة القديمة" ثلاثة معان تعاقبت على مصطلح "بلاغة" كما تبلور في التقليد الغربي :

1 ـ البلاغة مبحث قديم وجهته الإقناع.

2 ـ البلاغة مجموعة من صور التعبير قصدها الإمتاع.

3 ـ البلاغة تقنية قابلة للتدريس.

يعتبر المعنيان الأول والثاني رئيسيين أما الثالث فعارض وثانوي يرتبط بمرحلة انكماش البلاغة وتقوقعها على نفسها عبر تاريخ طويل من الاختزال انتقلت خلاله من "نظرية في الخطاب" إلى "نظرية في الاستعارة". وقد ترتب عن ذلك طغيان المقصدية التعليمية على هذا العلم العتيق، بحيث لم يعد تدريس البلاغة يتم باعتبارها مادة من المواد ولكن بوصفها سلكا للدرسات . وبذلك تكون تسمية "بلاغة" في التقليد الغربي تدل على معنيين كبيرين هما :

1 ـ المعنى الحجاجي الذي يصب في التداوليات الحديثة.

2 ـ المعنى التعبيري الشعري الذي يصب في الأسلوبيات.

وهما المعنيان اللذان عبرت عنهما أعمال بلاغيين غربيين معاصرين حاوروا "البلاغة القديمة" في مسعى لبلورة "بلاغة جديدة" اتخذت وجهتين اثنتين:

1 ـ التوجه الحجاجي المنطقي الذي يجر البلاغة إلى المنطق عبر الجدل.

2 ـ التوجه الأسلوبي الشعري الذي يجر البلاغة إلى الشعر عبر الأدب.

وذلك قبل أن يظهر توجه ثالث حاول الوصل بين الاتجاهين في إطار "بلاغة عامة". يتعلق الأمر بـ :

3 ـ التوجه السميائي النصي، الذي حاول تجاوز الازدواجية التي وسمت التوجهين الأول والثاني بتقديم صياغة عامة قادرة على وصف واستيعاب جميع الأنواع الخطابية.

1 ـ البلاغة وضع منطقي:

لقد ارتبطت البلاغة عند المفكرين الأوائل أمثال أفلاطون وأرسطو وشيشرون بـ"فن الإقناع"، وإلى هذا التراث في "البلاغة الحقة" كانت عودة طائفة من "علماء الحجاج" أمثال شايم بيرلمان وأولبريشت تيتيكا وأوليفي روبول، الذين طمحوا إلى بلورة "بلاغة جديدة" انطلاقا من البلاغة الكلاسيكية عامة، والاجتهادات الأرسطية في الموضوع خاصة، وهي المرجعية التي شكلت إطارا نظريا ومنهجيا صاغ في ضوئها علماء الحجاج أنموذجا بلاغيا جديدا هو "البلاغة الحجاجية".

لقد عمل أصحاب هذا التوجه على وصل البلاغة بأصولها الفلسفية والاستدلالية في الإبستمولوجيا الأرسطية. وقد ترتب عن ذلك أن تحددت البلاغة، عندهم، بوصفها "صانعة الإقناع" و"كافلة التصديق" في مقامات التخاطب المختلفة.
لقد حدد أوليفي روبول، مستلهما بيرلمان وتتيكا، خمسة ملامح للحجاج رئيسة هي:

1 ـ يتوجه إلى مستمع.

2 ـ يعبر عنه بلغة طبيعية.

3 ـ مسلماته لا تعدو أن تكون احتمالية.

4 ـ لا يفتقر تقدمه (تناميه) إلى ضرورة منطقية بمعنى الكلمة.

5 ـ ليست نتائجه (خلاصاته) ملزمة.

وقد استخلص روبول أن هذه الملامح إن ميزت الحجاج عن "البرهان"، فإنها تصله بـ"البلاغة"، وبهذا الاعتبار يكون الحجاج عند أصحاب هذا التوجه مرادفا لـ"لبلاغة"، كما يمكن أن نستبين من عنوان الكتاب المشترك بين بيرلمان وتتيكا:
ـ traité de l’argumentation, la nouvelle rhétorique.

إذ ما ليس حجاجا (بلاغة) بالمعنى الذي يرتضيه علماء الحجاج سيكون إما "برهانا" أو "سفسطة".

إن انبناء الحجاج على مقدمات احتمالية منفلتة من الضرورة المنطقية، يجعل الخطاب الحجاجي متميزا من التفكير المنطقي الذي تنتظم فيه الحجج وفق تراتب منطقي، بحيث يغدو موصولا بالتفكير البلاغي المنبني على "الاحتمال" بما هو "ممكن إنساني"، تتأسس فيه سيرورة الإقناع والاقتناع على حجج "شبه منطقية".

إن فصل الحجاج عن المنطق في أفق التأسيس لحقل جديد ونوعي هو "البلاغة الجديدة" لم يكن ليتيسر لعلماء الحجاج إلا بنقد المنطق والقطع مع مقولاته الصورية الصارمة والجامدة، لضمان استقلال السجل الحجاجي عن الممارسة المنطقية، وهو ما اضطلع به عالمان من علماء الحجاج مرموقان هما بيرلمان وتتيكا في مؤلف مشترك ظهر في الخمسينات (1958 م) وحمل عنوانا دالا هو: "مصنف في الحجاج: البلاغة الجديدة" . فقد غير هذا العمل فهم الممارسة الحجاجية؛ "إذ بفضل بيرلمان حدثت قطيعة لا يخلو رهانها من أهمية. يتعلق الأمر بالقطيعة مع التقليد العقلاني الذي أدى، وبالضبط منذ ديكارت، إلى منح الامتياز للمنطق وإلى تبعية الحجاج لهذا الأخير، من منطلق أن كلا منهما موسوم بالضرورة والبداهة الاستدلالين، غير أن بيرلمان يؤكد أن الطبيعة ذاتها للتداول والحجاج تتعارض مع الضرورة والبداهة. لأننا لا نتداول هناك حيث يكون الحل ضروريا ولا نحاجج ضد البداهة. فحقل الحجاج هو حقل الممكن التصديق والجائز والمحتمل، وذلك بالقدر الذي ينفلت فيه هذا الأخير من دقة وصرامة الحساب" .

لقد سعى صاحبا "مصنف في الحجاج، البلاغة الجديدة" إلى إخراج الحجاج الذي هو عندهما سليل الخطابة والجدل معا من دائرة الخطابة عامة والجدل خاصة، الذي ارتبط عبر تاريخ طويل بالمنطق حتى عد رديفا له، وهو سعي قد يبدو من قبيل المفارقة كما أشار عبد الله صولة: "فالباحثان قد عملا من ناحية أولى على تخليص الحجاج من التهمة اللائطة بأصل نسبه وهو الخطابة، وهذه التهمة هي تهمة المغالطة والمناورة والتلاعب بعواطف الجمهور وبعقله أيضا، ودفعه دفعا إلى القبول باعتباطية الأحكام ولامعقوليتها. وعمل الباحثان من ناحية ثانية على تخليص الحجاج من صرامة الاستدلال، الذي يجعل المخاطب به في وضع خضوع واستلاب. الحجاج عندهما معقولية وحرية، وهو حوار من أجل حصول الوفاق بين الأطراف المتحاورة، ومن أجل حصول التسليم برأي الآخر بعيدا عن الاعتباطية واللامعقولية، اللذين يطبعان الخطابة عادة، وبعيدا عن الإلزام والاضطرار اللذين يطبعان الجدل" .

لقد عملت الصياغة العميقة لمعطيات نظرية الحجاج الكلاسكية على النحو الذي جسدتها جهود علماء الحجاج المعاصرين عامة، وأعمال بيرلمان خاصة، على تقريب الشقة بين البلاغة والفلسفة، بحيث غدا "البلاغي" منسربا، بالضرورة، فيما هو "فلسفي" بالنظر إلى البعد الإشكالي الحجاجي الذي يسم كل خطاب فلسفي. وبوحي من هذا التقارب بين التفكير البلاغي والتفكير الفلسفي في مشروع بيرلمان، فقد وصفت بلاغته الجديدة بأنها "فلسفة بلاغية" ؛ ذلك أن تمفصل الحجاج والانزياح في القول الفلسفي أفضى، عند أصحاب هذا التوجه، إلى تعويض الإحالة المنطقية بالإحالة البلاغية. ومن هنا قرر بيرلمان "أن كل تفكير فلسفي، حتى وإن كان بدرجة عقلانية ديكارت، لا يمكنه الاستغناء عن التمثيل. إن التمثيل بالنسبة للفيلسوف ليس مجرد ترويح عن النفس، ولا مجرد معين للفكر الذي يبحث عن نفسه، يمكن للفيلسوف مثل العالم أن يستغني عنه حين يحصل على النتيجة التي كان يتوخاها، إنه بالعكس من ذلك، ما به يصور الفيلسوف حجاجه، وما إليه ينتهي في استدلاله" . بل إن بيرلمان ليذهب أكثر من هذا في تقديره لأهمية التمثيل في الدرس الفلسفي، حيث دعا إلى "تجديد كتابة تاريخ الفلسفة كله بالتركيز، لا على بنية الأنساق، ولكن على التمثيلات التي توجه تفكير الفلاسفة، وعلى الكيفية التي تتجابه به وتتبادل التعديل، وعلى الطريقة التي بها يوافق الفيلسوف بينها وبين آرائه الخاصة، خصوصا وأنه يوجد جهاز تمثيلي واحد ينتشر عبر القرون ويوظفه كل فيلسوف بطريقته الخاصة" .

ومن هنا كانت "الثورة التي فجرها بيرلمان تتمثل في التعديل الذي أحدثه في النظام الأرسطي وبالخصوص في التمييز بين الحجج المنطقية logos، والحجج المرتبطة بطبائع الخطيب ethos، والمتلقي pathos وبين الأساليب الخطابية. لقد أدرج الفيلسوف الاستاجيري الحجج القائمة على المقارنة والتمثيل والشاهد ضمن مبحث الكتاب الأول من الخطابة وعاد في الكتاب الثالث الذي كرسه للأساليب لكي يتحدث عن الاستعارة [...] هذا التصور التمييزي الذي احتفظت به كل البلاغة العتيقة بين المقومات الحجاجية والمقومات الأسلوبية الزائدة أو التزيينية هي التي تفرغ لها شايم بيرلمان. لقد سهل عليه المهمة تبنيه لأطروحة أساسية وهي تسليمه بأن كل المقومات التي اعتبرت عند المتقدمين مجرد محسنات هي عنده مقومات حجاجية" .

وإذا كان من مزية لهذا التوجه في تحليل الأعمال الأدبية فإنها ناشئة من تطويعه منهجا في التحليل البلاغي له القدرة على وصف المقومات الحجاجية في النصوص الأدبية، بما هي تأثيرات فعلية، انطلاقا من مستويات خطابية كانت قد أسقطت من البلاغة في خضم الحماس الشديد للوظيفة الشعرية والبنيات الأسلوبية، كما هي الحال بالنسبة للإيجاد والترتيب مثلا. وقد ترتب عن هذه الوجهة في وصف النصوص وتفسيرها أن غدا التحليل البلاغي منحصرا في الخطابات ذات المقصدية الإقناعية، التي تضطلع بوظائف تأثيرية عملية وإنجازية مثل الخطابة والمناظرة والإشهار والشعر السياسي ورواية الأطروحة. أما التأثير الجمالي الخالص المتنصل من كل وظيفة أو مقصدية، فقد ظل معتاصا على هذا الصنف من التحليل.

لقد تمثل الإنجاز الكبير الذي حققه بيرلمان في مجال البلاغة الحجاجية توريطه الدراسات البلاغية لأول مرة في شراك تحليل ووصف أجناس من المخاطبات لم تكن قد وضعت من قبل في دائرة التأمل البلاغي، بدءا من الخطاب الفلسفي وصولا إلى الخطاب اليومي، مرورا بالخطاب الأدبي والسياسي والتاريخي والقضائي والإشهاري والاجتماعي والديني. وقد نجم عن شساعة المدونة الخطابية التي أصبحت، في مقترح بيرلمان، موضوعا للدراسات البلاغية أن ولج التفكير البلاغي لأول مرة حظيرة العلوم الإنسانية، التي كانت إلى وقت قريب تحكم إغلاق أبوابها في وجه الدراسات البلاغية، بحجة خلو هذه القطاعات "العلمية" من "البلاغية". وبفضل أنموذج بيرلمان، الذي بدا قابلا للتطبيق على كل خطاب غير تجريبي أو برهاني، اعترف بعض علماء الإنسانيات أن هذه العلوم منطوية، هي الأخرى، على بذور بلاغية بل وشعرية، فقد جاء في كتاب "الاستعارات التي نحيا بها" لصاحبيه جورج لايكوف و مارك جونسن: "بما أن عددا كبيرا من التصورات المهمة لدينا هي إما تصورات مجردة أو غير محددة بوضوح في تجربتنا (مثل المشاعر والأفكار والزمن...إلخ)، فإننا نحتاج إلى القبض عليها من خلال تصورات أخرى نفهمها بوضوح أكثر(مثل التوجهات القضائية والأشياء...إلخ) وهذه الحاجة تدخل الحد الاستعاري في نسقنا التصوري" .

لقد جرى توسيع البلاغة عند أصحاب التوجه المنطقي الحجاجي إلى حدودها البعيدة والقصية، وذلك عبر دمج الجدل والإنسانيات عامة والخطاب العلمي اليومي في أنموذج موحد دعاه بيرلمان "البلاغة الجديدة" .
"وإذا كان الحجاج البلاغي قد تعدى نطاق الخطابة ليجد مكانته المنهجية في حظيرة العلوم والكتابة، فإنه مع ذلك قد بقي محتفظا بخصائصه الأصلية: كسب تأييد المتلقي في شأن قضية أو فعل مرغوب فيه من جهة، ثم إقناع ذلك المتلقي عن طريق إشباع مشاعره وفكره معا، حتى يتقبل ويوافق على القضية أو الفعل موضوع الخطابة- الخطاب" .

إن ما يطلق عليه اليوم "البلاغة الحجاجية" يمثل مسعى من مساعي هذه "البلاغة الجديدة" لوضع النصوص الأدبية ضمن نسق الخطاب التواصلي العملي، بغرض الكشف عن البنيات البلاغية التي يراها أصحاب هذا التصور متجذرة قي الأدب، كما في غيره من أنساق التواصل الأخرى. ومن هنا توجههم إلى تحليل الوظيفة البلاغية بما هي آثار فعلية في النص، أي نص، من زاوية نظر المتلقي، وهي وجهة في التحليل تمنح الواقعة الأدبية بعدا تداوليا يجعلها تلتقي مع بعض الاتجاهات النقدية الحديثة المرتكزة على "الأثر" مثل التداوليات وجمالية التلقي. وفي ذلك تأكيد للفائدة الجلى التي تعود على نظرية الأدب من استرفاد استراتيجية التحليل البلاغي الحجاجي.

2- البلاغة وضع أسلوبي:

نرى بداية أنه من المتوجب علينا الإشارة إلى أن وصفنا لهذا التوجه البلاغي بـ "الأسلوبي/ الشعري" لا يجعله مرادفا لمصطلح "الأسلوبيات" . إذ إن المحاولات التجديدية التي طبعت الدرس البلاغي في الثمانينات من القرن العشرين إنما هدفت إلى تجاوز الروح الاختزالية التي سادت الموروث البلاغي، فأفضت إلى إنتاج "بلاغة مختزلة" في الاتجاهين :
اتجاه التفكير الفلسفي والمنطقي ذي النزعة التجريبية الذي يحصر البلاغة في "الحجاج"، واتجاه الأسلوبيات الحديثة الذي يحصرها في "أفانين التعبير"، فكان أن تبلور مشروع "البلاغة الجديدة" الذي سعى إلى هيكلة "البلاغة القديمة" وإعادة بنائها من جهة موضوعاتها ومنهجيتها على ضوء التطور المشهود في مناهج العلوم الإنسانية، في مسعى لتحويل الإرث البلاغي إلى نظرية جديدة في النص ، تتجاوز المقاييس المعيارية إلى إعادة بناء البلاغة صرحا سامقا بحيث تعود، كما كانت، لغة واصفة لكل الخطابات، بعد فترة من الإهمال اعتبر خلالها مصطلح "بلاغة" سيء السمعة، ومحكوما عليه بالموت والازدراء بوصفه "أكثر القفار إيحاشا وأقلها فائدة" .

وقد شكلت البلاغة الحجاجية، كما سبقت الإشارة، محطة أساسا في مسار تجديد الدراسات البلاغية عبر وصلها بالتراث الفلسفي والمنطقي القديم في أفق التأسيس لمفهوم "البلاغة الجديدة"، كما تجسدت في أعمال شايم بيرلمان وأولبرشت تيتيكا وكبدي فاركا أبرز ممثلي هذا التوجه البلاغي.

وإذا كان أصحاب التوجه الحجاجي المنطقي في الدراسات البلاغية لا يعنيهم في الأدب إلا ما تبديه نصوصه من وظيفية أو مقصدية إقناعية، فإن توجها بلاغيا آخر يتميز بالتنصل من كل وظيفية أو مقصدية يختزل "البلاغية" في "مبدأ الانزياح". وقد كرس هذا الاتجاه نفسه بوصفه "بلاغة عامة" (أو "معممة" على الأصح) ، حيث نجح في فرض تصور خاص للبلاغة، عبر تاريخ طويل امتد من القرون الوسطى إلى العصر الحديث، وهو توجه لم يزد على أن اختزل البلاغة والأدب عموما في "الأسلوب" أو "الصياغة". ولذلك كان أبرز نقد وجهه أصحاب البلاغة الحجاجية إلى أصحاب هذا التوجه اتهامهم بـ "تضييق البلاغة"، وهي التهمة التي رفعها أوليفيي روبول – أبرز علماء الحجاج في وجه جماعة مو ـ أبرز المنظرين لبلاغة الأدب. يقول:

"البلاغة تضم في نظرهم كل العناصر الأدبية في الخطاب؛ أي ما يشكل "انزياحا"، وهذا ينطبق على صور الأسلوب بوجه خاص. إن لهذا التعريف مزية تعيين العلاقة بين البلاغة والأدب على أقل تقدير، غير أنه ينطوي على اختزال كبير [...] ومن هنا أصل إلى مأخذي الأخير على هذا التعريف، وهو أنه يهمل الشيء المهم؛ أي العلاقة الحميمة بين البلاغة والإقناع" .

إن النقد الذي يوجهه أصحاب البلاغة الحجاجية إلى منظري بلاغة الأدب عندما ينعتون مقترحهم بـ "البلاغة الضيقة" هو، في تقديرنا، نقد وجيه ولا ينطوي على أي تجن كما قد يتوهم البعض، ممن قد يدفع بـ "عمومية" المشروع البلاغي الذي يقترحه المنظرون للبلاغة الأدبية كما يشهد على ذلك عناوين كتبهم التي بسطوا فيها مشاريعهم البلاغية الموسعة ذات المنحى التجديدي، وعلى رأسها كتاب "البلاغة العامة" الذي اشترك في تأليفه أعضاء جماعة مو.
يبدو أن شبهة (أو تهمة) "تضييق البلاغة" الموجهة إلى منظري بلاغة الأدب، وفي مقدمتهم جماعة مو، ثابتة لا تنكر ولا تدفع، خاصة إذا استحضرنا سعة البلاغة القديمة المرتبطة بمقامات التواصل وسياقات التداول بما أهلها لأن تكون عن جدارة "نظرية في الخطاب"؛ فقد أشار بول ريكور إلى أن بلاغة أرسطو كانت تشمل مجالات عديدية هي:

ـ نظرية الحجاج ـ وتمثل فيها المحور الأساس.

ـ نظرية الأسلوب.

ـ نظرية تأليف الخطاب.

