ملك «القرعة»

، بقلم فؤاد وجاني

«القرعة» في عرفنا نحن المغاربة تعني المرأة الصلعاء. والأصوب لغة أن تسمى قرعاء أي التي ذهب شعر رأسها من داء. وأحيانا تُنطق القاف في لفظ "القرعة" في الدارجة بالجيم غير المعطشة، فتستعمل في طبق الكسكس الذي لا يخلو منه بيتٌ ظهيرة كل يوم جمعة بعد صلاة في المسجد أو بدونها في هذا البلد المؤمن الآمن بفضل جلالة ملك الحشيش.

لكنها في اصطلاح الاستخبارات المغربية تعني قنينة من فئة رأسمالية، وتتنوع أصنافها، فمنها كوكاكولا وفانتا وأورونجينا، ولا يفوت فقهاء المخزن وندماؤه السريون أن يضموا إلى تلك الفئة قنينات الجعة المستوردة من فئة "هنيكن" و"بادوايزر" وهلم أسماء لا نذكرها خشية أن نتسبب في إعلان مجاني في بلد لا شيء فيه مجاني إلا الهراوات والتهم. وتضم أيضا قنينات خمر رفيعة الجودة مصنوعة محليا بضيعات أمير المؤمنين في ربوع المملكة الزاهية.

وعليها يُجلسون كل من سولت له نفسه أن يخوض في السياسة أو يدعي النضال لأجل الشعب، ولن تشفع له لحيته المعفاة المسبلة، ولا رايته الحمراء الشيوعية. وله أن يصيح ربه الذي خلقه أو ماركس الذي علمه. لن يفكه أحد، ولن يلأم جرحه عبد.

ويُروى أن فتى يدعى بوشتى الشارف كان من بين الذين تعرضوا للاغتصاب بالقرعة، وقد ظهر في شريط مسرب من داخل فندق تُرى فيه كل النجوم دون السماء وهو يصرخ ضد الظلم الذي نابه من ألم القرعة بينما كان جلالة الملك المفدى جالسا على أريكته الوثيرة يستمع للدروس الحسنية الرمضانية.

نعم، فعندنا يحتفلون بالسجناء السياسيين في رمضان شهر الصيام وغيره من الأشهر الحُرم التي حرم الله فيها القتال وحتى تلك التي أباح فيها السلام.

الغريب أن العديدين ممن جلسوا على القرعة ليسوا سياسيين ولا مناضلين بل أناس عاديون، بعضهم يجرون العربات ليبيعوا الفواكه والخضراوات في الشوارع و الأسواق، وآخرون يصلحون الأحذية ويصنعون مفاتيح الأبواب والفرج. وقد اتُّهم كثير منهم بالتفجيرات في البيضاء والحمراء، وما فجَّروا تفجيرا ولكن شُبِّه لهم.

نتساءل لماذا يختار النظام الملكي في زمن الفضاء هذه الوسيلة المكلفة في عالم التجارة ليخترق بها أحط مكان في الإنسان المغربي. ولماذا لا يوفر بعض الزجاج بعد أن بذر الزرابي والقصور والسيارات والطائرات لأجل رفاهية جلالته، لماذا لا يدخر بعضا من القنينات لتخفيض تكلفة صناعة خمر جلالته أمير المؤمنين.

ملك الفقراء أحق بثمن "القراعي" أو القنينات. بالله علينا، كيف نرضى بأن يكوِن ملكنا سابع أثرى ملوك العالم. لن نرتضي إلا أن يكون الأول. لذلك على الملك الشريف النسب أن يصدر ظهيرا شريفا أو مرسوما ملكيا يأمر بوضع صورته على كل القنينات قبل أن تلج إست أي مواطن حتى يتم الاحتفاظ بها بعد التعذيب، وعلى وزيره الأول أن يوقعه بالعطف.

بعيدا عن لذع السخرية، الحقيقة إن النظام قد بات أقرعا بعد أن زال الشعر الذي كان يغطي رأسه، وظهر أن الشعب كله جالس على قنينات جلالته. حذارِ يوم يصرخ الشعب، فجميعُه بوشتى الذي لم يقل كلمته بعد.