سؤال بريء!

، بقلم فيصل سليم التلاوي

قبل أن يتزوج محمود العسالي زميلته في العمل بسنوات طويلة، و هو بعين واحدة. لقد فقد عينه اليسرى في سنوات فتوته الأولى إثر تعرضه لضربة حجر صُوِّب نحو عينه في إحدى معاركه اليومية المعتادة. و مع من يا ترى؟ مع شقيقه الأصغر، الذي سدد نحوه تلك الرمية الطائشة التي أودت بعينه، و حملته تلك العاهة، و ذلك اللقب الكريه إلى نفسه، و الذي يتهامس به المهذبون من زملائه، أما قليلو الذوق منهم فإنهم يسمعونه إياه دونما استحياء:
محمود الأعور.

لكن ما كان يخفف على محمود العسالي، و يفرج عنه بعضا من همه، أنه لم يسمع أحدا من أهل بيته ينطق بهذا الوصف في حضرته، و يكاد يجزم أن أحدا منهم لا يحدث به نفسه أبدا.

فقد انقضت سنوات طوال منذ زواجه، أنجب خلالها بنينا و بناتا أحسن تنشئتهم و تعليمهم بمشاركة أساسية من أمهم، التي انقطعت عن عملها بعد إنجابها مولودها الثاني، و تفرغت كليا لشؤون المنزل و تربية الأبناء حتى كبروا و صاروا رجالا. و قد تزوج معظمهم و صار له حفدة و حفيدات، و حتى هؤلاء على صغر سنهم ما نبس أحد منهم يوما ببنت شفة تلمح إلى عين جده، و لا أطال أحدهم النظر إلى تلك الحفرة الغائرة في موضع عينه اليسرى، فقد اعتادوا على رؤيته على تلك الهيئة منذ نعومة أظافرهم، و لا سأل أحدهم يوما لماذا لا ينزع جدهم نظارته الشمسية إلا نادرا حتى في المنزل.
فقد كان له من المهابة و التوقير بينهم، إلى جانب الألفة و المودة في نفوس الجميع ما يردعهم عن التفكير في السؤال عن أمر عينه، و ما يكفيه حرج الرد على سؤال كهذا.

انقضى العمر إلا أقله، و محمود العسالي على هذه الهيئة من الرضا و القناعة و الانسجام مع أهل بيته و جيرانه و زملائه في العمل، لا يكدر صفو عيشه مكدر، و لا ينغص عليه سكينته منغص.

يتقن عمله و يقوم بواجباته المنزلية و رعاية أهل بيته على أكمل وجه. تنتظم أمور أسرته كلها حتى ليحسدهم الحاسدون على وفاقهم الدائم، و نجاحهم البادي للعيان في تربية أبنائهم و نجاحهم، و تفوقهم في ميادين الدراسة و العمل.

عندما باغت التقاعد ( أبو السعيد ) – كما اعتادت أن تناديه زوجته و سائر معارفه - على حين غرة، لم يكن قد استعد لهذا اليوم الاستعداد الذي يليق به، و أهمه كيفية ملء وقت فراغه الطويل، و البحث عن تسليات أو رياضات يزجي بها ساعات نهاره يوما بعد يوم، خاصة أنه غير مضطر للبحث عن عمل جديد بعد هذه السن. و ما احتاج لطول وقت للتفكير في ذلك، فقد هدته فطنته و طيبة قلبه للطريق الأقرب إلى الهناء و راحة البال و حسن الخاتمة، و هو التقرب أكثر من رفيقة دربه ( أم السعيد )، فهي كنزه الوحيد الباقي بعد أن انفض من حوله معظم الأولاد و البنات أو كادوا. لماذا لا يقتربان أكثر من بعضهما، فيكونان أكثر عونا على مواجهة الأيام الصعبة القادمة، و وحشة ليل الوحدة الطويل الذي ينتظرهما؟ بعد أن ( طيَّرَ العُش ) و أوى كل الأبناء و البنات إلى أحضان أزواجهم، أما هما فقد عادا وحيدين مثلما بدءا.
و صار محمود العسالي يحدث نفسه:

- لماذا لا نعود عاشقين مولهين كسابق عهدنا؟ فلا شيء ينقصنا، إن لدينا من الصحة و الوفرة المادية ما يعيننا على مستقبل الأيام، و بنا من رمق الحياة ثمالة يمكننا أن نحسن تعاطيها، لتكون أيامنا القادمة أجمل و أسعد من سابقاتها، و قد هدأ البيت و ارتحنا من ضجيج العيال و كثرة القيل و القال.