في حين يختزل أصحاب هذا التوجه "البلاغية" في "مبدأ الانزياح" مما يفيد أن ما يطلق عليه، عند هذه الجماعة، "البلاغة العامة" لا يعدو أن يكون، في نهاية التحليل، "بلاغة معممة" (rhétorique généralisée) كما أشار إلى ذلك جيرار جونيت في مقال له شهير عن "البلاغة المختزلة " (rhétorique rerstreinte) :

"عرفت الفترة الممتدة مابين 1969 ـ 1970 ظهور ثلاثة أعمال تواريخ نشرها متقاربة، ورغم تفاوت هذه الأعمال في الحجم، فإن عناوينها تشي بأمر لا يخلو من دلالة، يتعلق الأمر بـ: "البلاغة العامة rhétorique générale لمجموعة لييج groupe de liége الذي نعرف أن عنوانه الأصلي هو: "البلاغة المعممة rhétorique généralisée ومقال ميشيل دوكي "نحو نظرية لصور التعبير المعممة" pour une théorie de figure généralisee ومقال جاك سوشر "الاستعارة المعممة" la métaphore généralisee هكذا يتقلص المجال من البلاغة إلى صور التعبير إلى الاستعارة" .

لقد حصرت جماعة مو "البلاغة العامة" في صور التعبير مقصية بذلك مبحثي الإيجاد والترتيب بما جعل المركزي في البلاغة القديمة يتحول إلى الهامش، والهامش يحتل المركز ، وتلك مفارقة تختزل "محنة البلاغة" التي قدر لتاريخها أن يكون تاريخ "اختزال معمم" كما استخلص جيرار جونيت: "إن تاريخ البلاغة من كوراكس إلى اليوم هو تاريخ اختزال معمم" .

لقد تم الدفع بالقيمة المجازية عند أصحاب "البلاغة العامة" إلى أقصى الحدود، وكانت نتيجة ذلك "تأميم" امبراطورية البلاغة التي تقلصت إلى أحد أجزائها المتمثل في الأسلوب أو العبارة Elocution وبذلك تحولت البلاغة، بعد أن فصلت عن جذورها الفلسفية وانحصرت في الشعر، إلى إشكال أدبي خالص. إذ "ما تقدمه لنا الكتابات المتأخرة في البلاغة لا يعدو أن يكون "بلاغة مختزلة"، بتعبير جونيت، فقد اقتصرت على نظرية الأسلوب ثم ضاقت أكثر عندما انحصرت في نظرية المجاز" .

وقد سخر جيرار جونيت، بعد تتبع دقيق لـ"محنة البلاغة" عبر مسار اختزالي طويل، من هذا التابع الذي يريد أن يصير متبوعا بعد عملية سطو طمح بعدها أن ينصب حاكما جديدا لأرض البلاغة.

"لعله من البداهة، فيما آمل، أننا لا نقترح هنا لا على الشعر ولا على الشعرية التوقف عن استعمال الاستعارة أو نظريتها، إذ الصحيح أن الاستعارية أو المجازية أو نظرية صور التعبير هي التي لا تتركنا وشأننا مع البلاغة العامة، وأكثر من ذلك فإن هذه "البلاغة الجديدة" هي التي تنقصنا ( من بين أشياء أخرى ) من أجل "التأثير في محرك الكون"، كما أنها هي التي ستكون سيميائية جميع أنواع الخطاب" .

ويمكن اعتبار البلاغة التي تبلورت في النموذج اللساني البنيوي، وظهرت ملامحها الأولى مع سؤال "الأدبية" الذي أثاره الشكلانيون الروس من أهم الأسباب التي عملت على تقوية المسار الاختزالي، الذي يركز "البلاغية" في مبدإ الانزياح ليعمل بعد ذلك على تعميمه باعتباره "بلاغة عامة" كافية لفهم الخطاب وتفسيره، فقد شكلت دراسة ياكبسون للاستعارة والكناية التي جاءت في سياق التأسيس لمفهوم "الوظيفة الشعرية"، انطلاقا من تصور يعتبر علم الأدب جزءا من اللسانيات ، أرضية لانطلاق مشروعات بلاغية موسعة من أبرزها كتاب "البلاغة العامة" لجماعة مو. فقد جاء الكتاب مطبوعا بالروح العلمية الشائعة في دراسات ياكبسون لبعض الوجوه البلاغية، وهو ماجعل المشروع البلاغي لجماعة مو متنزلا داخل أسلوبية النص التي يعتبر ياكبسون أبرز روادها. فمع تدقيقه الشهير لوظائف اللغة وتنظيراته المعمقة في إطار القيمة المهيمنة، فإن "أبحاثه وأبحاث الشكلانيين الروس الآخرين تتركز في المقام الأول على العناصر النصية، وعلى العلاقات المتبادلة بينهما، وعلى الوظيفة التي تؤديها في مجمل النص" .

إن "البلاغة" من منظور هذا التصور "التعميمي" منهج لوصف مختلف أنواع الخطاب الأدبي من زاوية "البلاغية" التي هي صفة متعالية في الخطاب، تتساوى فيها مختلف المخاطبات الأدبية (الشعر والرواية والمسرح والسينما...) وإن بدرجات ونسب متفاوتة، وهو ما جعل الأنموذج البلاغي الأسلوبي الذي بلورته جماعة مو في كتابها "البلاغة العامة" يقترب، من نواح عدة، من أنموذج الشعرية البلاغية الذي بلوره ياكبسون، إذ البحث في خصوصية الخطاب الأدبي أس في كلا النموذجين، فـ"الوظيفة البلاغية" في نموذج جماعة مو يكاد يرادف "الوظيفة الشعرية" في إنشائية ياكبسون. إن نقطة الارتكاز في النموذجين واحدة تتمثل في السعي إلى ضبط الخصوصية الأدبية استنادا إلى الأنموذج اللساني، فـ"الوظيفة الشعرية" عند ياكبسون ليست وقفا على الشعر ولكنها صفة، عنده، لكل خطاب ينزع منزعا أدبيا يدخله في حدود "الفن". ونفس الأمر بالنسبة لـ"الوظيفة البلاغية" عند جماعة مو، فهذا المصطلح لا يحيل، في تشغيل الجماعة، على فن الإقناع وإنما يرتبط بـ"الوظيفة الأسلوبية" (الشعرية)، التي هي صفة لكل خطاب يتجاوز التواصل الوظيفي العادي إلى التأثير الفني والجمالي. والفرق الوحيد بين المصطلحين أن أصحاب البلاغة العامة كانوا قد صاغوا مفهومهم ليشمل جميع الخطابات لغوية وغير لغوية، في حين قصر ياكبسون مفهومه على الخطابات اللغوية لا غير.

إن اختزال "البلاغة" عند جماعة مو في قانون الانزياح الذي لا يخرج عن الإطار اللساني بثنائيته المعروفة : اللغة والكلام أفضى إلى "تضييق البلاغة" في مقترحهم ليس إلى بلاغة النص الأدبي فقط، وإنما إلى بلاغة الوظيفة الشعرية على النحو الذي حددها ياكبسون، بوصفها المقوم الذي ينقل الخطاب اللغوي من وظيفته التواصلية الإخبارية إلى وظيفته الجمالية التأثيرية .

وبهذا الاعتبار تكون "البلاغة العامة" التي بلورتها جماعة مو امتدادا نظريا لـ "بلاغة الشعر"، حيث يتم "تعميم" الوظيفة الشعرية على مختلف الخطابات، وهو ما بعث كثيرا من الصدع في النظرية البلاغية لهذه الجماعة، التي تطمح إلى صوغ أنموذج بلاغي عام (أو معمم) في الوقت الذي لا تستطيع فيه التخلي عن مفهوم أساس دافعت عنه البنيوية الشعرية هو "الانزياح"، وإن كان هذا المفهوم عند الجماعة يتخذ موقعه داخل "البلاغة العامة" التي بشرت بها باعتباره تحولا يقع داخل الخطاب الشعري أو الحكائي أو العامي-الشعبي، وإن بدرجات ونسب متفاوتة. و"البلاغة العامة" كما تنظر لها الجماعة، هي التي تمكن من معرفة النظرية العامة للتحولات التي تعتري لغة الخطاب، إذ تفترض أن اللغة في الاستخدام العادي، الذي يتغيا التوصيل، توجد في "الدرجة الصفر" من البلاغة، ولا يكون لها نصيب من "البلاغية" إلا إذا توجه المتكلم إلى التصرف في اللغة المعيارية بإجراء تحويلات فيها انطلاقا من التقنيات التي يوفرها له "العتاد البلاغي". وبذلك يكون موضوع البلاغة، عند هذه الجماعة، متحددا في تحليل التقنيات التحويلية التي تكسب النص صفة "البلاغية".
لقد كشفت جماعة مو من خلال مشروعها البلاغي الموسع، الذي بسطته في مصنف "البلاغة العامة" عن طموحها المعلن إلى إحياء البلاغة القديمة، وإعادة صياغتها وفق أنموذج تصنيفي وتفسيري، يمكن من اكتشاف القوانين الضابطة للصفة البلاغية في كل الاستخدامات اللغوية. وقد جاءت تنظيراتهم لـ"لبلاغة البصرية" حلقة أخرى في سلسلة التوجه البلاغي العام الذي دأبت الجماعة على رسم معالمه.

وبهذا الاعتبار تكون جهود هذه الجماعة منضوية ضمن مشاريع "البلاغة الجديدة" الساعية إلى تثبيت دعائم "البلاغة العامة" بمفهومها الأرسطي القديم، لكن حصر الجماعة "البلاغة" التي أرادوها "عامة" في "مبدإ الانزياح" جعل مشروعهم لا ينقاد لأنواع أدبية أخرى غير الشعر، كما يشهد على ذلك التعثرات التي شابت مقترح هذه الجماعة عندما حاولوا تعميمه على "السرد" مثلا .

3 ـ البلاغة وضع سميائي:

لقد اكتشفت السميائيات الحديثة مدى الثراء الذي تنطوي عليه المعرفة البلاغية بوصفها منهجا للتفكير موضوعه اللغة، فسعت إلى الإفادة من الإمكانات التي توفرها الشبكة المفهومية للبلاغة، واستراتيجيتها المعتمدة في وصف النصوص وتفسيرها، وهو ما أسهم في تخليص النظر البلاغي من الثنائية الحادة التي كانت قد حصرت نفسها فيها: نزوعها إلى المنطق والجدل من جهة، وميلها إلى الشعر وعبره إلى فن الكتابة من جهة مقابلة.
لقد أعطت السميائيات الحديثة دفعا كبيرا للبلاغة، فأعادت لها الروح من جديد بعد أن انكفأت على ذاتها انكفاء سلبها ديناميتها النصية وحصرها في "الصياغة". لكن البلاغة ستفلح، بوصفها تفكيرا، في أن تقاوم أسباب فنائها وتقاوم عاديات الزمن. إذ لم تعد حبيسة النظرة المعيارية الضيقة التي تحصرها في صور التعبير، بل أصبحت، وقد تخلت عن الروح المعيارية التي ألجمت جموحها الإبداعي، تقدم نفسها باعتبارها نسقا تحليليا، ونظاما واصفا له القدرة على استيعاب مختلف أنواع الخطاب، فألفيناها ترتاد تخصصات لم تكن قد اعتادت ارتيادها من قبل، مثل التحليل النفسي والأنثروبولوجيا والفلسفة واللسانيات، كما استطاعت أن تجدد نفسها ضمن المناهج النقدية المنضوية تحت القراءة النسقية، مثل النقد الجديد والشعرية والتداوليات والنقد الثقافي، ساعية من كل ذلك إلى تأسيس مفهوم "البلاغة العامة"، الذي أسعفها في تحقيق طموحها لمجاوزة "نظرية الاستعارة" ودراسة الأسلوب، إلى "نظرية في الخطاب"؛ أي لغة واصفة تتوخى وصف وتحليل جميع الأنساق السميائية الدالة.

يشكل التوجه السميائي النصي مسعى رائدا لتحديث المعرفة البلاغية وتطويرها، وبذلك فهو ينضوي ضمن الجهود التي يبذلها بلاغيون محدثون كبار لبيان مدى صلابة الأساس العلمي لقيام "بلاغة عامة" نسقية تجمع في ضفيرة واحدة بين التصديق (الإقناع) والتخييل (الإمتاع) .

وقد اتخذ البحث الحديث عن علم شامل للخطابات تسميات مختلفة منها سميائيات النص الأدبي، و"علم النص" الذي صرح فون ديك بأنه الوريث الشرعي للبلاغة . لكن انطلاق هذه الجهود البلاغية من مجالات معرفية خارجية (اللسانيات والسميائيات) يجعلها مرتهنة بالضرورة إلى نسق اصطلاحاتها، وهو ارتهان دفع ببعض المعاصرين إلى الارتياب في جدوى النتائج التي يمكن تحصيلها من مثل هذه المحاولات "التعميمية"، لأنها إن دلت على وجود موضوع لـ"بلاغة عامة"، فإنها "لم تقدم بديلا ملائما للموضوع يؤدي بالبلاغيين إلى الزهد في خدمات هذا العلم العتيق: البلاغة" .
لقد أصبح العزم معقودا عند أصحاب التوجهات البلاغية التعميمية على تجديد شبكة المفاهيم البلاغية، وتحديث اصطلاحاتها حتى تستوعب مختلف الأشكال الخطابية: السياسية والإشهارية والتربوية والقضائية والدينية والفلسفية. كما صحت عندهم النية على تطوير الاستراتيجية المعتمدة في التحاليل البلاغية، بحيث تمتد لتشمل أشكال التعبير الإيقوني بدءا من "الكتابة" ووصولا إلى "الصورة" . وهو تعديل في التفكير البلاغي فرضته التحولات العميقة التي شهدها العصر الذي بات يعرف، بسبب الانفجار المهول الحاصل في التقنيات الرقمية الحديثة، بـ"عصر الصورة" .

وقد ترتب عن ذلك واقع جمالي جديد لم تعد السيادة فيه مقصورة على العلامات اللسانية وحدها، بل أصبحت الأنساق السميائية الدالة جميعها موضوعا رئيسا وأثيرا للتحليل البلاغي السميائي، إذ "لم تخرج مقاربات البلاغة عن إطار التحليل السميائي للخطاب الذي يسعى إلى البحث عن كلياته وقوانينه وأنساقه ومعرفة أجزائه؛ بحيث يتم تقطيع الوحدات الخطابية تقطيعا يحاكي الإجراء اللساني الوصفي، ويتجاوزه في الآن نفسه، لأنه يتعدى حدود الجملة. ومن هذا المنطلق تم النظر إلى البلاغة على أنها فرع من الخطاب، إن لم تكن نظرية للخطاب" .

لقد استطاعت البلاغة بانفتاحها على بعض الآليات المنهجية لتخصصات الجوار مثل اللسانيات والأسلوبيات والشعريات والسميائيات أن توسع من حقلها الإجرائي ليشمل جميع أفانين القول، فكان أن أصبحت "البلاغة، بهذا المفهوم، مرادفة للسميائيات من حيث هي هندسة ذهنية لعوالم اللغة والفكر" .

إن هذه الوجهة في التفكير البلاغي تذكر من وجوه عدة، وخاصة من زاوية المقاصد، بالمسار الذي قطعته اللسانيات في طموحها لتحقيق "نحو كلي" يختزل أنحاء جميع اللغات الطبيعية، وقد اقتدت البلاغة، على ما يظهر، باللسانيات في هذا المقصد فلم يعد طموحها منحصرا في بلاغة لغة بعينها، وإنما أصبحت تتطلع إلى تشييد نسق بلاغي كلي، يشمل جميع الأنساق السميائية الدالة بوصفها "لغات"، وهو ما يجعل التحليل البلاغي السميائي، في نهاية المطاف، دينامية نصية حجاجية في منطلقها، شعرية في جوهرها، وعمومية في متصوراتها. ولعل مقال هنريش بليث عن "البلاغة والأسلوبية" أن يكون أجرأ محاولة لتجاوز الثنائية الحادة التي تجاذبت تسمية "بلاغة" ، عندما توزعت مباحثها ما بين قطب المنطق الذي يفردها لمجال الإقناع وآلياته، وقطب الأدب الذي يمحضها للبحث في صور الأسلوب.

لقد حاول بليث في هذا المقال المطول أن يبلور مفهوما نسقيا تغدو البلاغة بمقتضاه علما أعلى يشمل التخييل والحجاج على حد سواء، وقد شكل الإلحاح على منطقة التلاقي بين القطبين وتوسيعها مدخلا تلطف منه بليث لتحقيق هذا المقصد العزيز. فقد حدث خلال رحلة انشطار طويلة بدأها – ويا للمفارقة- أرسطو نفسه عندما فصل "الخطابة" عن "الشعرية" أن توسع البعد الأسلوبي الشعري في البلاغة على حساب البعد الفلسفي التداولي، وهو البعد الذي عمل على "تأميم" الأجزاء الشاسعة التي كانت تشكل "إمبراطورية البلاغة"، ليعلن نفسه – بعد ذلك- موضوعا وحيدا للبلاغة التي ضاقت بعد إجراءات "التأميم"، لتصبح "نظرية في الأسلوب"، وهي التي كانت "نظرية في الخطاب".

وقد استلزم ذلك نهضة بلاغية ركزت جهودها على استرجاع الأجزاء المفقودة والمصادرة لتأسيس "بلاغة جديدة" تصهر القطبين (التخييل والتداول)، وتدمج بينهما في منطقة مشتركة يتم توسيعها وتهيئتها لتكون موضوعا لـ "بلاغة عامة نسقية"؛ فقد كان من مآخذ بليث التي سجل على التوجه الأسلوبي الشعري منزعه "التأميمي" الذي يعكس تطلعات إمبريالية توسعية، تمثلت في مساع من أصحاب هذا التوجه رامت تضييق البلاغة ومصادرة أراضيها لحساب مكون من مكوناتها هو "العبارة"، ليجري بذلك إهمال البعد الحجاجي التداولي الذي طالما اغتنت به البلاغة القديمة قبل أن تختزل، في نهاية المطاف، إلى "نظرية في صور التعبير"؛ البعد الذي شدد عليه أصحاب هذا التوجه وعملوا على "تعميمه" ليصبح الممثل الوحيد للبلاغة إن لم يكن هو "البلاغة"، بعد أن كان مجرد قطعة من أراضي "إمبراطورية البلاغة" المترامية الأطراف. يقول بليث: "لقد اعترف منظرون محدثون مثل ج. ن. ليش وت. تودوروف ومجموعة لييج (ج. ديبوا و.ح.م كلانكبيرك وأل) بدقة فن العبارة القديم (Elocution) وأسلوبية الانزياح، وحاولوا إدماجها اعتمادا على اللسانيات البنيوية، كانت النماذج المحصلة بهذه الطريقة أحيانا أكثر تماسكا من البلاغة الكلاسيكية، غير أنها بخلاف الأخيرة تتخلى بشكل يكاد يكون تاما عن التوجه التداولي" .

يطمح هنريش بليث، كما يظهر من العنوان الفرعي لكتابه، إلى بناء "نموذج سميائي لتحليل النص"، وهو مقصد تلطف بليث في تحقيقه بدرس "البلاغة" في القسم الأول، وفحص "الأسلوبيات" في القسم الثاني، ليخلص في القسم الثالث إلى اقتراح أنموذج أسلوبي جديد أطلق عليه "التحليل السميائي".

يستند مقترح بليث في أساسه النظري إلى مشروع سميائي قائم على أسلوبية الانزياح إلا أنه يشتغل، في الآن نفسه، على المستوى التداولي، كما يعيد تشغيل نسق الوجوه البلاغية القديمة المستند إلى مبدأين: الانزياح والأثر الانفعالي.
يمثل نموذج بليث في "التحليل السميائي النصي" مسعى صاحبه لتشييد نسق يتعامل مع الخطابات المختلفة حسب مقاماتها وتبعا لمقصديتها، بحيث يراعي في تحليل الخطاب ثلاثة أبعاد هي: التركيب والدلالة والتداول، مدخله إلى ذلك الدمج بين فن العبارة القديم (البلاغة القديمة) وأسلوبية الانزياح مع تطوير نتائجهما وتحسينها وتصحيحها إذا اقتضى الحال .
وزيادة على ذلك يضم مقترح بليث مكونا تداوليا يسمح بمعالجة التنوعات التي أنتجها النموذج الانزياحي بطريقة مختلفة وتبعا لمقصديتها . ويستند التمييز بين الخطابات المختلفة (يومي وشعري وخطبي) في أنموذج بليث إلى مقامات التواصل التي يتنزل فيها الخطاب، كما تتدخل المقاصد في تحديد طبائع الخطابات استنادا إلى "القيمة المهيمنة" حسب مفهومها عند ياكبسون، وهو ما يجعل العلاقة بين الخطابات، تبعا لهذا الفهم، قائمة على التداخل والاتصال وليس على القطيعة والانفصال. يقول بليث راسما حدود التداخل والتخارج بين الخطابات المختلفة:

"إذا مال التواصل البلاغي إلى التواصل الشعري فإن الصورة البلاغية تتحول إلى صورة شعرية. وهذا يتضمن تغييرا في الوظائف. ففي حين يرتبط التواصل البلاغي (مثل التواصل اليومي) بوظيفة مقصدية ملموسة لا بوظيفة لسانية، فإن الغرض من (ت ش)، بحسب ياكبسون، ليس إلا غرضا في ذاته (الغنائية الذاتية)، أي أن الدليل اللساني يحيل على نفسه، ومن هذه الزاوية فإن (ت ش) لا يرتبط بعناصر خارج اللغة، بل يكون نظامه التواصلي الخاص، ومع ذلك فإن هذه المعالجة لا تعني أن هناك رجوعا إلى تصور عتيق وعازل للأدب، بل إنها أكثر تعقيدا في الواقع، فالوظيفة الشعرية لا تلغي الوظائف الأخرى، بل تكتفي بالهيمنة عليها، فالواقع أن النص الشعري يحتوي عناصر شعرية وعناصر إخبارية، وإذا وقعت انزلاقات في تراتبية الوظائف النصية، تبعا لتغير في نمط التلقي، فقد ينتج عن ذلك شعرنة نص أو ضياع شاعريته[...] وينبغي ترتيب الصور اللسانية حسب الهيمنة الوظيفية، وبذلك ستنتمي حينا إلى تصور أسلوبي شعري، وحينا إلى تصور بلاغي، وحينا إلى تصور يومي" .

انطلق بليث في تشييد نسقه في "التحليل السميائي" من إقامة فرضية تعتبر الصورة البلاغية الوحدة اللسانية التي تشكل انزياحا، وبذلك يكون "فن العبارة" نسقا من الازياحات اللسانية. وقد اعتمد بليث نموذج موريس السميائي لتمييز ثلاثة أصناف من الانزياحات هي:

1/ انزياح في التركيب (العلاقة بين الدلائل)

2/ انزياح في التداول (العلاقة بين الدليل والمرسل والمتلقي)

3/ انزياح في الدلالة (العلاقة بين الدليل والواقع)

وحدد بليث الصور التداولية باعتبارها انزياحا بالقياس إلى معيار التواصل اللساني، حيث إنها تمثل نسقا من "أشباه أفعال الكلام"؛ أي من أشكال صورية للتواصل، معتبرا أن وضع هذه الصور في نسق يفترض تصنيف جميع أفعال الكلام الممكنة، وعلى هذه القاعدة يمكن إقامة "نحو ثان" للتواصل يولد جميع الصور التداولية .

إن "عمومية" البلاغة، عندما تتماهى بالسميائيات، تصبح مرادفة لـ "أنحاء الخطاب" وأشكال الصور، وهكذا "تهاوت البلاغة المعيارية وتفريعاتها المختلفة من عليائها، وانبثقت متصورات البلاغة الجديدة التي تتماهى مع السميائيات في كونها لغة واصفة لخطابات المجتمع" .

إن اعتماد البلاغة نظرية في تحليل النصوص مرتد، عند بليث، إلى سببين: تاريخي (يتعلق بإنتاج نصوص حسب قواعد بلاغية، واستعمال تلك القواعد يسعف في الكشف عن تنظيم النصوص)، ومنهجي (يرجع إلى ما أظهر النسق البلاغي من قابلية للاستمرار عبر تاريخ طويل، ومرونة تسمح بالتمادي في تطبيقه على نصوص جديدة .
إن البلاغة التي يدافع عنها هذا التوجه لا تنحصر في البعد الجمالي، ولكنها تستثمر الأفق العام الذي تفتحه البلاغة في الاتجاهين الأساسين: الاتجاه الحجاجي المنطقي والاتجاه الأسلوبي الشعري لتتحول إلى "سميائية أنواع الخطاب" كما وصفها جيرار جونيت أو "علم واسع للمجتمع" كما يريدها هنريش بليث: "يجب أن نسجل أولا أن البلاغة قد صارت علما، وأننا نهدف من جهة ثانية إلى إقامة نظرية بلاغية، وأن البلاغة من جهة ثالثة ليست محصورة في البعد الجمالي بشكل صارم، بل إنها تنزع إلى أن تصبح علما واسعا للمجتمع" .

البلاغة في السياق العربي:

لعل أولى الإشكالات المعرفية والمنهجية التي تواجه الباحث في البلاغة العربية ذلك الاضطراب الذي يعتري تشغيل مصطلح "بلاغة" في نظامنا النقدي والبلاغي القديم، فنظرة في هذا النظام عجلى تظهر حيرة اصطلاحية ناجمة، في تقديرنا، عن تداخل مباحث بلاغية رئيسة استبدت بالدرس البلاغي العربي هي البيان والبديع والفصاحة والبلاغة، ولذلك لا نجد تحديدا واحدا جامعا وشاملا حصل عليه الاتفاق في المدونة البلاغية العربية لتعيين المقصود بتسمية "بلاغة"، وهو أمر يمكن أن يرتد إلى أن مباحث البلاغة في السياق العربي لم تكن، في طور النشأة، محصورة في ميدان البلاغة لذاته وإنما توزعتها علوم عربية وإسلامية أخرى مثل النحو والفقه والكلام والتفسير .

لهذا الاعتبار كان الباحث "سيرتكب خطأ إذا هو اعتقد أن الاهتمام بـ "البيان" بأساليبه وآلياته وأصنافه كان من اختصاص علماء البلاغة وحدهم، هؤلاء الذين جعلوا من "علم البيان" أحد الأقسام الثلاثة التي ينقسم إليها "علم البلاغة" العربية (علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع). فالبلاغيون الذين اتجهوا هذا الاتجاه كانوا آخر من ظهر على مسرح الدراسات البيانية، كما أن تصنيفهم ذلك لعلوم البلاغة لم يتقرر بصورة نهائية إلا في مرحلة متأخرة، وبكيفية خاصة مع السكاكي المتوفى سنة 626هـ. أما قبل ذلك فلقد كان مصطلح "البيان" يشمل كل الأساليب والوسائل التي تساهم، ليس فقط في تكوين ظاهرة "البلاغة"، بل أيضا في ما به يتحقق التبليغ" .

وإذن، فقد كان بدهيا أن تتعدد المفهومات الخاصة بالظاهرة البلاغية تبعا لتعدد التصورات، التي ارتهن إليها الخطاب البلاغي العربي، الذي تأسس داخل حقول معرفية متباينة في الرؤية والمنهج، وإن توحدت في بعض المقاصد مثل نظرية الإعجاز التي شكلت أس كل بحث "عربي" في البلاغة. ومن هنا كانت المعضلة التي تواجه الباحث في البلاغة العربية معضلة ضبط المفهوم وتحديد استعمالاته، فذلك مطلب يقتضي جهدا كبيرا وشاقا لتتبع المسارات المختلفة التي سلكتها البلاغة العربية، وتعرف التحولات العميقة التي رافقت ولادة مصطلح "بلاغة"، الذي حاطه كثير غموض والتباس فيما يتصل بالجانب المصطلحي. وقد أسهمت في ذلك عوامل عديدة تأتي في مقدمتها الاعتبارات الإيديولوجية التي كان يقع الارتهان إليها في تشغيل مصطلح وإقصاء آخر.

لعل أظهر مثال لهذه الحيرة الاصطلاحية التي وسمت تشغيل مصطلح "بلاغة" في السياق العربي ما جاء في باب "البيان" من كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ، حيث نجد كلمة "خطيب" ترد في استعمال الجاحظ مرادفة لكلمة "بليغ"، مثل قوله: "... إذا كان الخليفة بليغا والسيد خطيبا" بل إن "البلاغة" إنما تتحدد في الكتاب باعتبارها مراعاة لشروط "الخطابة" كما يظهر من هذا الشاهد: "أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش ساكن الجوارح قليل اللحظ..." .

وقد تفطن القدماء إلى الخلط والتشويش اللذين وسما توصيف الجاحظ للبلاغة فانتقدوه صنيع صاحب "نقد النثر" الذي كتب يقول معرضا بالمشروع البلاغي الذي حاوله الجاحظ في "البيان والتبيين":

"وقد ذكر الناس البلاغة ووصفوها بأوصاف لم تشتمل عليها، وذكر الجاحظ كثيرا مما وصفت به، وكل وصف منها يقصر عن الإحاطة بحدها

كما وجدنا عند ابن سنان الخفاجي انتقادا لمحاولات القدماء حد البلاغة بحدود وجدها،عند التحقيق، غير صحيحة:"وقد حد الناس البلاغة بحدود إذا حققت كانت كالرسوم والعلائم وليست بالحدود الصحيحة" . أما ابن الأثير وهو من البلاغيين المتأخرين فقد كتب يقول في الفصل الذي عقده لـ "الفصاحة والبلاغة" من المثل السائر: "اعلم أن هذا باب متعذر على الوالج، ومسلك متوعر على الناهج، ولم يزل العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه والبحث عنه، ولم أجد من ذلك ما يعول عليه إلا القليل" .

إن أقصى ما يمكن أن يجد الباحث عن حد لـ "البلاغة" في الموروث العربي، بعض إشارات مبثوثة في تضاعيف المدونات النقدية والبلاغية القديمة مداره على الإيماء إلى أن هناك "نظما و"صياغة" و"تصويرا" و"نسجا" و"تعبيرا" دونما تدقيق للمفاهيم أو ترسيم للحدود. أما العثور عن حد للبلاغة في موروثنا العربي يكون جامعا مانعا، كافيا شافيا، فإنه يمثل بالنسبة لباحث بلاغي معاصر "أعز ما يطلب" بل "المنية والأمل" دونهما خرط القتاد، وهو ما عناه حمادي صمود بقوله إن "عدم التقيد بضوابط التعريف وانحصار مفهومه عندهم في استعراض الخصائص التي تحقق البلاغة، سيكون السمة الغالبة على تعريف البلاغة في كل مراحلها، ولن نجد صدى لأي محاولة تروم الوقوف على الحد الجامع المانع" . وهي ظاهرة وقع الانتباه إليها منذ القديم، يقول العسكري مثلا بعد أن أثنى على جهد الجاحظ في "البيان والتبيين" أشهر كتب البلاغة العربية: "... إلا أن الإبانة عن حدود البلاغة وأقسام البيان والفصاحة مبثوثة في تضاعيفه، ومنتشرة في أثنائه، فهي ضالة بين الأمثلة لا توجد إلا بالتأمل الطويل، والتصفح الكثير" .

يستطيع المتتبع لتاريخ البلاغة العربية أن يلحظ أن مصطلح "بلاغة" لم يهيمن إلا في العصور المتأخرة، فقد ذكر ابن خلدون أن الاسم الأول الذي كان شائعا بين المشتغلين بالدراسات البلاغية هو "البيان"، الذي شكل "أصلا" تفرعت عنه "العلوم البيانية" الثلاثة، وهي "علم البلاغة" الباحث في "الدلالات التي للهيآت والأحوال والمقامات التي تطابق باللفظ جميع مقتضيات الحال"، و"علم البيان" الذي يبحث في الدلالة على اللازم والملزوم ثم "علم البديع" الذي يبحث في وسائل تحسين الكلام وتزيينه .

وقد ظلت التسميات الثلاث شائعة في المشرق والمغرب، وإن كانت قد تبادلت "المواقع بحسب الظروف التعليمية والثقافية والاجتماعية، ولكن هذا التبادل لم يكن إلا في عناوين الكتب. وأما داخلها فكانت تتعايش وتتفاعل وتتداخل، هكذا يجد المهتم "أسرار البلاغة"، ويعثر على "البديع"، ويواجه "البيان والتبيين"، ولكنه يجد في كل كتاب من هذه الكتب حديثا عن العلوم الثلاثة" .

البلاغة الإقناعية: البـيـــان

يمكن لمتتبع تاريخ البلاغة العربية أن يلحظ أن "البيان" مصطلح ظهر قبل أن تتبلور كلمة "بلاغة" وتستقر مفهوما واضح المعالم في التراث العربي.

يثير مصطلح "بيان" الكثير من اللبس عند القارئ غير المتخصص، الذي تعود أن يعتبر "البيان" واحدا من أقسام ثلاثة تكون مجتمعة "علم البلاغة" وهي "المعاني" و"البيان" و"البديع". والواقع أن الدراسات البيانية لم تعرف هذا التقسيم الثلاثي لعلوم البلاغة إلا في مرحلة متأخرة بعد أن غلب على البلاغيين المتأخرين هوس التقسيم والتصنيف. ويمكن تعيين كتاب "مفتاح العلوم" للسكاكي بداية لهذه المرحلة، وإلا فإن مصطلح "البيان" كان قبل ذلك يشمل كافة الوسائل التي تكون ظاهرة "بلاغة" بل وكل ما يمكن أن يتحقق به "التبليغ"، كما يمكن أن يستفاد من إشارات ابن خلدون في الفصل الذي عقده لـ "علم البيان" من مقدمته، حيث يذكر أن "البيان" شكل الاصطلاح الأكثر شهرة عند المشتغلين بعلوم اللسان العربي، فقد كان يأتي عندهم على رأس اللائحة المصطلحية التي تضم أصناف هذا العلم، فتحت "البيان" يندرج، كما أشار ابن خلدون، "علم البلاغة" و"علم البيان" و"علم البديع" .

يوكد هذا الفهم ويرجحه ما نجده عند ضياء الدين بن الأثير، وهو بلاغي متأخر نسبيا من توسيع لمفهوم "البيان" تماما مثلما كان عند سابقيه، وهو ما يمكن استبانته من قوله: "...وعلى هذا فموضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة وصاحبه يسأل عن أحوالهما اللفظية والمعنوية" . فهذا الكلام دال على أن "البيان" عند ابن الأثير مفهوم جامع يضم بين أحنائه "البلاغة" برمتها كما يشهد على ذلك انبناء كتابه "المثل السائر" على مقالتين: الأولى في الصناعة اللفظية والثانية في الصناعة المعنوية وفيهما أدخل ابن الأثير جميع الأوجه البلاغية مثل السجع والتجنيس والاستعارة والإطناب والكناية... وربط ذلك كله بصناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور.

وقد لحظ محمد مفتاح أن تداول مصطلح "البيان" قبل أن تظهر تسمية "بلاغة" ليس قصرا على الدراسات البيانية المشرقية، ولكنه ظاهرة شائعة في الدراسات البيانية المغربية أيضا، فـ "المتتبع للدراسات البلاغية العربية في المغرب يجد، حقا، أن الاسم الذي كان شائعا بين أوساط المتعلمين المغاربة هو اسم "البيان"، ذلك أن الكتب التي وصلتنا لمؤلفين مغاربة تنعت تلك العلوم الثلاثة (علم البلاغة وعلم البيان وعلم البديع) باسم "علم البيان" .

إن لفظة "بيان" لم تكن متميزة من غيرها من ألفاظ العربية قبل القرن الثالث للهجرة، لكن تشغيل الجاحظ لها في كتابه "البيان والتبيين" سيرفعها إلى مستوى "المفهوم"، الذي يأتي على رأس لائحة مصطلحية للدلالة على علم جديد تخلق وتبلور ثم آن الأوان لتوصيفه وتسميته، فإذا كان ابن المعتز قد أفرد مصطلح "بديع" للدلالة على أوجه العبارة الشعرية والتمثيل لها فانشغل، تبعا لذلك، بإحصاء الأنواع البديعية والتمثيل لها، فإن "بيان" الجاحظ معني أساسا بـ "التبليغ" بما هو "كشف للمعنى" للقارئ أو السامع بغرض إقناعه وإفهامه. يقول: "البيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر والغاية التي يجري إليها القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع" .

إن البيان عند الجاحظ "اسم جامع" تندرج تحته جميع أصناف الدلالة أو "وجوه البيان" التي يحصرها الجاحظ في خمسة لا تزيد ولا تنقص: "وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد أولها اللفظ ثم الإشارة ثم العقد ثم الخط ثم الحال التي تسمى نصبة" .

إذا كان ابن المعتز الشاعر والناقد والخليفة قد انشغل أساسا في كتابه "البديع" بالجوانب الفنية والجمالية في الخطاب، فإن الجاحظ لم يكن مجرد أديب وناقد وإنما كان قبل هذا وبعده "متكلما"، والمتكلم، بما هو صاحب مقالة ورئيس نحلة، لا يعنيه الجانب الفني والجمالي في الخطاب بقدر ما تعنيه فعالية الخطاب ونجاعته؛ أي الجوانب الاستدلالية في العملية البيانية، ومن هنا كان "البيان"، عند الجاحظ، منظورا إليه من زاوية وظيفته العملية والإنجازية؛ أي القدرة على التأثير في السامع لتعديل موقفه أو سلوكه من خلال المزاوجة في الخطاب بين الصنعة اللفظية والحجة العقلية.
إن "بيان" الجاحظ هو بلاغة الخطابة القائمة على المقام ومراعاة أحوال المخاطبين، وهو اعتبار وجه الجاحظ إلى التنظير لمقومات الخطاب الإقناعي انطلاقا من مفهوم "المقام الخطابي". يقول:

"والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من مقال" . ومن الوقائع التي تؤكد ذلك أن الجاحظ يستعمل "البلاغة" و"الخطابة" بمرونة تقترب من الترادف كما يظهر من قوله مثلا: "... إذا كان الخليفة بليغا والسيد خطيبا" ، ينضاف إلى ذلك ما أظهره الجاحظ من عناية فائقة بإثبات النصوص الخطابية وتعقب أخبار الخطباء، وهو ما ينهض دليلا على أن الجاحظ متوجه في هذا الكتاب إلى وضع الأسس العامة لنظرية الخطاب الإقناعي. لقد "كان الجاحظ يقدم وسيلة للحوار في عصره بين الفرقاء في المجال الفكري والسياسي، الحوار من خلال الرصيد الخطابي العربي من جهة، وأحوال المخاطبين من جهة أخرى، المهم كيف يكون الخطاب ناجعا، فاعلا" .

إن عناية الجاحظ بـ "البيان" نابعة من عنايته بوظيفية الخطاب ونجاعته، حيث المدار على الغايات والمقاصد التي يرسمها المتكلم لخطابه، وهو فهم يسلمنا إلى أن حرص الجاحظ على "البيان" مرتهن إلى الوظيفة العملية والإنجازية التي ينيطها بالعملية البيانية ككل، حيث "المتكلم" عنده ناهض بوظيفة "بيانية" و"تبيينية" بطريق كشف قناع المعنى وتوضيحه للسامع، ومن أجل أن يتحقق "البيان" (= الإفهام) ينيط الجاحظ بالسامع وظيفة "التبين" (=الفهم) التي تقتضيه التأمل في المعنى من أجل تفهمه، وهو جهد يجعل السامع شريكا للمتكلم في الفضل، إذ بدونه لا تتحقق "المقاصد" التي يهفو إليها المتكلم، ولذلك أولى الجاحظ عناية خاصة للمستمع –المخاطب الذي أصبح محددا أساسا في العملية البيانية، "لأن مدار الأمر على البيان والتبيين، وعلى الإفهام والتفهم، وكلما كان اللسان أبين كان أحمد، كما أنه كلما كان القلب أشد استبانة كان أحمد، والمفهم لك والمتفهم عنك شريكان في الفضل" .