و أخذ أبو السعيد زمام المبادرة، فصار يتودد لرفيقة دربه بأكثر مما عهدته منه في سالف أيامه، يود لو استطاع أن يعوض الأيام التي شغلته فيها شواغل الحياة عن الاهتمام اللائق بها، غير مدرك أن اللحظة التي تمضي لا يمكن استردادها أبدا، و أنك لا يمكنك أن تضع قدميك في مياه النهر ذاتها مرتين.

و الذي حير محمود العسالي و جعله يبدو شارد الذهن، كأنما يبحث عن شيء أضاعه و لم يفلح في العثور عليه، هو إعراض زوجته أم السعيد عن كل اهتماماته، و محاولات تودده و تقربه إليها، فكلما اقترب منها خطوة أحس أنها تبتعد عنه خطوتين، و عبثا يكرر محاولاته مرات و مرات، فلا يجد تجاوبا أو قبولا، حتى ساءت ظنونه و ضاق خلقه، و لم يعد يستطيع التأقلم مع وضعه الجديد.

و ما بات يغيظه و يزيد حيرته هذا الاندفاع و التعلق، الذي لا حدود له من قبل أم السعيد بأبنائها و أحفادها، فكأنها تراهم لأول مرة كلما حضروا، و هم لا يكاد أحدهم يبرح حضن أمه أو جدته حتى يعاود إطلالته من جديد.

و يتساءل أبو السعيد:

فيم كل هذا الاشتياق والحفاوة و أحدهم لا يدير ظهره إلا ليطل بوجهه من جديد؟ أكانوا غائبين عنكِ في سفر طويل؟
لكنها لا تلقي بالا لتعليقاته، و تواصل ترحيبها و توددها و إغداق كرمها المفرط على هذا الحشد، الذي يزداد عدده كل شهر و ليس كل عام.

يَقلب الصغار الشقة عاليها سافلها، فلا تتذمر أو تمتعض، بل ينزل كل ذلك على قلبها بردا و سلاما، و تمضي ساعات في ترتيب الشقة من جديد، و إعادة كل شيء إلى مكانه دون كلل أو ملل.

أما هو فتضيق به الدار، فينزوي في غرفته و يغلق عليه بابه، إن تركوه يهنأ بعزلته، و لم يقتحموا عليه وحدته، فيرغموه على مغادرة المنزل إلى حين تهدأ العاصفة و تستتب الأمور. إنه يجد نفسه وحيدا بينما تندمج أم السعيد في عالم أبنائها و بناتها منتشية بالجمع الكبير من أحفادها الملتف حولها، و كلما زادت حلقة الملتفين اتساعا زادها ذلك بهجة و حبورا، بينما يتوارى طيف أبو السعيد من أمام عينيها شيئا فشيئا، و هو لايزال محسوبا على قيد الحياة و لم يبرحها بعد.
و لما ضاق ذرعا بهذه الحال، و لم يعد يطيق عليها صبرا، فكر أن يفضي بسره، و يبوح بشكواه لأقرب أصدقائه، ذاك الذي يشاركه رياضة المشي الصباحي، التي هي المجهود البدني الوحيد الذي يعبر سحابة نهاره.

و بعد طول تردد خشية أن يستهين به صاحبه، و لاعتقاده أنه قد يكون الوحيد الذي يعاني من العزلة و الوحدة في بيته بين سائر زملائه، و أن الآخرين ربما كانوا ينعمون بتفاهم و انسجام مع من حولهم، و أن البوح بذلك قد يهز مكانته، و يجعله موضع غمز و لمز و سخرية من مجموعة العواجيز، الذين يشاركونه رياضة و تسلية الصباح.

لكنه لما لم يطق صبرا على بلواه، فعلها أخيرا و باح بسره لأقربهم إليه، عله يجد لديه تفسيرا لهذه الحال التي يعاني منها، و يا للمفاجأة التي قابله بها صاحبه، و قد التقط أول خيط من الحديث، إذ أجابه قائلا:

( لا تشكي لي، أبكي لك ). أنا أسؤا منك حالا، و فلان مثلنا و فلان حاله كحالنا، و كل منهم لا يبوح بهذا الحديث على ملأ من الناس، بل يسر به لأقرب قريب، فحالنا واحد، و كلنا ذلك الرجل.

يارجل بت أجد نفسي غريبا في بيتي، ينفض الجميع من حولي و يتحصنون في غرفهم لا يبرحونها لدى حضوري، فإذا انصرفت و حضرت أمهم تراهم يتحلقون حولها كأن الدنيا لا تسعهم من الفرحة.