ومادام مدار الأمر، عند الجاحظ، على "البيان والتبيين" فقد اهتم بشروط "الإرسال الجيد" لضمان حصول "الاستجابة المرجوة"، حيث وجدناه يفصل القول في العناصر الخارجية التي تشترط في العلمية البيانية مثل سلامة النطق وطلاقة اللسان وعدم تنافر الألفاظ لاعتقاده أن "البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج، وجهارة المنطق، وتكميل الحروف..." . وقد بلغ من اعتقاد الجاحظ في أهمية الإرسال الجيد في الإبانة وتحقيق التصديق أن يستعيذ في مفتتح كتابه من "العي" و"الحصر" إذ "البيان بصر والعي عمى" .
وقد بلغ من إعلاء الجاحظ من "البيان" أن لم يحصره في الخطابين الشعري والخطابي، بل جعله يشمل أنظمة رمزية وسميائية أخرى عددها في كتابه، فشملت عنده اللفظ (الكلام المنطوق) والإشارة (باليد والرأس والعين والحاجب والمنكب والثوب والسيف) والخط (الكتابة) والنصبة (الحال الناطقة بغير اللفظ والمشيرة بغير اليد)، والعقد (الحساب باليد عوض اللفظ والخط) .

إن البيان عند الجاحظ منظورا إليه من زاوية وظيفته الكلامية هو سلطة تقدر المتكلم على التأثير في السامع لإيقاع التصديق وتحقيق المقاصد، ذلك أن "مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع" .

لكل ذلك استخلص حمادي صمود أن أبرز ما ساهم به صاحب "البيان والتبيين" هو "تنزيله مختلف الأساليب البلاغية المعروفة إلى عهده في حيز "البيان" الذي اتخذ منه إطارا عاما للبلاغة والفصاحة" .
البلاغة الشعرية: البديــــع

قبل أن يظهر مصطلح "بلاغة" بوصفه الحاكم الجديد لأرض الخطاب في التراث العربي، كان التأمل في الخطاب "البليغ" قد أفرز عديد مصطلحات رصد لوصف الخطاب "البليغ" إنتاجا وتلقيا، ويرجح الدارسون أن يكون مصطلح "البديع"، الذي استعمله ابن المعتز في القرن الثالث للهجرة عنوانا لكتاب مستقل، أقدم تأمل في الخطاب الأدبي من منظور الخصوصية التعبيرية، فهو أول تأليف "صنف في البديع ورسم فنونه، وكشف عن أجناسها وحدودها بالدلالات البينة والشواهد الناطقة، بحيث أصبح إماما لكل من صنفوا في البديع بعده، ونبراسا يهديهم الطريق" .

وقد شعر هذا الناقد والشاعر والخليفة بجدة هذا المبحث على البلاغة العربية فنبه على ذلك بالقول: "البديع اسم موضوع لفنون من الشعر يذكرها الشعراء ونقاد المتأدبين منهم، فأما العلماء باللغة والشعر القديم فلا يعرفون هذا الاسم، ولا يدرون ما هو" ، كما فخر بسبقه إلى التصنيف في هذا الفن: "وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد" . وهو فضل أقر له به القدماء مثل ابن رشيق الذي صرح أن " البديع ضروب كثيرة، وأنواع مختلفة [...] على أن ابن المعتز وهو أول من جمع البديع وألف فيه كتابا" .

وإن كان تحقيق هذا "الادعاء" يقتضينا الإشارة إلى أن ابن قتيبة، وهو متقدم على ابن المعتز، كان قد حاول شيئا من هذا في كتابه "تأويل مشكل القرآن" الذي " يبقى رغم اندراجه ضمن مشغل ديني عام، محاولة لجمع المجازات وتبويبها" مع التعريف بها واستخراج شواهدها من الشعر والقرآن، والكتاب بهذا الاعتبار يمثل خطوة هامة في طريق بلورة مباحث "البديع" . ومن الموكد أن ابن المعتز لم يكن جاهلا بهذا الكتاب حتى يدعي لنفسه فضل السبق والريادة في هذا المجال إلا أن يكون المقصود ما عناه ابن رشيق بـ "الجمع" من أنه تخصيص كتاب مستقل للظاهرة، وتمحيض مصطلح خاص هو "البديع" لتوصيف الوجوه البلاغية التي كانت تدرج من قبل ضمن مبحث "المجاز".

ولا منازعة في الأهمية التي يكتسيها عمل ابن المعتز من هذه الناحية، فقد انتقل بمباحث "البديع" من مرحلة تحسس المشكلات البلاغية في نطاق مشاغل دينية وأدبية عامة إلى مرحلة الصياغة المنهجية، التي تنتظم فيها المادة البلاغية وفق طريقة مخصوصة تفرقها عن الملابسات العقائدية لتصبح موضوع علم مستقل من جهة المنهج والمصطلح. وبهذا الفهم ينتفي كل جدال حول ريادة ابن المعتز للدراسات البديعية بالإنجاز الذي قدم في كتاب "البديع".

لقد ظل مصطلح "بديع" يتغذى لفترة طويلة منذ أن سكه ابن المعتز من التطبيقات النقدية والخصومات الأدبية التي بلغت ذروتها في القرن الثالث للهجرة، فتوسع معناه واغتنت دلالته ليجاوز المفهوم الذي كان يعنيه ابن المعتز عندما شغله أول مرة.

ينصرف مصطلح "بديع" عند ابن المعتز إلى الدلالة على البحث الذي ينشغل أساسا بإحصاء الانزياحات في العبارة الشعرية أو "محاسن الكلام" باصطلاحه والتمثيل لها. وقد أحصى ابن المعتز العناصر المكونة لمذهب البديع فكانت خمسة هي: الاستعارة والتجنيس والمطابقة ورد الصدر على العجز والمذهب الكلامي، ولكل أمثلة وشواهد أثبتها ابن المعتز في مواضعها من الكتاب.

ويسترعي انتباه الناظر في فنون البديع التي عدد ابن المعتز أنها جميعها ألصق بجنس الشعر منها بالنثر، لأن ما يحتمله هذا الجنس (الشعر) من درجات الخرق والتعقيد لتحقيق الوظيفة الشعرية يفوق طاقة النثر ووظيفته الخطابية، ولعل هذا أن يفسر لنا لماذا قصر ابن المعتز فنون البديع على الشعر رغم حرصه المعلن في أول الكتاب على ذكر ما وقع منها في النثر أيضا.

إن ابن المعتز كما يظهر من كتاب "البديع" متوجه بشكل أساس إلى العناية ببلاغة الشعر تخصيصا القائمة أساسا على دراسة المكونات الداخلية للخطاب دون مراعاة لمقامه أو متقبله، ومن هنا غاب، في هذا الكتاب، كل حديث عن المقام أو أحوال المخاطبين فبالأحرى اعتبارهما مقياسا يراعيه المبدع في إنتاجه والناقد في تلقيه. إن ابن المعتز منشغل في كتابه بإيراد الصور البديعية والتمثيل لها دون أية محاولة لرصد الفروق بين الخطاب الشعري والخطاب الإقناعي. وبهذا الاعتبار يمكن النظر لابن المعتز بوصفه رائدا في التأسيس لبلاغة عربية أصيلة تستطيع مباشرة موضوعاتها بكثير من الثقة والنجاعة، حيث استطاع، كما يظهر من استبصاراته البلاغية التي ضمنها "كتاب البديع"، أن يحدد بدقة الموضوع الأساس للبلاغة بما هي دراسة لمختلف أشكال المجاز.

انطلاقا من هذا الوعي توجه ابن المعتز إلى استخلاص السمات الفنية والجمالية التي تحدد "أدبية" الأدب في النظام البلاغي العربي، فانتهى من ذلك إلى وضع سجل بأهمها. وقد كان ذلك أهم إنجاز يقدمه ابن المعتز إلى الشعرية العربية، حبث أصبح "البديع" مفهوما إجرائيا يعالج وقائع نصية ملموسة قابلة للوصف الدقيق دونما استناد إلى المعطيات النفسية والتاريخية كما هو سائد في المناولات النقدية التي تجعل من دراسة النص الأدبي مطية لعلوم أخرى (التاريخ أو الأخلاق أو الاجتماع)، وبهذا الاعتبار نظر لـ "كتاب البديع" بوصفه " فجر الشكلانية العربية الأصيلة في البلاغة والنقد، ما دام اهتمامه وضع اليد على الأدوات التعبيرية، التي تميز الشعر عن غيره، بغض النظر عن العناصر الغريبة عن النص والعناصر التي لا تمثل سمته" .

إن قيمة هذا الإنجاز متأتية، إلى جانب بلورة جماليات التعبير الأدبي، من النجاح في تعيين موضوع اشتغال "البلاغي" الذي لم يكن مفصولا قبل ابن المعتز عن مواضيغ العلوم الأخرى. وقد ترتب عن ذلك أن تميزت "بلاغة البديع" التي أرساها ابن المعتز من "بلاغة المتكلمين"، وإن كانت هذه الأخيرة تبقى متفوقة من حيث القدرة على التنظير.
ونرى من المفيد الإشارة هنا إلى أن مصطلح "البديع"، الذي اصطفاه ابن المعتز لوصف جماليات النص الشعري العربي لم يكن مفصولا عن ملابسات الصراع بين طريقة القدماء وطريقة المحدثين، الذي بلغ ذروته في القرن الثالث للهجرة وطال مجالات الإبداع والسياسة والاعتقاد؛ فقد كانت غاية ابن المعنز من تأليف الكتاب، كما صرح هو نفسه، الرد على دعاوى الشعوبية الذين زعموا أن البديع صناعة دخيلة اقتبسها المحدثون (وأغلبهم من الموالي) من البلاغة اليونانية. والكتاب بهذا الاعتبار دفاع عن أصالة البلاغة العربية في وجه منتقصيها وشانئيها من المفتونين بـ "بلاغة اليونان". وقد بين ابن المعتز غرضه من تأليف الكتاب فأجمله في "تعريف الناس أن المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع" . وتلك دعوى تلطف ابن المعتز في إثباتها بسوق شواهد من " القرآن واللغة وأحاديث رسول لله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع، ليعلم أن بشارا ومسلما ومن تقيلهم وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم، فأعرب عنه ودل عليه" .

البلاغة العامة: بلاغة الخطاب

إذا كان من طوابع البلاغة الغربية فصلها بين الشعرية (poetica) والخطابة ( rhetorica) فإن البلاغة العربية لم تعرف، في تاريخها الطويل، مثل هذا الفصل؛ فقد كانت البلاغة العربية، منذ نشأتها، "بلاغة عامة" موضوعها الخطاب الاحتمالي بنوعيه: التخييلي الشعري والتداولي الخطابي . وهو الإنجاز الذي تحقق على نحو متكامل في مشروع السكاكي حيث البلاغة: "مفتاح العلوم"، وفي مشروع حازم القرطاجني حيث البلاغة: "العلم الكلي" .

البلاغة: "مفتاح العلوم":

لعلنا لا نصادف في تاريخ البلاغة العربية على امتداده الطويل مشروعا بلاغيا تعرض لما تعرض له مشروع السكاكي من نقد وتجريح؛ فعديدة هي الدراسات التي تجعل من السكاكي مسؤولا عما آلت إليه البلاغة العربية من عقم وجمود، فقد اعتبرت مقرراته النقدية واستبصاراته البلاغية التي ضمنها كتابه مفتاح العلوم "عقيمة" ومجافية لروح الإبداع وطبيعة البيان العربي، كما تظهر هذه الدراسات السكاكي مسؤولا عن تحجر البلاغة العربية بما أسس من أنموذج تعليمي ومدرسي يختزل البلاغة إلى "بيان" و "معان" و "بديع"، فخنق بذلك روح البلاغة العربية التي تحولت، نتيجة تقعيدات السكاكي وتعقيداته، إلى بلاغة مدرسية منشغلة بإحصاء الوجوه البلاغية والتمثيل لها، لقد لحظنا في أغلب ما كتبه الدارسون المحدثون نقدا صارما لمنهج السكاكي وطريقته في تنظيم مسائل "البيان العربي"، إذ يبدي البعض، حين يحكم بعقم مشروع السكاكي، دهشة لا تنقضي من الهيمنة التي فرضها "المفتاح" على البلاغيين المتأخرين. يقول بدوي طبانة مثلا: " ولسنا نعرف السحر العجيب الذي سحر العلماء وفتنهم بكتاب السكاكي فجعلهم ينسون أنفسهم وينكرون ملكاتهم، ليسيروا في ركاب السكاكي وفي قيد كتابه حتى جعلوه القطب الذي يدورون حوله، والغاية التي ييممونها" . وفي موضع من الكتاب آخر يقرر طبانة "أنه لم يفسد البلاغة العربية أو البيان العربي مثل تمحيص السكاكي وتهذيبه وترتيبه" .
لكن تطور مباحث الحجاج والتداوليات سيكون عاملا حاسما في إعادة الاعتبار إلى بلاغة السكاكي، فقد وجدت من الدارسين المعاصرين من انبرى للدفاع عنها في وجه منتقصيها الذين نعتوها بالتحجر والجمود. يقول عمر أوكان:
"إذا كانت بلاغة السكاكي قد انتقدت كثيرا باعتبارها قد مالت بالبلاغة العربية إلى التحجر عن طريق جانبها التعليمي، الذي اغتال الجانب المنتج منها في البلاغة العربية، فإننا من جهتنا نعتبر عمل السكاكي عملا رائدا في تاريخ البلاغة العربية، خصوصا من خلال اهتمامه بالجانب التداولي للغة الأدبية" .

بالرغم من أن السكاكي يجتبي لكتابه من الأسماء "مفتاح العلوم" فإن قراءة الكتاب تبين بجلاء أنه لا يتناول "العلوم" بإطلاق كما فعل الخوارزمي مثلا في "مفاتيح العلوم"، ولكنه مقتصر على علم واحد اصطلح عليه بـ "علم الأدب" وهو اسم جامع تندرج تحته علوم كثيرة هي " علم الصرف وتمامه وعلم النحو وتمامه وتمام تمامه. أما تمام علم الصرف فهو علم الاشتقاق، وأما تمام علم النحو فهو علم المعاني والبيان، أما تمام علم المعاني والبيان فهو علم الحد والاستدلال" .
وتشكل هذه العلوم مجتمعة "علوم الأدب"، وهي العلوم التي عكف السكاكي على فحصها لتبين أوجه تعالقها حتى صارت علوما متداخلة و"أنواعا متآخذة" . وقد أعلن السكاكي عن غايته من تجشم عناء الخوض في هذا الضرب من الدرس فأرجع ذلك إلى أن كشف العلائق بين هذه العلوم يمكن من قرأ الكتاب قراءة إتقان من "أن ينفتح على جميع المطالب العلمية" . وهو ما يجعل الكتاب "مفتاح العلوم" حقا.

إن تدبر المسرد الذي يقدمه السكاكي لـ "علوم الأدب" يسلمنا إلى أن الأمر متعلق بـ "علوم الخطاب" التي تعبر عنها تسمية "بلاغة" بمعناها العام، حيث يبدو السكاكي، بحصره لهذه العلوم، متوجها إلى ضبط قوانين الخطاب معنى ومبنى. وهو ما يجعل من بلاغته "بلاغة عامة" تراعي جميع المستويات التي تدخل في تشكيل الخطاب؛ حيث "علم الصرف" يختص بدراسة الكلمة المفردة، و"علم النحو" يتفرد بدراسة الجملة بما هي تعليق للكلمات مع بعضها (التأليف)، أما "علم المعاني والبيان" وما يكمله من من الحد والاستدلال (=المنطق) فيمكن من مراعاة سياق الكلام (مطابقة المقال للمقام). يقول السكاكي:
" وإذا تحققت أن علم المعاني والبيان هو معرفة خواص تراكيب الكلام، ومعرفة صياغات المعاني ليتوصل بها إلى توفية مقامات الكلام بحسب ما يفي به قوة ذكائك، وعندك علم أن مقام الاستدلال بالنسبة إلى سائر مقامات الكلام جزء واحد من جملتها، وشعبة فردة من دوحتها، علمت أن تتبع تراكيب الكلام الاستدلالي، ومعرفة خواصها مما يلزم صاحب علم المعاني والبيان" .

لقد قام السكاكي بالدمج بين "المنطق" و "علوم الادب" من نحو وصرف وبلاغة (بمعناها الخاص)، وقد ساعده هذا الدمج على إنتاج "بلاغة عامة" سماها "علم الأدب" واعتبرها "مفتاح العلوم". ومن هنا كانت "أهمية عمله تكمن في اكتشاف منطقة تقاطع النحو والمنطق والشعر؛ أي في وصوله شخصيا إلى عاصمة البلاغة، وبذلك خرج من خطاب التنافي بين النحو والمنطق والشعر الذي تاه فيه متى بن يونس والسيرافي وغيرهما، وكان من حقه أن يقول: وجدتها"
إن بلاغة السكاكي "بلاغة عامة" ليس بمعنى التوفيق بين الشعرية والخطابية فقط، إذ البلاغة العربية من هذه الناحية بلاغة عامة منذ نشأتها. إن قصدنا من نعت بلاغة السكاكي بـ " العامة" منصرف إلى جمعها بين مستويات الخطاب المختلفة (الصوتي والتركيبي والدلالي والتداولي) بالإضافة إلى عدم فصلها بين قطبي الإقناع والإمتاع. وبذلك تكون بلاغة السكاكي "عامة" في أسها تداولية لمراعاتها الكلمة ( المفرد)، والجملة (التأليف)، والسياق ( مطابقة المقال للمقام). وقد أسعف السكاكي في تشييد هذا النسق البلاغي الفريد توجهه إلى الدمج بين البلاغة والمنطق والنحو والعروض واللغة. ومن ثم اعتبر عمل السكاكي عند بعض المعاصرين ، ممن تفطنوا إلى قيمة مشروعه، الحدث الأبرز في تاريخ الخطاب البلاغي العربي، فجعل إنجازه في "المفتاح" بالنسبة للبلاغة العربية، نظيرا لإنجاز أرسطو بالنسبة للفلسفة اليونانية. يقول محمد عابد الجابري:

" والحق أن هناك ما يبرر هذه المماثلة بين مفتاح السكاكي وأورجانون أرسطو[...] ما كان يربط السكاكي بأرسطو هو أنه عمل على ضبط وتقنين العلوم البيانية العربية، مثلما عمل أرسطو قبله على ضبط وتقنين الفلسفة اليونانية، وبعبارة أخرى: إذا كانت العلوم الفلسفية اليونانية قد بلغت منتهاها حينما دفع بها تطورها الذاتي إلى الكشف عن منطقها الداخلي مع أرسطو وعلى لسانه، فإن العلوم البيانية العربية قد كشفت هي الأخرى عن منطقها الداخلي مع السكاكي وعلى لسانه، حينما دفع بها تطورها الذاتي إلى ذلك دفعا، لكونها بلغت منتهى ما يمكن أن تبلغه على نفس الأسس التي قامت عليها أول الأمر" .

وقد دفع جلال هذا الحدث البلاغي القدماء إلى اعتباره حدا فاصلا بين لحظتين في تاريخ البلاغة العربية، فكان التمييز عندهم قائما بين "سلف البلاغيين" و "خلف البلاغيين"؛ يعنون بهذا التفريق: ما قبل السكاكي وما بعد السكاكي . وهو ما عبر عنه ابن خلدون بالقول: "ثم لم تزل مسائل هذا الفن تكتمل شيئا فشيئا إلى أن مخض السكاكي زبدته، وهذب مسائله، ورتب أبوابه[...] وألف كتابه المسمى بالمفتاح في النحو والتصريف والبيان، فجعل هذا الفن من بعض أجزائه، وأخذه المتأخرون من كتابه، ولخصوا منها أمهات هي المتداولة لهذا العهد" .

وبذلك يكون السكاكي قد رتب مسائل البلاغة ترتيبا نهائيا ضمن مشروع بياني طموح يتناول لأول مرة، في السياق العربي، مركز البلاغة وهوامشها معا، وذلك عندما عمد إلى تعضيد البلاغة بالحد والاستدلال؛ أي علوم المنطق.
لكن مشروع السكاكي الطموح والواعد لم تتح له فرصة النمو والاستمرار، فقد تعرض لعملية تفقير منهجية أوقفت تطورة بعد المسخ والتقزيم اللذين تعرض لهما على يد الخطيب القزويني عندما عمد إلى اختزاله في " التلخيص" و"الإيضاح"؛ اللذين اختصر فيهما مباحث "المفتاح"، حيث تحولت "البلاغة العامة" التي كان السكاكي قد بشر بها إلى "بلاغة مختزلة" ومتحجرة، تهيمن عليها المقصدية التعليمية، بما أفضى إلى اغتيال الجانب المنتج من البلاغة العربية؛ ذلك أن القزويني أهمل في "تلخيصه" و "إيضاحه" لـ "مفتاح" السكاكي مباحث الصرف والنحو والاستدلال ليقتصر على تلخيص الجانب المتصل بالمعاني والبيان . وقد ترتب عن ذلك أن تحولت بلاغة السكاكي من "بلاغة عامة" إلى "بلاغة ضيقة" كل همها إحصاء الوجوه البلاغية والتمثيل لها. وبتأثير من المركزية التي حازها "تلخيص المفتاح" عند البلاغيين المتأخرين ، فقد توجهت الدراسات البلاغية إلى الاهتمام بإنتاج بلاغة مدرسية تعليمية ترتب عنها "تحنيط" البلاغة التي انحصرت في علوم ثلاثة هي المعاني والبيان والبديع عرفت في مجال التأليف المدرسي العربي بـ "علوم البلاغة". وهي " الوصفة البلاغية التي اقترحها علماء البلاغة العربية في بداية هذا القرن للمدارس ثم للجامعات العربية، الوصفة التي ما زالت مقدسة حتى اليوم" ، فقد شكلت شروح التلخيص ومختصراته أقصى ما يمكن لعلماء البلاغة المتأخرين أن يطمحوا إلى فهمه وإفهامه، وهو صريح كلام أحمد عوني في مقدمة كتابه " المنهاج الواضح" إذ يقول: "وبقي الأمر على هذه الحال حتى جاء فارس الحلبة أبو يعقوب السكاكي المتوفى سنة 626 هـ فوضع كتابه "مفتاح العلوم"[...] ثم جاء المتأخرون من بعده فلم يستطيعوا أن يزيدوا عليه شيئا من أصول البلاغة، وكان قصارى جهودهم أن تناولوا كتابه بالاختصار تارة وبالشرح أخرى [...] وقد بلغ من اعتراف العلماء بهذين الكتابين [ التلخيص والإيضاح للقزويني ] وجليل نفعهما أن عدوهما آخر ما وصل إليه الإتقان والإبداع في هذه الفنون، فلم يحدثوا أنفسهم بالزيادة على ذلك أو التبديل فيه، أو الخروج عليه، ووقفت همتهم عند ما انتهى إليه هذا الإمام الجليل، وقصروا جهودهم على البحث في كتبه" .

2 ـ البلاغة: "العلم الكلي"

إن من يتدبر "منهاج الأدباء وسراج البلغاء" لحازم القرطاجني يتبين أن "علم الشعر" الذي هفا إلى إقامته هذا الناقد الفذ جزء من علم كلي هو صناعة البلاغة بوصفها علما لسانيا كليا، يندرج ضمن كلياته علوم اللسان الجزئية، ويحتوي صناعة الشعر والخطابة. وبالرغم من أن حازما ينص بوضوح على أن موضوع البلاغة هو الشعر والخطابة، بقوله : "ولما كان علم البلاغة مشتملا على صناعتي الشعر والخطابة" ، فإن قراءة كتابه تبين بجلاء أنه مشغول بإقامة "بلاغة للشعر" أكثر من أي شيء آخر، حيث تترادف عنده مصطلحات "علم البلاغة" و"علم الشعر" على سبيل التعميم، وهو ما يسمح لنا بالقول: إن حازما "يعالج البلاغة من زاوية الشعر على وجه التخصيص أو التحديد، فهو في كل ما تعرض له في كتابه "منهاج البلغاء" مهتم كل الاهتمام بالشعر، بل إنه عندما يتجاوز الشعر إلى الخطابة، فإنما يفعل ذلك لمزيد من تحديد ماهية الشعر ومهمته وأداته على السواء" .

إن إنشغال حازم بسؤال الشعرية أساسا، وإغفاله الخطابة، التي لم يعرج عليها إلا عرضا، قد يفسر لنا لماذا قريء كتابه بوصفه بلاغة للشعر، ضدا على عنوانه "منهاج البلغاء"، فصنف صاحبه ضمن نقاد الشعر تخصيصا.

ومادام موضوع البلاغة –حسبما يقرر حازم- هو الأدب الذي تشكل الكلمات مادته الأساس، فإنه يلتقي مع علوم اللغة التي تتخذ بدورها من الأدب موضوعا لها، غير أن البلاغة وإن كانت تشترك مع علوم اللغة في دراسة الظاهرة الأدبية، فإنها تختلف عنها من حيث تميز الطرائق التي تصطنعها في مباشرة الظاهرة الأدبية، إذ في الوقت الذي تركز فيه العلوم اللغوية على مجموعة من القواعد المعيارية المرتبطة أساسا بمفهومي الخطأ والصواب من دون أن تتجاوز هذين المفهومين إلى المفهومات المتعلقة بقضية القيمة الجمالية التي تميز اللغة الأدبية، فإن البلاغة تنشغل أساسا بقضية القيمة في النصوص الإبداعية، منطلقة في ذلك من الاستعمال الخاص للغة لتجعل منه موضوع درسها، باعتبار أن هذا الاستعمال، بحكم مقاصد منجزه والظروف العامة التي يتنزل فيها، ليس فعلا عاديا، ولكنه طريقة مخصوصة في التعبير، يروم المتكلم من خلالها تجاوز الإبلاغ إلى التأثير.

على هذا الأساس يميز حازم بين البلاغة بوصفها علما لسانيا كليا، يهتم بجانب القيمة التي يتوصل بها إلى معرفة الأحوال التي تتقوم بها صناعة الشعر على مستوى إبداعه وتلقيه، وعلوم اللغة التي تقوم على الرواية، وتهتم بجانب الصحة اللغوية بمعناه الضيق، فجعل علوم اللغة علوما جزئية "مبنية على شفا جرف هار" ، لكونها لا تستطيع استخلاص القوانين الكلية التي يتوصل بها إلى "معرفة طرق التناسب بين المسموعات والمفهومات" بسبب إقصائها لمعيار القيمة الجمالية وتجاهلها طبيعة الشعر، وهما الشرطان الأساسان لإنتاج معرفة واعية بالعمل الشعري ووظيفته.

ومثلما يميز حازم علم الشعر عن علم اللغة، يميزه كذلك عن علم الكلام، حيث حمل في كتابه حملة عنيفة على المتكلمين، لأنهم في رأيه غير مؤهلين لممارسة نقد الشعر، لجهلهم بأصوله وعدم فهمهم لطبيعته، وبسبب هذا الجهل بالشعر عمدوا إلى مهاجمته وترويج الأباطيل حوله، صادرين في مهاجمته عن منزع أخلاقي قاس يرى أن الأقاويل الشعرية كاذبة بالضرورة، وهو الوهم الذي استند إليه أولئك الذين قادوا هجوما عنيفا ضد الشعر، ترتب عنه استهانة الناس به وانصرافهم عنه، إذ لم يروا فيه –بتأثير من المتكلمين- سوى ترويج للأكاذيب وتزييف للحقائق. يصف حازم هذا الوضع فيقول: "وإنما غلط في هذا – فظن أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة- قوم من المتكلمين لم يكن لهم علم بالشعر، لا من جهة مزاولته ولا من جهة الطرق الموصلة إلى معرفته، ولا معرج على ما يقوله في الشيء من لا يعرفه، ولا التفات إلى رأيه فيه، فإنما يطلب الشيء من أهله، وإنما يقبل رأي المرء فيما يعرفه، وليس هذا جرحة للمتكلمين ولا قدحا في صناعتهم، فإن تكليفهم أن يعلموا من طريقهم ما ليس منها شطط، والذي يورطهم في هذا أنهم يحتاجون إلى الكلام في إعجاز القرآن، فيحتاجون إلى معرفة ماهية الفصاحة والبلاغة من غير أن يتقدم لهم علم بذلك، فيفزعون إلى مطالعة ما تيسر لهم من كتب هذه الصناعة، فإذا فرق أحدهم بين التجنيس والترديد، وماز الاستعارة من الإرداف ظن أنه قد حصل على شيء من هذا العلم، فأخذ يتكلم في الفصاحة بما هو محض الجهل بها" .

لقد تورط المتكلمون –في نظر حازم- عندما عمدوا إلى الاشتغال بالبلاغة، فوقعوا في مأزق لم يستطيعوا الخروج منه، نتيجة استسهالهم الخوض في المسائل البلاغية ، فما إن يثقف أحدهم بعض المعارف الهينة التي لا تعدو أن تكون مدخلا أوليا في علم البلاغة، حتى يظن أنه ملك أسرار الصناعة الشعرية، فيتصدى لإصدار أحكام حول الشعر بما هو "محض الجهل به"، إذ "كيف يظن إنسان أن صناعة البلاغة يتأتى تحصيلها في الزمن القريب، وهي البحر الذي لم يصل أحد إلى نهايته مع استنفاذ الأعمار فيها! وإنما يبلغ الإنسان منها ما في قوته أن يبلغه[...] إذ كانت هذه الصناعة تتشعب وجوه النظر فيها إلى ما لا يحصى كثرة، فقلما يتأتى تحصيلها بأسرها، والعلم بجميع قوانينها لذلك، وسائرها من العلوم ممكن أن يتحصل كله أو جله" .

كما ميز حازم إلى ذلك علم الشعر عن علم المنطق، وقد قام تمييزه بين الصحة في الشعر والصحة في غيره من الصناعات على أساس القيمة الجمالية، التي ترتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة الشعر الخالصة، ووظيفته المتميزة، مما جعله يؤكد على أن القوانين البلاغية ينبغي أن تستنبط من صناعة الشعر، وليس من صناعة أخرى، لأن "الشيء – عند حازم- يستنبط من معدنه ويطلب من مظنته".

وانسجاما مع هذه المقولة الأساس التي ترددت كثيرا في "المنهاج"، استشعر حازم وهو ينقل عن قدامة والآمدي وابن سنان الخفاجي، أن هذه النقول لا تميز بين صناعة الشعر وصناعة المنطق، لكونها تتخذ من القوانين المنطقية معايير للحكم على الأقاويل الشعرية، فتنبه إلى أن الاحتكام في تقرير الصحة في الشعر، إلى قوانين الصدق والكذب في المنطق نهج فاسد، لأن مجال الشعر مختلف عن مجال المنطق بسبب طبيعته الخاصة، ووظيفته المتميزة. ولذلك قرر حازم أن الإلحاح على حصر الطرق التي تميز القول الصادق من غيره من اختصاص المنطقي (صاحب المنطق) وليس ناقد الشعر، يقول : "رأيت ألا أشتغل بحصر الطرق التي بها يماز القول الصادق من غيره، وتفصيل القول في ذلك، فإن ذلك مخرج إلى محض صناعة المنطق" . وهو ما يفيد حرص حازم على التمييز بين صناعة الشعر وغيره من الصناعات، حيث يلح في منهاجه على أن دراسة الشعر وتقويمه ينبغي أن تصدر عن خبرة به وفهم لطبيعته ووظيفته، والاكتفاء من العلوم الجزئية بما يعين على الفهم المتميز لصناعة الشعر، إذ المعتبر عنده، في تقرير الصحة في الأقاويل الشعرية، الأصول الفنية الخاصة بالشعر، وليس الأصول المنطقية. وعلى هذا الأساس رأى حازم أن الاهتداء إلى حقائق الشعر لا يتم إلا في ضوء ما أصله البلغاء بوصفهم الأقدر على تقدير الصحة في الشعر تقديرا سليما يراعي خصوصية الشعر وتميز وظيفته. يبدو ذلك بوضوح في تعقيبه على ما ينقله من ملاحظات قدامة حول تناقض معاني بعض الشعراء تناقضا منطقيا: "كلما أمكن حمل كلام هذه الحلبة المجلية من الشعراء على وجه الصحة كان ذلك أولى من حمله على الإحالة والاختلال، لأنهم من ثبت ثقوب أذهانهم، وذكاء أفكارهم واستبحارهم في علوم اللسان [...] فإنهم قل ما يخفى عليهم ما يظهر لغيرهم، وليس كل من يدعي المعرفة باللسان عارفا به في الحقيقة، فإن العارف بالأعراض اللاحقة للكلام التي ليست مقصودة فيه من حيث يحتاج إلى تحسين مسموعه أو مفهومه، ليس له معرفة بالكلام على الحقيقة البتة، وإنما يعرفه العلماء بكل ما هو مقصود فيه من جهة لفظ أو معنى، وهؤلاء هم البلغاء الذين لا معرج لأرباب البصائر في إدراك حقائق الكلام إلا على ما أصلوه".
لقد عمد حازم إلى التهوين من شأن القواعد المنطقية في تحيز صريح للأصول الفنية، فرغم تسليمه بالفرض الفلسفي الذي يجعل الشعر قسما من أقسام المنطق، وقبوله مقولات قدامة حول معايير التناسب المنطقي، إلا أنه يرفض إسقاط القوانين المنطقية على الشعر إسقاطا آليا، وتطبيقها عليه تطبيقا عشوائيا، إذ البلغاء –في رأيه- هم المؤهلون لكشف الأعراض التي يتوسل بها الشاعر لتحسين مسموعه أو مفهومه وليس المناطقة.

إن القوانين الضابطة للصناعة الشعرية لا يتوصل إلى معرفتها –حسب حازم- "إلا بالعلم الكلي في ذلك وهو علم البلاغة" ، الذي تندرج ضمن كلياته علوم اللسان الجزئية، وتكتسب البلاغة صفة الشمولية من اهتمامها بالعملية الإبداعية في بعدها العام، إذ مادام موضوع البلاغة هو الأدب، فإن المادة التي يتعامل معها هذا العلم هي الكلمات المنتظمة في سياق خاص، والمنطوية على قيمة، حيث تندرج هذه الكلمات في إطار من العلاقات المتجاوبة مع عناصر العملية الإبداعية، بما فيها المبدع بوصفه الفاعل الأساس في عملية الخلق الفني، والعالم الذي يستمد منه المبدع المادة الخام لإبداعه، والمتلقي الذي يتوجه إليه المبدع بنصه، ثم النص الأدبي بوصفه نتيجة التفاعل بين المبدع والعالم. يقول حازم: "يكون النظر في صناعة البلاغة من جهة ما يكون عليه اللفظ الدال على الصور الذهنية في نفسه، ومن جهة ما يكون عليه بالنسبة إلى موقعه من النفوس من جهة هيأته ودلالته، ومن جهة هيأتها ودلالتها على ما خارج الذهن، ومن جهة ما تكون عليه في أنفسها الأشياء التي تلك المعاني الذهنية صور لها وأمثلة دالة عليها، ومن جهة مواقع تلك الأشياء في النفوس" .

إن اهتمام البلاغة بالعملية الإبداعية في بعدها الشمولي، يكسبها طابع "الكلية حيث تتجاوز محض الدراسات اللسانية الجزئية إلى آفاق أكثر شمولا، تنطوي على إدراك الفاعلية المتبادلة بين الجوانب الأربعة للعملية الأدبية، كما تنطوي على إدراك لكل جانب من هذه الجوانب على حدة" . ولكي تصبح البلاغة قادرة على استخلاص القوانين الكلية المتحكمة في عملية الإبداع الأدبي، وتضطلع بمهمة تحليل النصوص وتقويمها، فإنها تستند إلى المنطق والفلسفة، مما يتيح لها تجاوز الجزئية، ومعانقة آفاق أرحب تتميز بالكلية والشمول.ولن يتمكن علم البلاغة من تحقيق ذلك ما لم يكن "منشأ على أصول منطقية وآراء فلسفية" . إنها البلاغة "المعضودة" بالمنطق والفلسفة.

لقد كان حازم على وعي بأن عالم البلاغة ينبغي أن يتملك تصورات كلية عن العناصر التي تدخل في صميم تكوين العمل الأدبي إن أراد مباشرة النصوص الأدبية مباشرة تتسم بالنجاعة والشمول، لأنه ملزم "بضرورة الوعي بسيكولوجية الإبداع وسيكولوجية التلقي على السواء، وأهم من ذلك إدراك مغزى العملية الإبداعية وآثارها الناجمة بالنسبة للمبدع والمتلقي، وعلاقة هذه الآثار بمغزى الحياة نفسها وعلتها، ولا يمكن – عند هذا المستوى- الاقتصار على صناعات اللسان الجزئية، بل تجاوزها إلى إطار فلسفي أشمل يفيد فيه العلم من الفلسفة إفادة واضحة" . وهو ما يؤهل البلاغة لأن تصبح علما كليا مادامت الفلسفة تعضدها بتصوراتها، وتساعدها على الوعي بالقوانين الكلية الضابطة لصناعة الشعر والخطابة، كما تساعد كل من "طمحت به همته إلى مرقاة البلاغة المعضودة بالأصول المنطقية والحكمية" على تجاوز العلوم الجزئية التي تتعامل مع الأدب تعاملا جامدا، والوصول إلى آفاق أرحب، مسترشدا في ذلك بالقوانين البلاغية التي وضعت "بحسب ما شهدت به أصول علوم جليلة" من أجل تمييز "الصريح المحض من الزائف المبهرج في كل مذهب من مذاهب اللسان، ومأخذ من مآخذ البيان" من دون أن يهبط "إلى حضيض صناعات اللسان الجزئية المبنية أكثر آرائها على شفا جرف هار" .

إن فهم حازم للبلاغة بوصفها علما لسانيا كليا تعضده الأصول الحكمية والمنطقية، يجعل منها بلاغة عامة تراعي البنية العامة للنص الأدبي، وتهتم بالتنظير لمختلف أنماط القول الفني من خلال إقامة بلاغة لصناعة الشعر والخطابة على حد سواء، بوصفهما الجنسين الكبيرين في الأدب العربي. وهو فهم متميز للبلاغة يقودنا إلى التمييز بين البلاغة كما يفهمها حازم: البلاغة الرحبة المنفتحة على الأدب بما هو تحقق إنساني، والبلاغة التي تنزع إلى الضبط والتقنيين أو ما يمكن تسميته بـ"أبواب البلاغة الضيقة"،حيث" لكل حلية لفظية أو معنوية باب بلاغي، قد تكون الحلية جناسا أو استعارة، طباقا أو وصلا، وفي جميع تلك الحالات وغيرها تظل الحلية قابلة للانضباط داخل قاعدة" .