و ما الغريب في ذلك؟ أرأيت صنفا من أصناف الكائنات التي لا تحصى في الطبيعة يفعل غير ذلك؟ أرأيت فراخا من الطير تفغر أفواهها النهمة لغير أمها، و كتاكيتا تنق حول دجاجة غير أمها أو تتبع ديكا؟ أرأيت جِراء أو قططا صغيرة تسير خلف كائن غير أمها؟ أرأيت حَمَلا أو عجلا أو ظبيا يتقافز في البرية خلف كائن غير أمه؟ هل يعرف واحد من الكائنات التي عددناها، و التي لم نعددها من هو أبوه؟ و هل تعلق به يوما و نعم بصحبته حينا من الدهر؟
أتود أن تكون أنت و صنفك بدعًا من الكائنات؟ و سائرًا على غير نواميس الحياة؟ و أردف قائلا:

أنت محظوظ يا رجل أنك حظيت بما لم يحظ به ذكَر غيرك. يكفيك أنهم يعرفونك و ينتسبون إليك، و هذه ميزة لم تتح لسواك من المخلوقات.

لكنني أفنيت عمري في خدمتهم، و رعايتهم حتى وصلوا ما وصلوا إليه، و غيري من ذكور الكائنات لم تفعل الذي فعلت.
أنت فعلت ذلك مختارا و لم يكرهك عليه أحد. و كانوا سينشؤون و يكبرون لو لم تفعل ذلك.

هب أنني فعلته مختارا ألا يكون دَينًا لي في أعناقهم مستحقا سداده؟

هم سيسددونه فعلا لكن ليس بأثر رجعي، سيسددونه لأبنائهم عندما يصنعون لهم مثل صنيعك، و في نهاية الطريق الوعر و عندما يرهقهم مواصلة صعود العقبة، عندها سيُحرِنون و يتوقفون عن المسير، مثلما تُحرن أنت اليوم.

و صمت أبو السعيد إذ لم يجد ما يواصل به الحوار. و حاول بعدها أن يُمرِّن نفسه على الصبر، و أن يرغمها على أن تطيق ما لم تكن تطيقه. و مضت أيامه بعد ذلك بطيئة رتيبة لا لون لها و لا طعم، و تَحَمَّل بعد ذلك أذىً كثيرا.
لكن الذي لم يطق عليه صبرا هو ذلك السؤال الذي باغته ذات صباح، و الذي لم يتوقع أن يسمعه يوما، و لو سهوا أو سذاجة من أصغر حفدته، باغته على حين غرة من أقرب الناس إليه، حين حدقت أم السعيد رفيقة دربه الطويل في وجهه ذات صباح، و وجهت له تلك الطعنة الغادرة بسؤالها الماكر:

كأنك أعور يا ابن عمي؟!

زفر أبو السعيد زفرة حرّى و لاذ بصمت عميق، و لم يستحضر ساعتها عبارة يوليوس قيصر، ليقول لها:

حتى أنتَ يا بروتس؟! أو حتى أنتِ يا أم السعيد؟!

و لو استحضرها فما الذي كانت ستفهمه منها، و ما أدراها من هو يوليوس قيصر و من هو بروتس؟ و ما هي فِعلته التي عاتبه عليها؟

ظل نهاره و نهارات بعده ملازما صمته، فهو لا يريد أن يكون كمن صمت دهرا ثم نطق كفرا، ليقينه أنه إن نطق فسينطق بعظيم من الأمور، تتداعى له أركان بيته الذي وهب له عمره كله، فبناه لبنة لبنة. أيقن أن ساعة النهاية قد أزفت، و أنه لا يمكنه أن يعاود النطق ثانية في هذا المكان، بعد ما تجرعه من مهانة ذاك السؤال الساخر. خاصة أنها قد تجاهلت الأمر بعدها، و كأنه لم يبدر منها ما يكدر الصفو، و لا جربت الاعتذار عما فعلت، و لا سألته عن سبب صمته الدائم

ظل محمود العسالي بعدها أمدا طويلا غارقا في صمته و حيرته، واقفا على مفترق الشك و اليقين، مقلبا في خاطره و جهتي النظر، محاولا أن يجد لسؤال أم السعيد تبريرا، فإن من طبعه أن لا يضع كلمة في مظن سوء، و في مقدوره أن يجد لها في الخير موضعا، و لذلك ظل يديم السؤال بينه و بين نفسه :

هل كان سؤالها بريئا أم خبيثا؟

و مازال على وِقفته تلك و تساؤله حتى اليوم.