ترتد أهمية المشروع البلاغي الذي بسط حازم في "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" إلى ما يمثله من جسر واصل، في البلاغة العربية، بين الخطابة والشعرية، وهو الوصل الذي رفضه أرسطو وتبنته البلاغة العربية منذ الجاحظ بشكل ضمني، ليبلغ أوجه مع حازم القرطاجني الذي تحددت عنده البلاغة بوصفها علما لسانيا كليا، يتناول صناعتي الشعر والخطابة على حد سواء . ويمكن اعتبار وصل حازم بين التخييل والتداول بطريق الجمع بين المسعى الشعري والمسعى الخطابي المراجعة الأساس التي قدمها حازم لشعرية أرسطو وخطابته. لقد تمكن حازم من دمج الاستراتيجيتين: الشعرية والخطابية في إطار "بلاغة عامة" قادرة على استيعاب ووصف الخطاب الاحتمالي بنوعيه التخييلي والتداولي. ومن هنا اعتبر عمل حازم، من هذه الناحية، "أعظم وأعمق تركيب بين شعرية أرسطو وخطابته" .

لقد تهيأ لحازم من التكوين الفلسفي المتين من خلال الاطلاع على جهود الفلاسفة المسلمين ممن عنوا بموضوع الشعرية ما أهله لأن يعاود النظر في المقررات الأرسطية في الموضوع عند تصديه لتخصيبها واستنباتها في التربة العربية المحلية؛ فقد أدخل تعديلات هامة وعميقة على مقولتي الشعر والخطابة الأرسطيين عندما أسقط، في جرأة نادرة، الحدود التي كان الفيلسوف الاستاجيري قد أقامها بين هذين الجنسين المخصوصين من أجناس الخطاب.

إن هذا الاتجاه في "البلاغة العامة" ليس جديدا على الخطاب العربي الذي تخلقت أصوله ومقاصده في تواز مع البحث في خصوصية الأسلوب القرآني بطريق مقارنته بالشعر أو بكلام الرسول (ص)، أو بغيرها من أنواع المخاطبات الأدبية الرفيعة. ولعل ذلك يفسر لنا تلك المادة البلاغية الوفيرة المتحصلة من تراكم تراث بلاغي عريض حول مسألة الإعجاز القرآني، ولذلك وجدنا مصنفات عديدة في البلاغة العربية، إعجازية وغير إعجازية، لا تستبعد كليا الشاهد غير الشعري. وهو ملحظ أسلم بعض المعاصرين إلى نتيجة هامة مؤداها أن البلاغة العربية صادرة، في تشييد أصولها ومقاصدها، عن "منظور بلاغي ينطلق من القرآن والحديث ليصل إلى الشعر والخطابة وكلام العرب في شكل بلاغة عامة، هي بالأساس بلاغة نص" . وتلك حقيقة قائمة في نظامنا البلاغي الذي تخلقت أصوله وتبلورت مسائله في سياق حضارة هي بالأساس "حضارة نص" كما وصفها أحد المعاصرين .

البلاغة في الدراسات العربية المعاصرة:

إن المصير الذي آلت إليه "البلاغة" في السياق العربي عندما اختزلت في نظرية الوجوه والزخارف ليغري، من عدة وجوه، باستحضار مآل نظيرتها في التقاليد الغربية التي اضطرت هي الأخرى إلى التخلي عن أراضيها الشاسعة لتتحول إلى نظرية في الصياغة، تطغى عليها المقصدية التعليمية، قبل أن تتعالى أصوات ثلة من البلاغيين الجدد أمثال بارت وتودوروف وجونيت ومجموعة لييج وريكور وبليث وبيرلمان... منادية بالعودة إلى البلاغة القديمة لإحياء مفهوماتها وترهين قضاياها، بحيث تصبح "علما عصريا" قادرا على وصف وتحليل مختلف الأنماط الخطابية. وقد عادت الروح إلى البلاغة الغربية بما حاول هؤلاء الدارسون مخلصين من إدماج للنسق البلاغي ضمن النسق العام للفلسفة والمنطق الأرسطيين، قترتب عن ذلك وصل جدلي بين البنيات الحجاجية والبنيات الأسلوبية بما جعل من البلاغة الغربية "بلاغة عامة". لقد "استطاع هؤلاء الباحثون أن يجعلوا من البلاغة علما عصريا" . ومن تجديد الدرس البلاغي الغربي امتدت العدوى إلى الدرس البلاغي العربي، فظهر من البلاغيين العرب المعاصرين من نهض بإعادة قراءة البلاغة العربية على ضوء المنجزات التي حققها نظراؤهم في الغرب، وقد تجسد ذلك في أعمال حمادي صمود ونصر حامد أبو زيد وجابر عصفور ومحمد مفتاح ومحمد العمري ومحمد أنقار ومحمد مشبال وغيرهم ممن صرفوا جهودهم إلى تجديد الدرس البلاغي العربي، وتكسير أغلال التقليد التي طوقته بها شروح المفتاح ثم شروح شروح المفتاح وتلاخيص تلاخيصه، مما رسخته المؤلفات المدرسية فيما بعد مع علي الجارم ومصطفى المراغي وأحمد الهاشمي وعبد العزيز عتيق. وسنتوقف في المحور التالي عند جهد بلاغيين معاصرين هما محمد العمري ومحمد مشبال.

البلاغة الجديدة: تقاطع التخييل والتداول

إذا كان محمد العمري قد أفرد كتبا اختصها بفحص بلاغة الشعر ( تحليل الخطاب الشعري 1990 – الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية 2001) وأخرى تناولت بلاغة الخطاب الإقناعي (في بلاغة الخطاب الإقناعي 1986 – دائرة الحوار ومزالق العنف 2002) فإنه آثر في كتابه "البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول" أن ينفتح على نمط من الخطاب لم نعهده في دراساته البلاغية من قبل. يتعلق الأمر ببلاغة النثر السردي على نحو ما تجسدت في فن الخبر والسيرة الذاتية.
البلاغة بين التخييل والتداول:

بعد عمر من البحث في المجال البلاغي ببعديه الشعري والخطابي، يعود محمد العمري في كتابه "البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول" إلى نقطة البداية ليتساءل: ما هي البلاغة؟ أين توجد البلاغة؟ هل هناك بلاغة واحدة أم بلاغات متعددة؟ وإذا كانت هناك بلاغات متعددة، هل هناك مشروعية لقيام بلاغة عامة تنسق هذه البلاغات الخاصة وتتحدث باسمها في نادي العلوم المحيطة بها؟

يتحدد مفهوم البلاغة عند العمري في هذا الكتاب في تقاطع التخييل والتداول؛ لقد بسط الباحث في الفصل الأول الإطار النظري لتصوره البلاغي فعرض وجهتي نظر حديثتين متعارضتين؛ ترجح إحداهما الفصل بين التخييل والتداول ويمثلها بول ريكور في مقاله "الخطابية، الشعرية، التأويلية" التي فحص فيها عناصر الالتقاء وعناصر الافتراق بين الخطاب التخييلي والخطاب التداولي ليخلص في النهاية أن الخطابين يختلفان في الهدق والوظيفة. إذ في الوقت الذي يقصد فيه الشعر إلى الإمتاع فإن الخطابة تتوجه إلى الإقناع. ولذلك فإنه لل يمكن في نظره قيام عل م عام يستوعب الشعر والخطابة (ص: 18) أما الاتجاه الثاني فإنه يقر بإمكانية قيام التداخل بين التخييل والتداول في إطار بلاغة عامة تجمع بين الإمتاع والإقناع. ويمثل هذا الاتجاه بلاغيون محدثون مثل أوليفي روبول الذي طرح في كتابه "البلاغة" حلا ثالثا حيث جوهر البلاغة عنده لا يتحدد في الأسلوب ولا في الحجاج ولكن في المنطقة التي يتقاطعان فيها بالتحديد" (ص: 22) ويبدو من مناقشة الباحث لهذين التصورين أنه يدعم التوجه الثاني الذي سعى إلى بلورة بلاغة عامة يمكنها فحص الخطابات الأدبية التخييلية على نحو ما يمكنها وصف الخطابات الحجاجية الإقناعية. وهو تصور دعمه الباحث بعرض وجهة نظر البلاغة العربية التي كشفت عن نظرة شمولية للمجال البلاغي بحيث يتداخل فيها الشعري (التخييل) والخطابي (التداول) على نحو وظيفي؛ فلم تكن المسافة واسعة بين الشعر والخطابة في تراثنا البلاغي كما قرر الباحث (ص: 32 )

بعد أن تتبع الباحث قضية التداخل بين التخييل والتداول نظريا وتاريخيا في الفصل الأول، عمد في الفصل الثاني إلى هذا التداخل تطبيقيا من خلال الاشتغال على "بلاغات خاصة" تجسدت في السخرية الأدبية (فن الخبر) والسيرة الذاتية. ويبدو أنه راعى في اختيار هذين النوعين النثريين انسجامهما مع التصور الذي انطلق منه في تحديد موضوع البلاغة باعتباره المنطقة التي يتقاطع فيها التخييل والتداول.

السخرية الأدبية بين التخييل والإقناع:

لقد تناول الباحث بلاغة السخرية الأدبية باعتبارها بلاغة جزئية تقع بشكل ملتبس بين التخييل والإقناع، حيث يتشكل الخطاب الساخر من مكونين أساسين: مكون انفعالي أو تأثيري أو مقصدي، ويتجلى في الاستخفاف المشتمل على الضحك أو الاستهجان أو الإحساس بالمفارقة، ومكون بنائي أو لساني أو بلاغي يتجسد من خلال المفارقة الدلالية وما يترتب عنها من غموض والتباس.ويرى الباحث انه يستحيل الحديث عن كل مكون على حدة، لأن القيمة التأثيرية للسخرية، كما تقول كيربرا أوركشيوني، واحدة من خصوصياتها الشكلية، فالتقابل الدلالي إنما يتم داخل الضرورات القيمية التي يفرضها العنصر التأثيري.

إن موضوع السخرية فيما يقرر الباحث يتنازعه اللساني التداولي والفيلسوف، ويمكن للمحلل لبلاغي أن يستفيد من هذا التنازع ليحدد مفهومه الخاص للسخرية انطلاقا من العناصر المتفاعلة في إنتاج الخطاب الساخر. فالعلاقة بين الساخر والهدف وكفاءة المتلقي الواقعي أو المفترض تلعب دورا أساسا في تحديد القدر الذي تأخذه السخرية من هذا المكون أو ذاك. ويمكن النظر إلى هذا التفاعل من عدة زوايا: حال المخاطب، أي قدرته على تفكيك الرموز والنفاذ إلى الغرض، وحال الساخر، أي مستواه الثقافي وقدرته على بناء السخرية، والظروف المحيطة بالخطاب ، والعلاقة بين الساخر والهدف.

وقد فحص الباحث في ضوء هذه التحديدات النظرية بلاغة السخرية الجاحظية كما تجسدت في كتاب "البخلاء" فنظر فيها من حيث الآليات والرؤية ليستخلص من ذلك أن بلاغة السخرية عند الجاحظ تقوم على ثلاث آليات متداخلة ومتفاعلة:

1 - الالتباس آلية تقوم عليها السخرية الأدبية في كتاب البخلاء، فبخلاء الجاحظ ليسوا فقراء ولا هم قليلو المعرفة، بل هم في مستوى عال من المعرفة والقدرة الحجاجية،فكيف يكون هذا الإنسان بخيلا وهو ذو معرفة واسعة ومصادره في الاحتجاج متنوعة؟

2 - الذهول وهو أحد المباديء الكبرى في تفسير السخرية، وأحد أهم تقنيات جلب الضحك، وقد عبر عنه أحيانا بالغفلة. ويعني الذهول أن المسخور منه شخص يقع في ذهول عن المقام فيخفق في توجيه الحجة لا في استجلابها.

3- التوريط ويعني أن الخطاب الساحر غير الخطاب الإخباري الذي يحرص على مطابقة الخطاب للواقعة حتى لا يتهم بالكذب والمبالغة، وغير الخطاب الوعظي الذي يتصدى للعيوب ويسعى إلى تقويم الاعوجاج. فالخطاب الساخر يسعف الاعوجاج ويصفق له ويمدّه بالوسائل التي تجعله أكثر اعوجاجا، حتى يكشف نفسه بنفسه.

أما من حيث الرؤية التي حكمت السخرية الجاحظية فقد بين الباحث أن الجاحظ كان يسخر من الأسئلة الزائفة في عصره التي تحركها الشعوبية والبداوة والسياسةلقد حاول الجاحظ، في إطار رؤية فلسفية وسطية، التنبيه إلى تشعب الحقيقة وامكانية النظر من زوايا مختلفة ردا على اتجاهات كانت متصادمة يدعي كل طرف منها احتكار الحقيقة. فالمسألة سياسية في الأساس، ثم أخذت أبعادا فكرية، ومارسها الجاحظ كرياضة فكرية وفنية هادفة من خلال مصادمة القيم والأفكار في صور عدة(ص:138)

بلاغة السيرة الذاتية: تقاطع الواقع والخيال

تنبثق بلاغة السيرة الذاتية في تصور الباحث من النقطة التي يتقاطع فيها التخييل (الوجدان) والتداول (الخبر) مما يشي بأن السيرة الذاتية جنس سردي يجمع بين الواقع والمفترض. وهو ما يجعلها تنطوي على عناصر شعرية ترتبط بالإدهاش والتعجيب على نحو ما تنطوي على عناصر الخبر الواقعي الصادق. يقول الباحث: "لا بد في كل سيرة ذاتية من اطمئنان المتلقي ولو عبر مؤشرات حاسمة إلى وجود سند من الواقع ولا بد من وجود دهشة إزاء ذلك الواقع. ولهذه الدهشة امتداد وجداني نوعي بين الانشراح والانقباض" (ص: 145 )

إن السيرة الذاتية تأرجح بين التخييل الروائي و"التصديق" التاريخي؛ أي أنها واقعة غي مركز التقاطع بين قطبي الإمتاع والإقناع. ومن ثم فإن الباحث في بلاغة هذا النوع السردي مدعو لأن ياخذ المكونين معا بعين الاعتبار. بالرغم من أن عنصر التخييل في السيرة الذاتية يختلف عن التخييل الشعري الذي تحدث عنه البلاغيون العرب مثل حازم والجرجاني فإن الباحث يصر على النظر بلاغة هذا النوع النثري في ضوء بلاغة التخييل الشعري الذي يرتبط بالوظيفة الأدبية الجمالية. ذظهر ذلك جليا في قول البحث "إن السيرة الذاتية تقترب أحيانا من التاريخ في خطية تحول التدخل التخييلي إلى الهامش، كما وقع في "حفريات في الذاكرة" لمحمد عابد الجابري، دون تعويض شعري كثيف، أو تأمل يتشعب إلى آفاق واسعةع لى نحو آخر. ومن هنا يتحدث عن تراجع القيمة الكتابية أو الأدبية للنص أو يسكت عنها بما يضمن خفوتها أو غيابها" (ص: 145)

يكشف هذا النص أن الباحث لا ينظر إلى السيرة الذاتية استنادا إلى معايير بلاغة السرد الروائي التي يفترض أن يقيم في سياقها هذا النوع النثري. ولكنه ينظر إليها في ضوء بلاغة التخييل الشعري؛ فالرواية بالنسبة إليه "استعارة موسعة" (ص: 156) ولذلك يغدو استدعاء مقومات التعبير الشعري (الصور والأخيلة) شرطا لازما لنجاح العمل السردي في نظر الباحث. كما يشي بذلك تعليقه على مقطع من سيرة شكري الذاتية "السوق الداخلي" اتسم بتوظيف كثيف للصور الشعرية: " لا شك أن المؤلف أدرك بخبرته السردية أن الخروج من ذلك المسار الروائي الرمزي دون بديل شعري/ مدهش سيطيح بالنص" (ص:157)

من الواضح أن اللغة الشعرية الإيحائية عند الباحث ضرورة تعبيرية في جنس السيرة الذاتية إلى جانب الفكرة والأطروحة إن وظفته حظيت بالقبول وإن هي اغقلته عدت عملا ناقصا. يؤكد ذلك رأي الباحث أن بعض السير القائمة على القضح والاحتجاج قد تنزلق إلى القضائحية بشكل مجاني غير وظيفي "والمجانية تنكشف أكثر بغياب التوظيف الفكري والصياغة الشعرية" ( ص:58)

إن بلاغة السيرة الذاتية لا تحقق في تصور الباحث إلا إذا زاوجت بين التخييل (الصياغة الشعرية) والتداول (التوظيف الفكري). وهو ما جعلنا نأخذ على الباحث انه يقيم السيرة الذاتية استنادا غلى معيار التخييل الشعري وكان الأولى تقييمها في سياق بلاغة النثر السردي.
المجاز بين التخييل والإقناع:
تعضيدا لأطروحته التي توخت إثبات أن موضوع البلاغة هو التخييل والتداول تناول الباحث في الفصل الثالث تقاطع التخييل والتداول في مكون بلاغي أثيل في البلاغة العربية هو المجاز. وقد انطلق من مفهوم "البناء على الصور" كما تبلور عند عبد القاهر الجرجاني لفحص مسألة التداخل بين التخييل والإقناع في المجاز من خلال حكايتين: الأولى حكاية ظهور الخمر، والثانية حكاية الشاعر الذي أعطي مـدّ شعير جائزة على ما أنشد من الشعر. وقد لحظ الباحث في هاتين الحكايتين أن الاستعارة تتراكب في طبقات، وتتحول حكائيا من أسطورة صغيرة إلى أسطورة في أسطورة، فيتم الانتقال من مستوى الجملة إلى مستوى النص، ويتم التداخل بين الواقعي التاريخي والخيالي العجائبي، وبين الإقناعي والجمالي.
لقد كشف كتاب "البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول" لمحمد العمري عن جهد تنظيري وتطبيقي سعى من خلاله صاحبه إلى تتبع تاريخ الحوار بين التخييل والتداول في البلاغتين العربية والغربية فاسخلص أن تسمية بلاغة تتردد بين ثلاثة مفاهيم كبرى:المفهوم الأرسطي الذي يُخصِّصها لمجال الإقناع وآلياته والمفهوم الأدبي الذي يجعلها بحثا في صور الأسلوب، والمفهوم النسقي الذي يسعى لجعل البلاغة علما أعلى يشمل التخييل والحجاج معاً. وقد مثل المفهوم الثالث مجال الاكتشاف الذي أراد الباحث تقديمه للقارئ العربي في مسعى لتجديد الدرس البلاغي العربي.

البلاغة وجـــدل الوظائف:

يقدم محمد مشبال في كتابه " البلاغة والسرد- جدل التصوير والحجاج في أخبار الجاحظ" مدخلا جديدا لقراءة نثر الجاحظ. لقد تفاعل مع مختلف الآفاق التي تعاقبت على هذا النثر محاورا ومناقشا ليخلص في النهاية إلى تقديم مقترح قرائي خاص صدر فيه عن عدة قرائية تقوم على المعايشة والقدرة على الإنصات إلى نبض النصوص وحفيف الجماليات.
لعل أهم ما قدمه الباحث في هذه الدراسة ربطه أدب الجاحظ بالحياة وهو ما عبر عنه في مقدمة كتابه تعبيرا بليغا بالقول: "لعل أهم فكرة حاول الكتاب مناقشتها وتطويرها من صلب نصوص الجاحظ هي علاقة البلاغة بالسرد وهي علاقة فرضتها طبيعة هذه النصوص الوثيقة الصلة بالبلاغة التي وسع الجاحظ دنياها لتشمل الحياة والخطاب أو العالم واللغة، فالبليغ عنده ليس المتكلم الذي استجاب في إنجاز كلامه لمقاييس الرؤية البلاغية فقط ولكنه الإنسان الذي امتثل في سلوكه وتصرفاته وتفكيره لجوهر هذه الرؤية" . وذاك مدخل جديد يصدر عن نظر بحثي مختلف يجعل "البلاغة" موصولة بـ "الحياة" وتيارها الجارف. ولقد كان هذا الجدل الدينامي والناجح الذي يقيمه الباحث في دراسته بين "البلاغة" و"الحياة" دافعا لنا لتملس مناحي التفاعل بين البلاغة والجدل. يغرينا بهذا الضرب من الدرس أن "بلاغة الحياة" قائمة في أساسها على الجدل والمجادلة .
جدل الوظائف:

تظهر القراءة الواعية لكتاب "البلاغة والسرد" لـ محمد مشبال جدلا خصبا ينعقد بين الوظائف على مستويين: التجليات الإبداعية وهي هنا المتن الجاحظي (بلاغة النص السردي) واللغة الواصفة وهي هنا قراءة مشبال لهذا المتن (بلاغة تلقي النص السردي). وفيما يلي رصد لأهم هذه الوظائف "المتجادلة":

جدل القارئ والمقروء:

لعل إشكال القراءة أن يكون أهم معضلة تواجه الناقد العربي المعاصر عند تصديه لمواجهة نصوص أدبية تشكلت وتخلقت في سياقات ثقافية وإنسانية مختلفة تماما عن تلك التي تشكل فيها وعيه النقدي والجمالي. ومن هنا اعتبر الباحث أن إشكال النثر العربي القديم هو إشكال قراءته وإن كان هذا الإشكال، في فهم الباحث وتشغيله، ليس أدبيا أو جماليا خالصا، ولكنه إشكال حضاري. إذ النثر هو أحد أوجه الحضارة العربية الإسلامية وعنصر من عناصر الهوية الثقافية، ومن ثم يغدو من المتوجب التساؤل عن السبل المسعفة في فهم طبيعة هذا الجنس الأدبي المخصوص .
عندما يتعلق الأمر بقراءة نصوص من النثر العربي القديم فإن المسألة تغدو أشد تعقيدا لأن الباحث المعاصر يواجه مشكلة مزدوجة وفي الإتجاهين .

1- المناهج الحديثة رغم إغراءاتها والنتائج الباهرة، التي حققتها لا تسعف في سبر وتحقيق مناط الجماليات في ألوان من الصياغة الأدبية التي وعاها تراثنا النثري، لأنها تتأبى لخصوصيتها البلاغية والتكوينية على مرتكزات التحليل "المعلب".

2- مقولات نظامنا البلاغي المأثور تعجز عن الوفاء بمطالب الدارس المعاصر في بناء معرفة صحيحة ومتعمقة بالخصوصية الجمالية الواسمة لمنظومة الأنواع النثرية، لأن المعايير الموروثة ارتبطت بجنس أدبي مخصوص هو الشعر. ومن ثم فهي لا تسعف في إدراك طبيعة الأنواع النثرية وتخليص بلاغيتها

أمام هذه المآزق التي تحوط بالقراءة المعاصرة لنصوص قديمة، فقد وجد الباحث نفسه مدعوا إلى تطوير خطة في القراءة تستلهم "كل الوسائل المنهجية المتاحة مهما تباينت منابعها ومراميها ما دام الهدف من دراسة الأدب في نهاية الأمر تعميق المعرفة بالإنسان كما قال تودوروف" .

انطلاقا من هذا الوعي بالإشكالات البالغة التعقيد التي تواجه الباحث في نصوص المدونة السردية القديمة لم يكن الباحث ليأنف من أن تتجاور في كتابه مناهج ونظريات ومفهومات شتى لم يجد أي حرج في الاستعانة بها في صياغة أفكاره مثل نظرية التلقي والأسلوبية والسرديات والتداولية والشعرية والبلاغة الأدبية.

يمكن اعتبار كتاب الباحث محمد مشبال " البلاغة والسرد- جدل التصوير والحجاج في أخبار الجاحظ" جزءا من مشروع بلاغي موسع يسعى من خلاله صاحبه إلى الإسهام في تطوير مباحث البلاغة العربية انطلاقا من خلفية معاصرة تستلهم التطورات التي عرفها الدرس النقدي الحديث بعد فورة المناهج، وتطمح في الآن ذاته إلى مجاوزة المطبات التي سقطت فيها التطبيقات النقدية لهذه المناهج على نصوص الأدب العربي.

يطمح المشروع الذي يخوض فيه الباحث إلى الكشف عن سمة "البلاغية" المتحققة في نصوص متغايرة أنواعيا في أفق الكشف عن بلاغتها المخصوصة مما أطلق عليه الباحث "البلاغة الأدبية " التي تجمع في ضفيرة واحدة بين فضيلتي الإقناع (الحجاج أو التداول) والإمتاع (التخييل أو الأدب). ويطمح الباحث من هذا الإجراء إلى توسيع أفق التحليل البلاغي لينفتح على آفاق التعبير الإنساني. ذلك أن نهج البلاغة الأدبية عند الباحث" ليس نموذجا بلاغيا منضبطا كما هي النماذج اللسانية والسميائية المقترحة في الثقافة الغربية أو حتى في بعض النماذج العربية القديمة. إنها نموذج فكري لا يسعى إلى الضبط والتقنين بقدر ما يسعى إلى وضع حدود عامة ومبادئ كلية يسترشد بها البلاغي في عمله " .
إن البلاغة الأدبية التي كان الباحث قد نعتها في مقام سابق بـ "البلاغة الرحبة" هي منهج لوصف النصوص مهما تباينت أشكالها وتغايرت أنواعها. ذلك ما يستخلصه كل من ينظر في المنجز النقدي الذي راكمه محمد مشبال، حيث تطول الدراسات البلاغية عند الباحث قطاعات نصية مطبوعة بالتعدد والتنوع:

-  البلاغة والتراث البلاغي العربي : لقد حاور الباحث هذا التراث في أطروحته "البلاغة والأصول – دراسة في أسس التفكير البلاغي العربي – نموذج ابن جني وهي الأطروحة التي رام من خلالها الإسهام في بناء مفهوم البلاغة العربية انطلاقا من خلفية معاصرة.

-  البلاغة وجنس النثر ( الموروث السردي) فحص الباحث جانبا من موروثنا السردي كما تجسد في جنس أدبي مخصوص هو النادرة في كتاب حمل عنوان "بلاغة النادرة"

-  البلاغة وجنس الشعر: شغل الباحث جملة من المقولات البلاغية لبحث بلاغة جنس الشعر في كتابه "مقولات بلاغية"
-  البلاغة و النثر الروائي : وتمثله مترجمات الباحث "الصورة في الرواية" لأولمان و"صورة الآخر في الخيال الأدبي" لطوني مورسون.
نسخلص من هذا الجرد لمؤلفات الباحث محمد مشبال أن البلاغة تستمد مفهوم الرحابة في مشروعه من طبيعة تصورها للخطاب الأدبي. فهي إذ تتعامل مع الأسلوب لا تختزله في مكونات محدودة كما أنه لا تختزل الأدب في الشعر بل تتعاطى جميع الأنواع الأدبية .

من الواضح أن الإصدار الجديد للباحث " البلاغة والسرد- جدل التصوير والحجاج في أخبار الجاحظ" ينضوي ضمن المجال البلاغي الذي يختص به مشبال " الموروث السردي". وإذا كانت نصوص الجاحظ قد استبدت بكتاب "بلاغة النادرة" فإن الباحث يعود في هذا الكتاب إلى المدونة الجاحظية الأثيرة لديه ليعمق جملة من القناعات النظرية والإجراءات التطبيقية التي رشحت من اشتغاله على المتن الجاحظي دراسة وتدريسا مما أكسبه تمرسا بنصوص المدونة يظهر جليا لمن يقرأ الكتاب قراءة فاحصة.

جدل البلاغة والحياة:

تحمل القراءة البلاغية التي يقترحها مشبال في هذا الكتاب بالإضافة إلى الأعباء العلمية النظرية المتمثلة في الكشف عن الطبيعة البلاغية لأخبار الجاحظ هموما أخرى من طبيعة غير أدبية، وإن كانت تقع منها في الصميم. يتعلق الأمر بالرغبة الملحة التي استشعرها الباحث بضرورة تجاوز النظرة الضيقة للأدب بما هو تقنيات وشكليات إلى آفاق أرحب تصل الأدب بالإنسان. ومن هنا فقد آثر الباحث النظر في هذا الجنس الأدبي القديم الذي تمثله "أخبار" الجاحظ نظرة تنشد التواصل مع "التجربة الجمالية والإنسانية والتاريخية التي صورها الجاحظ في هذه الأخبار، بل إننا جعلنا هذه الغاية هذه الدراسة في سرد الجاحظ الذي تجنبنا تحويله إلى جملة من التقنيات الشكلية التي تعرضها علينا نظرية النص بسخاء، وحرصنا على التعامل معه باعتباره ثمرة تفكير الجاحظ في العالم والحياة والإنسان .

ترتبط البلاغة بالحياة عندما يتم النظر إلى الأدب وكأنه صورة للحياة. إن البلاغة عند محمد مشبال لصيقة بالحياة إذ لا يمكن الحديث عن البلاغة بمعزل عن الحياة. وإذا كانت كلمة "الحياة" تحيل على معان متعددة منها العصر والبيئة والذات وروح الإنسان والحرية فإن الباحث يؤثر أن يوجه هذه الكلمة إلى معنى أقرب إلى الأدب وطبيعته إذ تعني عنده "القيم الإنسانية " . ومن ثم فإن عمل المحلل البلاغي يتجاوز وضع القواعد والتحديات والإحصاء والوصف الكلي إلى استجلاء قيم الحياة في الأساليب وتفسير الإحساس الجمالي باعتباره قيمة إنسانية رفيعة .

إن نصوص الجاحظ السردية وثيقة الصلة بالحياة فقد رأى شوقي ضيف فيما ينقل عنه الباحث أن الجاحظ نقل الأدب من طور الأسلوب إلى طور بلاغة الحياة. إذ لم يعد التعبير الأدبي مع الجاحظ مفتونا بالكلمة بقدر ما أصبح مأخوذا بتصوير الطبيعة والإنسان والمجتمع .

لقد كانت هذه الملاحظة النقدية باعثا للباحث على معاودة النظر في نصوص الجاحظ السردية التي شكلت مرتعا خصبا لتجريب مختلف الأدوات القرائية وشتى التطبيقات المنهجية انطلاقا من أفق بلاغي مغاير يربط الأدب بأوضاع الإنسان في المجتمع والحياة .

لقد عاد الباحث إلى المتن الجاحظي بأدوات منهجية مختلفة أساسها النظر في المشكلات الإنسانية التي أثارها أدب الجاحظ بوصفه صورة للإنسان فقد كان الجاحظ "أحد هؤلاء العلماء الذين أفسحوا المجال في كتاباتهم لنماذج بشرية من واقع الحياة اليومية أي أنه وسع البلاغة لتستوعب الحياة التي يعيشها الناس" .

لقد انكب الباحث على تحليل أخبار الجاحظ وتفسيرها باعتبارها تعبيرا عن الوجدان وتصويرا للشاعر والقيم الإنسانية انطلاقا من قناعة تحصلت لديه بأن "البلاغة عند الجاحظ ليست مجرد قواعد لبناء التخاطب ولكنها أيضا قواعد لبناء حياة الناس في المجتمع" . وقد ظهر هذا الملمح جليا في تأويلات الباحث للنصوص السردية التي تخيرها من مدونة الجاحظ للنظر والتطبيق، فقد وجدناه في الفصل الثالث الموسوم بـ"التمثيل السردي والخطاب البلاغي " يقيم جدلا طريفا بين أصول البلاغة عند الجاحظ من جهة، ونصوصه السردية من جهة أخرى، حيث رأى في الثانية إعادة تشكيل للأولى على نحو تخييلي وهو ما أوضحه الباحث بالقول : "إن النصوص السردية ليست سوى نظائر لمفهومات الخطاب البلاغي التي صاغها الجاحظ في نظرية البيان والتواصل، فكما أنه سعى في تأسيسه لهذه النظرية إلى وضع قواعد للتواصل والتفاعل الاجتماعي فإن نصوصه السردية التي صورت مجموعة من الشخصيات في الحياة الاجتماعية لم تبتعد عن هذه الغاية البلاغية. وكأن الجاحظ يقص علينا حكايات شخصياته وأخبارها ليسهم في وضع قواعد السلوك المنشود ".

وقد جلى الباحث هذا التماثل بين حقلي الخطاب والحياة من خلال جملة من السمات التي استخلصها من الأخبار التي وعتها مدونة الجاحظ النثرية مثل التزيد (ص:67) والتخاذل (ص:76) والعي (ص: 81 ) والسلاطة (ص:84 ) لقد توقف الباحث عند هذه الأخبار بالتحليل والتفسير للإستدلال على أطروحته الناحية إلى إقامة جدل وتماثل بين حقلي البلاغة والحياة عند الجاحظ، حيث أوضح أن الجاحظ في هذه الأخبار يسخر من شخصيات لم تستقم لها آلة البلاغة المتمثلة في القدرة على الإبانة والإبلاغ المعتبرة أداة رئيسة في التواصل بين أبناء المجتمع الإنساني . فإذا تعطلت هذه الآلة تعطلت "الحياة ". إنها أدوات البلاغة التي تعطل البيان والتواصل أو تحرف وظائفهما .

فالجاحظ يسخر من القاضي عبد الله بن سوار لأنه شخصية تتكلف سلوكا لا يقتضيه المقام ولا ينسجم مع الطبيعة الإنسانية . ولما كان التكلف مرفوضا في نظرية الجاحظ البلاغية، فقد استخلص الباحث من ذلك أن رفض التكلف في الخطاب البلاغي يوازيه رفض للتكلف في السلوك الاجتماعي. وبذلك يكون السرد وجها آخر للخطاب البلاغي في كتابات الجاحظ لا يجوز الفصل بينهما . وفي خبر الرجل الذي آثر تعطيل لسانه للإحتيال على غرمائه (استبدل نباح الكلب بالكلام الإنساني فلما أراد أن يعود إلى اللغة البشرية لم يستطع ) يسخر الجاحظ من "العي" فقد انتقل المتموه من صورة إنسان حقيقي يملك عقلا ولسانا إلى مجرد صورة من اللحم بعد أن تعطل اللسان ليغدو وقد فقد أداة البيان (اللسان) أشبه بالحيوان .

وفي خبر عروه بن مرثد يسخر الجاحظ من "سلاطة" الشيخ الذي أفاض في الكلام فقد ألقى خطبة عصماء على آذان كلب ظنه لصا فأطنب في الوعيد منذرا ومهددا اللص المزعوم بالويل والثبور إن هو لم يخرج من الدار مستسلما ولم تكن الخطبة في الحقيقة سوى تمويه على جبنه وتقاعسه في مواجهة اللص المفترض .

لقد أظهر الباحث بحق في تحليل هذه الأخبار أن هناك تماثلا بين السرد والبلاغة فالسمات التي رصد في مستوى الخطاب من قبيل التزيد والتخاذل والعي والسلاطة تناظر سمات الإنسان في سلوكه وأخلاقه الاجتماعية المنافية لمقياس الاعتدال الذي طالبت به البلاغة التي رأى مشبال أنها لم تكن جهازا لَضبط آليات الخطاب فقط ،بل كانت أيضا جهازا لضبط سلوك الإنسان وتعاملاته في الحياة .

لقد ظهر الربط وثيقا في هذه الأخبار بين البلاغة والحياة في أدب الجاحظ الذي أراده صاحبه تصويرا للإنسان في مختلف سلوكه وأوضاعه، فالأوضاع الاجتماعية التي أدانها الجاحظ وسخر منها [الزماتة والتكلف والعي والتخاذل والسلاطة...] كلها شاذة ومجافية للطبع والحياة الإنسانية السوية. ومن هنا لحظ الباحث أن الطبيعة الأصلية للشخصية تنتصر دوما في أخبار الجاحظ على تلك التي تتكلفها ومن ثم صح للباحث أن يستخلص لكل ذلك أن البلاغة والحياة في أدب الجاحظ ملتحمتان تفضي إحداهما إلى الأخرى .

جدل البلاغة والسرد:

عندما يصطفي الباحث من العناوين "البلاغة والسرد" عنوانا ليسم به إصداره الجديد، فإنما يفعل ذلك بمكر "بليغ". لقد أراد التنبيه من طرف خفي فيما نتصور على الإشكال العويص الذي يواجه الباحث المعاصر الذي يصدر عن منظور التحليل البلاغي في فحص النصوص ووصفها. يتعلق الأمر بالجدل الدائر بين علماء البلاغة المعاصرين حول "اختصاصات" هذا العلم فهناك من يتصور الدراسات البلاغية حكرا على البنيات الحجاجية في الخطاب لاعتباره البلاغة بعدا تأثيريا في النص يروم تحقيق الإقناع وإيقاع التصديق. مما يترتب عنه إقصاء المكونات التخييلية والسردية فيما يرى آخرون أن التحليل البلاغي ينبغي أن يقتصر على دراسة البنيات الأسلوبية انطلاقا من تصورهم للبلاغة "زينة زخرفية" غايتها الإمتاع وليس النفع.

إن الفصل بين المكونين في بعض التوجهات البلاغية المعاصرة ليجسد "محنة البلاغة" التي ما فتئ هذا "العلم العتيق" يعانيها نتيجة "الانشطار" بين جناحيه الأساسين: التداول والتخييل. ويرتد هذا الانشطار، وهنا المفارقة، إلى أرسطو نفسه، فقد خصص الفيلسوف الاستاجيري كتابين لدراسة ظواهر الخطاب هما "فن الشعر" ويختص ببحث الخطاب التخييلي الشعري و"فن الخطابة" الذي يفحص الخطاب الإقناعي الحجاجي. أما البلاغة في السياق العربي فلم تعرف هذا الفصل وإنما رصدت منذ بدايتها لبحث الخطاب الاحتمالي بنوعيه التخييلي والتداولي .

وقد عبر الباحث عن موقفه من هذا الإشكال فصرح في مقدمة الكتاب بأن " ثمة تلازما بين التصوير والحجاج ليس في أدب الجاحظ فقط ولكن في مطلق النصوص الأدبية" .

انطلاقا من هذا الفهم للبلاغة أصبح من المستساغ بالنسبة للباحث فحص أخبار الجاحظ المنضوية ضمن " السرد " من منظور بلاغي. وقد شكل جهد الباحث في هذا المجال، كما اعترف هو نفسه، أهم فكرة حاول الكتاب مناقشتها وتطويرها . وقد أسعف الباحث في تحقيق هذه الغاية المتن التمثيلي الذي اعتمده لاختبار الفكرة وروزها؛ فالجاحظ قامة أدبية سامقة كان له الأثر البالغ في توجيه التفكير البلاغي العربي فهو "أحد مؤسسي البلاغة النظرية العربية القديمة كما أنه أحد مؤسسي بلاغة النثر أو السرد بمفهومها الجمالي والإنساني لقد نقل أسرار البلاغة من مبدأ الكلمة الساحرة واللقطة الثمينة أو الصورة البديعة إلى مبدأ الوصف والسرد والغوص في تفاصيل الحياة ورصد المشاعر والسلوك الشاذ الغريب " .
لهذه الاعتبارات مجتمعة كان توجه الباحث إلى فحص "علاقة البلاغة بالسرد" منبثقا من نصوص الجاحظ ذاتها لكون هذه النصوص " وثيقة الصلة بالبلاغة التي وسع الجاحظ دنياها لتشمل الحياة والخطاب أو اللغة والعالم" .

إن إجراءات التحليل البلاغي للنصوص المنضوية ضمن "السرد" شأن "أخبار" الجاحظ التي اختصها مشبال بكتابه لا تنضبط للحدود البلاغية التي ارتهنت في صوغ أصولها لجنس الشعر كما بين الباحث بحق في مقام آخر . ذلك أن بلاغة السرد مغايرة تماما لجنس الشعر ولذلك فهي تستدعي إجراءات في التحليل تراعي بلاغته المخصوصة، لأن مفهوم البلاغة عند الباحث لا يقوم بالضرورة على مرتكزات مقننة كتلك التي صنفها علماء البلاغة قديما وحديثا في أبواب معروفة، بل يمكن إضافة مرتكزات مستمدة من سياقات لم يتم تسخيرها في بلورة مفهوم البلاغة كسياق الجنس الأدبي أو النوع الأدبي وسياق القراءة والسياق النصي .

إذا كانت بلاغة الشعر تقوم على مكونات مخصوصة يتوجب على الدارس مراعاتها عند تصديه لفحص ووصف هذا الجنس الأدبي، فإن بلاغة السرد تضطلع ببنائها مقومات أخرى مغايرة تماما لتلك التي تتقوم بها بلاغة الشعر، فإذا كان الشعر لغة كثيفة أساسها شرط "الكتابة المرموزة" ، فإن السرد لغة شفافة قوامها الحكي العاري .
وقد حدد الباحث ما يعنيه ببلاغة النص السردي فحصرها في التأثير العملي الذي يحدثه النص في القارئ إما بحمله على تقبل المعنى الجاهز والمشكل وإما بتحريضه بوسائله الخاصة على فعل القراءة والتواصل النشيط .
من الواضح أن بلاغة النص السردي ترتبط عند الباحث بـ "التأثير العملي" في القارئ. وقد ترتب عن هذا الفهم للبلاغة أن توجه الباحث إلى النظر في نصوص الجاحظ السردية من زاوية استراتيجية التواصل، حيث تبين أن السرد عند الجاحظ ليس مقصودا به التسلية والامتاع فقط، ولكنه مسخر أداة للتواصل مع القارئ من أجل تلقينه المعلومات وتزويده بشكل ضمني بالحقائق الخلقية والإنسانية العامة. ومن هنا رأى الباحث أن النصوص السردية عند الجاحظ "تحمل معنى علميا وخلقيا وفلسفيا لأنه يتوق إلى توصيل رسالة معينة الأمر الذي يقتضي ضرورة تحليله وتلقيه في مواقف تواصلية ملموسة، أي النظر إليه بوصفه خطابا صيغ على نحو يؤدي وظيفة تداولية وتوصيل رسالة إلى متلق مستعد لتلقيها والاستجابة العملية لمقصدية صاحبها" .

جدل التصوير والحجاج:

لعل القول بتداخل التداول والتخييل في نصوص الجاحظ السردية أن يمثل الأطروحة الأساس التي حاول الباحث إثباتها والاستدلال عليها في كتابه "البلاغة والسرد". ويكفي أن نشير هنا إلى تصديره الكتاب بعنوان فرعي هو "جدل الحجاج والتصوير في أخبار الجاحظ"، الأمر الذي يوجه أفق القراءة إلى اختزال متن الكتاب وتركيز مضمونه حيث يستخلص القاريء أن الباحث معني في هذه الدراسة برصد أشكال التداخل والتفاعل بين الوظيفة الحجاجية الإقناعية والوظيفة التخييلية الجمالية انطلاقا من فرض منهجي مثل عصب الدراسة وأساسه تلازم الحجاج والتصوير في أخبار الجاحظ .
لقد رام الباحث إثبات أن الخبر عند الجاحظ منطلق من المقام التواصلي المحسوس ليصوغ عالمه التخييلي الأدبي، فإذا كانت الوظيفة الحجاجية طاغية في أخبار الجاحظ كما أظهر التلقي التداولي، فإن ذلك لا يمنع أن هذه النصوص يمكن أن تستجيب لنمط آخر من التلقي يصدر عن آفاق قرائية مغايرة تطمح إلى تلقي هذه النصوص في ضوء مفاهيم التصوير في سعي للكشف عن معالم البعد التخييلي الذي تنطوي عليه هذه النصوص، ويسهم بقسط موفور في بناء بلاغتها المخصوصة حيث مقومات مثل التصوير والسرد والهزل والطرافة والغرابة غير منفكة عن أساليب الإقناع ومقتضيات التداول ولكنها مباطنة لها وملازمة . ومن هنا وجب على المحلل البلاغي لأخبار الجاحظ الوعي بتداخل وتمازج الوظيفتين الحجاجية والتخييلية فيها، ففي نصوص الجاحظ من "الأدبية" ما يجعل القارئ يتفاعل معها بمفهومات التخييل والتصوير إلى جانب التداول والحجاج. وهو ما قرره الباحث في الفقرة الأخيرة التي قفل بها خاتمة الكتاب حيث صدع بما يمكن اعتباره "القول الفصل" في بلاغة الجاحظ من منظور الباحث. يقول: " نستطيع أن نخلص في نهاية هذا التحليل إلى أن بلاغة الجاحظ قامت على مكونين أساسين هما: الحجاج والتصوير. فالجاحظ بياني قوي الحجة قادر على الإقناع والإفحام والتأثير وهو أيضا مصور قادر على الوصف الدقيق والقص الممتع تدل على ذلك نوادره وأخباره في البخلاء وكتاب الحيوان والبيان والتبيين، فلا عجب أن تجتمع في الرجل هاتان الصفتان اللتان شكلتا عمود البلاغة الإنسانية" .

إن التداخل بين التخييل والحجاج سمة راسخة في نثر الجاحظ لحظها ونبه عليها أغلب قرائه بدءا بابن العميد الذي وصف كتب الجاحظ بأنها تعلم "العقل أولا والأدب ثانيا" : إلى شوقي ضيف ( الفن ومذاهبه في النثر العربي) وفيكتور شلحت (النزعة الكلامية في أسلوب الجاحظ) و محمد النويري (البلاغة وثقافة الفحولة) ومحسن جاسم الموسوس ( سرديات العصر الإسلامي الوسيط). لقد توقف الباحث عند هذه الكتابات التي زاوجت في مقاربتها لآثار الجاحظ بين البعدين التخييلي والتداولي وعمل على تجلية هذا الملمح فيها، حيث أعاد صياغة الإشكال الذي تطرحه على الشكل التالي: هل يتسع نثر الجاحظ للوظيفتين التخييلية والتداولية؟ أو بعبارة أخرى: هل يفضي وصف أعمال الجاحظ وتفسيرها إلى وضع اليد على بلاغة مخصوصة؟ يتداخل فيها نمطان من الخطاب، الخطاب التداولي الحجاجي والخطاب الأدبي التخييلي . لقد اعتمد الباحث اجتهادات ياكبسون خاصة "الوظيفة المهيمنة" وتصورات موكاروفسكي حول "تنافس الوظائف" مداخل لتسويغ أطروحته الناحية إلى تقرير الجدل مبدأ بين الحجاج والتصوير في أخبار الجاحظ. وقد استقام للباحث استنادا إلى أطروحة موكاروفسكي حول الخاصية المزدوجة للعمل الفني باعتباره علامة مستقلة وتوصيلية في نفس الآن أن يعد أخبار الجاحظ مزاوجة بين الوظيفتين: الحجاج والتصوير.
انطلاقا من هذا الفهم تناول الباحث في الفصل الثاني من الكتاب "التمثيل السردي والتواصل" جملة من نصوص الجاحظ السردية من منظور تواصلي الأمر الذي سمح له بعقد مماثلة بين الخطاب والمقامات التي يتنزل فيها، حيث المرسل (الجاحظ هنا) يلح على المقاصد (فعل النص في متلقيه) من دون أن يفرط في شروط الإرسال الجيد (الصياغة) التي تتيح له التأثير في المستقبل وإثارة انفعلاته.

لقد توقف الباحث عند أخبار ثلاثة تجلي هذا الملمح في أخبار الجاحظ: خبر "وفاء كلب" (ص: 63) وخبر عبد الله بن سوار وإلحاح الذباب ( ص: 44) وخبر "الشيخ عبد الله بن مرثد مع الكلب" (ص: 44) حيث استخلص من تحليله أن هذه التمثيلات السردية هي "مواقف تواصلية" يتوخى الجاحظ من خلالها حمل متلقيه على إنجاز فعل يقع خارج النص (الذم والسخرية والنفور من أفعال يراها الجاحظ شاذة ويريد من قارئه أن يشاركه هذا الحكم). يتعلق الأمر إذن بالوظيفة البلاغية الحجاجية التي تتخذ من الأخبار إطارا سرديا تتضافر فيه وتتساند أساليب الإقناع ومقومات الإمتاع لحمل المتلقي على فعل ما أو النفور منه .

إن الجاحظ فيما يستخلص الباحث "لا يتردد في إلحاق العقاب بشخصياته المتردية والسخرية منها داعيا المتلقي إلى مشاركته وجهة نظره بناء على جملة من المسلمات والقيم التي قامت عليها نصوصه السردية الحجاجية" . مما يعني أن أخبار الجاحظ هي عند التحقيق تشكيلات فنية وجمالية منطوية على عبرة وفائدة. وهو ما عكف الباحث على إجلائه عندما بحث "مقاصد الأخبار" في المدونة الجاحظية ، حيث نظر في أخبار الجاحظ باعتبارها خطابا بلاغيا تواصليا يتوخى توصيل جملة من المقاصد من قبيل:

- بناء الأخلاق في المجتمع.

-  المعرفة العقلية سبيل الإيمان.

- التمييز بين الإنسان والحيوان.

- تثقيف القارئ .

- متعة الهزل المقترنة بالفائدة.

وقد انتهى الباحث من فحص وتدبر المتن السردي المعتمد إلى تقرير التداخل بين "الحجاج والسرد" في أخبار الجاحظ مبدأ راسخا وحقيقة متأصلة، فهي حكايات سردية "تقوم بتمثيل مضمون خلقي أو حكمة مشتركة أو معنى نقدي أو فكرة فلسفية أو علمية. فإذا كانت في بنيتها السطحية الظاهرة تسرد حكاية فإنها من الواضح تخدم أغراضا بلاغية" .
وتلك مقدمات قادت الباحث إلى استخلاص نتيجة هامة نراها عصب البحث وحجر الزاوية فيه مؤداها أن النظر في أخبار الجاحظ "لا ينبغي أن يكون باعتبارها سردا خالصا أو خطابا حجاجيا مستقلا بل ينظر إليها في صيغتها المتداخلة بين التخييل والإقناع أو بين الخطاب السردي والخطاب الحجاجي"
.
أفق البلاغة:

نستطيع من خلال فحص مختلف الدلالات التي تعاقبت على تسمية بلاغة أن نميز مفهومين اثنين:
أ- البلاغة الضيقة المستندة إلى مرتكزات تقنينية تصنف المباحث البلاغية في أبواب معروفة، وتضغطها في قواعد معلومة، يقتصر دورها على مد المتكلم بعناصر "الزينة" التي تمكن من "تنميق" الخطاب "وتحسين" الكلام.
ب- البلاغة الرحبة المنفتحة على الخطاب بما هو تحقق إنساني، حيث تنتفي المعايير الجامدة والقواعد الضابطة المتحجرة، لتغدو البلاغة منهجا أو تقنية قادرة على استيعاب السياقات اللانهائية التي يولدها استعمال الكلام، الذي يقول عنه التوحيدي:" وأوسع من هذا الفضاء حديث الانسان..."

لقد توقف محمد أنقار عند هذين التصورين في مقالته المركزة "البلاغة والسمة"، حيث رأى أن الأول يقود إلى إلغاء علم البلاغة برمته، لأن مراعاة التعبير المطلق لن يقتضي بالضرورة استدعاء أبواب بلاغية مخصوصة ومنضبطة للقواعد والحدود. أما الثاني فمن شأنه أن يفضي بنا، فيما يقرر الباحث، إلى المداخل البلاغية المعلومة أو علوم البلاغة؛ أي القوانين والضوابط والقواعد، أو ما يمكن تسميته "أبواب البلاغة الضيقة" .

من المتأكد أن البلاغة التي يحدوها طموح لأن تكون "رحبة" لن تذعن للقواعد المألوفة التي أرهقت النظر البلاغي التقنيني، الذي استهلكته مفهومات من قبيل "البيان" و"الخرق" و"التحسين"، ذلك أن "حدود البلاغة أوسع مما يمكن تقنينه في أبواب أو نماذج، إنها تتسع لكل الإمكانات التعبيرية وتنفتح على مطلق الصنعات الأدبية، وشتى صيغ التصوير، وليس لها من ضابط سوى وظيفتها الجمالية والإنسانية المتمثلة في تشكيل النص، وتعميق الرؤية، والاستحواذ على المتلقي، واستجلاء القيم الإنسانية" .

وبذلك تتسع حدود البحث البلاغي لتشمل مختلف الاختيارات الإبداعية والتشكيلات الجمالية، بما هي إمكانات تعبيرية تنطوي على أبعاد إنسانية، يتطلب الوعي بها والكشف عن دينامية اشتغالها نظاما في الفهم والتفسير فسيحا ورحيبا، يستطيع الوفاء بوصف ودراسة جميع الأنواع الأدبية، شعرية ونثرية، قديمة ومحدثة، باعتبار ما تتقوم به من ممكنات تعبيرية واختيارات جمالية خاصة بكل نوع على حدة. وهو تصور يوسع من دائرة البلاغة لتتخذ صورة فسيحة ورحبة أساسها التفاعل الحي والمباشر مع النصوص الأدبية بغرص الكشف عن الإمكانات التعبيرية والسمات البلاغية، التي تعتمل داخل النص الأدبي، فتمنحه فرادته الفنية وتكسبه خصوصيته الجمالية

إن البلاغة ليست أنموذجا تقنينيا يذعن للقواعد الدقيقة الجامدة، وينضبط للحدود الصارمة المرسمة سلفا، ولكنها "نموذج لا يسعى إلى الضبط والتقنين، بقدر ما يسعى إلى وضع حدود عامة، ومبادئ كلية يسترشد بها البلاغي في عمله" ، لأن الكشف عن بلاغية النصوص الأدبية لا ينبغي أن يرتهن إلى برنامج في الوصف أو أنموذج في التحليل معدين سلفا، إذ العبرة، في نظرنا، إنما تكمن في الخروج من الأبواب الضيقة لبلاغة التصنيفات والخانات إلى شمس السؤال البلاغي، الذي يعمد إلى مواجهة النص، بدلا من ذلك، ببلاغة رحبة فسيحة تستثمر الذوق (الخبرة الجمالية)، والواقع (التجربة الحياتية) في فهم النص وتفسيره، ذلك أن البلاغة إذ تلقي بنفسها في أحضان "النصوص"، بما تحوز من فنيات وجماليات، لا يمكن أن تنطلق من أي بلاغة عامة أو معممة، لتجعل وكدها ترسيم الحدود وتفصيل الضوابط من غير مراعاة للخصوصية "النوعية"، التي تدمغ فنون القول المختلفة (الأجناس والأنواع والأشكال) بسمات خاصة؛ وهو مايجعل سمة "البلاغية" المتحققة في النصوص الأدبية مختلفة من نص إلى نص، ومن نوع إلى نوع، ومن شكل إلى شكل، وتلك مسألة يتطلب الوعي بها تضافر جهود البلاغيين المعاصرين من أجل "صياغة بلاغات نوعية خاصة لا يمكن أن تنوب عنها أو تتحدث باسمها بلاغة عامة، دون أن يفيد هذا القول بعدم ضرورة هذه البلاغة العامة التي ستظل قائمة مادام هناك جوهر مشترك بين جميع البلاغات النصية، أدبية وغير أدبية" .

إن البلاغة "النوعية" إذ تجعل غايتها الكشف عن سمة "البلاغية" في مختلف الأنواع الأدبية (الشعر والخطابة والترسل والمقامة والخبر والمناظرة والقصة والرواية...) لمطالبة باعتبار الفروق "النوعية" بين هذه الوقائع النصية المتباينة أنواعيا وبالتالي بلاغيا، ويكون ذلك، في تقديرنا، بمراعاة سياقات إن لم تكن من مرتكزات "البلاغة الضيقة"، فإنها في "البلاغة الرحبة" من صميم البلاغة، من قبيل وحدة النص، وسمات النوع، وسياق القراءة، وهو ما يؤذن بانفتاح البلاغة على الأدب بمدلوله الإبداعي والإنساني الرحب والفسيح، إذ "الإقرار باختلاف الأداة التعبيرية بين الأجناس الأدبية هو اعتراف بأحقية كل واحد منها في الوجود والتعبير عن الإنسان بقيمه الفنية وتصوير حالاته المتباينة، باعتباره كائنا تتوزعه أغراض وشروط تتجسد في هذا الاختلاف القائم بين وسائل التعبير في الأجناس الأدبية" .

إن قراءة العمل الأدبي بغرض الكشف عن بلاغته لا يمكن أن تستند إلى وصفة جاهزة أو برنامج محدد يترسمه الناقد، لأن القراءة الواعية بصفتها وأدواتها لا تشيد أنظمتها البانية لأنساقها إلا بالتفاعل الحي والمباشر مع النصوص، وهي، بمقتضى ذلك، معاناة تستلزم من القارئ المتهدي في "مسالك" النص و"ممالكه" بالعدة التي توفرها له "البلاغة"، إرهاف السمع إلى نبض النصوص وحفيف الجماليات، كما تقتضي التوفر على بصيرة نافذة مأتاها الحدس القادح للسؤال الفني والجمالي، وليس القوانين المنهجية المقررة سلفا.

ومن هنا كانت دعوتنا إلى ضرورة ربط البلاغة بالأعمال الأدبية لاستخلاص مبادئ جمالية عامة، مثل وحدة النص في كليته، وسمات النوع ومقتضياته، وسياق القراءة والمقروء، لتقوم أصولا يتهدى بها النظر البلاغي في النصوص التي تشكل في "البلاغة الرحبة" المنطلق والمآل، منها يبدأ التفكير البلاغي وإليها يعود، بخلاف البلاغة المدرسية التي تنطلق من القواعد إلى الشواهد؛ فلا تظفر من بلاغية النصوص، إذ تتوسل الحدود والقواعد، إلا بنبض خافت أو جثث بلا روح هامدة.

لكل ذلك كانت البلاغة تتحدد أفقا مفتوحا للتأمل في مختلف أشكال التواصل الإنساني (ومنه التواصل الأدبي)، وليست منهجا ثابتا وقارا يترسمه الدارس في فحص النصوص واستنطاقها. ذلك أن القراءة المستندة إلى سمات النوع بما تنطوي عليه من جماليات مستقاة من طبيعة النص، ومقدودة من مقتضياته تكسب الناقد بالتأكيد خبرة توجهه إلى "نحت حدوده الفنية والبلاغية التي ستسعفه حتما في قراءة نصوص إضافية" .

صفوة القول، إننا نشاطر غيرنا من الباحثين في البلاغة وتحليل الخطاب في ضرورة الانطلاق في وصف النصوص وتحليلها من مبدأ بلاغي عام يقضي بأن لكل خطاب بلاغته الخاصة. وينطلق هذا المبدأ من فكرة أساس مؤداها أنه ما دام لكل نوع ظروف وملابسات تحكم إنتاجه وتوجه دلالته فإنه يتعين على الباحث البلاغي أن ينطلق في تحليل خطاب ما من مبدأ مغايرته لغيره من أنواع الخطاب الأخرى. وليس ثمة من شك في أن هذا الضرب من الدرس يتطلب دربة ومراسا بتحليل النصوص أكثر مما يحتاج إلى الوقوف على القواعد لأن التحليل البلاغي وصف للوقائع الخطابية وليس تطبيقا للقواعد أو استظهارا للشواهد. ذلك أن "مباحث البلاغة العربية لا يمكن أن تضمن استمرارها الزمني وامتدادها التاريخي ضمن فضاء البلاغة العالمية إلا في سياق السؤال البلاغي المبني على الاحتمالات والممكنات القرائية لا على التمثلات النمطية والبناءات الثابتة"