في انتظارِ السّلح، نقشّرُ البطاطا

، بقلم محمد الهجابي

أما بعدُ، فأقول: ها إنّ السي محمد يقشّرُ البطاطا. يفعلُ بدربة مجرّب. لا يمسّ الكتلةَ، فيما هو يسحو عنْها غشاءها ببطءٍ ظاهرٍ. حريصٌ هو على أنْ لا يطولَ الحبّة أذى. لا يستعمل المقشرة. في العادة، يستخدمُ السكين. أذكرُ لما سأل، أجبت على الفور: هنا، لا وجودَ لمقشرةٍ، يا السي محمد.

يرمي بالحبّة الواحدة المقشّرة في طست البلاستيك، وينحني على سلّة القصب حذاءه، شمالاً. ينحني بجذعه العلوي نصفَ انحناءةٍ، ويلتقطُ الحبّة الموالية، ثمّ يكمشُ عليها بكفّه اليمنى، ويشرعُ باليسرى في شلْحها. ليست اليد هي التي تشْلحُ الحبّة، وإنّما السكين هو الذي يفعلُ. ثمّة صوتٌ لا يبينُ لشفرة السكين وهي تكشحُ البطاطا. كان الرجل يقشّر ويفكّر. فيم يفكّر؟ ثمّ إنّه قد يغمغمُ كلاماً. ما الذي يجمجمُ السي محمد في صدره؟

وفي العادة أيضاً، لا يباشرُ السي محمد العملية سوى بعد أنْ يستحدّ الشفرة. هذا واحد من طقوسه المرعيّة. يجلخُ السكين على حدّ مسنّ الحجر، حتّى إذا صارَ السّكين ماضيَ القطع ابتدرَ إلى كشط الحبّة. لا تفلتُ الحبّة من قبضته سوى إذا بانت في كامل عريْها. يعجبني هذا العرْي الفاتن، علّق ضاحكاً.

وكما دأْبُه في سلخ جلد البرتقالة النافيل، فالرجل يتّخذُ له من قشر البطاطا ديْدناً. يحضّرُ السي محمد لحفلة التقشير، تماماً مثلما لو كان منخرطاً في طقسٍ دينيٍ، كما لو يؤدّي شعيرةً مصونةً. وعندما يدخلُ على البطاطا، يدخلُ عليها بكامل الجِرم، ويستغرقُه الفعل. بيد أنّ السي محمد، هذه المرة، شاردٌ. اليدان تشتغلان، والعقل سادرٌ. بودّي فقط، لو أعرف فيم يسهو عنه أو فيه الرجلُ؟ أحياناً، يبدو كما لو يهامسُ أحدَهم. ولا أجرؤُ، فأسألُ.

منْ موضعي عند الباب، حلا لي أنْ أتملّى قعدتَه على صندوق خضارٍ. يتناولُ حبّة البطاطا منَ السلّة القصب بآليةٍ. حوضُ السلّة بيضويُّ الشّكل. ركامُ البطاطا أشبهُ بهرمٍ. أقصد، يكاد يكونُ هرماً قائماً. تنقصُه حبّات في الجنب اليمين كي يكونَ في تمام الهرمِ. هذه الحبّات الناقصة سحا السي محمد جلدَها ورمى بها إلى الطست. في أوقاتٍ سابقةٍ، يصنعُ السي محمد مركّزاً على الفعل. يكبسُ على البطاطا الواحدة بيدٍ، ولا يتركُها إلاّ إذا نزعَ عنها كسوتَها باليدِ الأخرى. لا يكونُ السكّين سوى هذا الامتدادُ لليدِ. السكينُ اليدُ!

بداية، يحرّكُ الرجل الحبّة في كفّه كما لو يزنُها. ولعلّه يقيسُ الكتلة. وقد يكونُ يختبرُ صلابة اللّحمة منْ طراوتها. أحياناً، يعمدُ إلى القذف بها إلى الفوق لمراتٍ. أنا رأيتُه يفعلُ. تصعدُ الحبّة إلى الفوق، فيما هو يتابعُها ببصره. ثمّ تهوي في تمام كفّه وتستقرُّ، فيستغرقُه النّظر إليها لهنيهةٍ قبل أنْ يعيدَ الكرّة. في أوقاتٍ، يأخذُ ثلاث حبّات، ويطوّحُ بها في الهواء بتتابعٍ، بينما هو يبدّلُ بينها على نحو دائري في يديْه. كيف يفعلُ؟ حاولتُ أنا، منْ جهتي، وفشلتُ. أبصرتُ ضحكةً في عينيْه، لكنّه لم يضحك. ابتسمَ، ولم يضحك منْ فشلي. ثمّ عاد وضحك. رميتُه أنا في الحين بحبّة بطاطا، فعوّجَ رأسه، بينما هبّت الحبّة تقرعُ الأواني وتشتّتها.

في الحقيقة، يسلّينا السي محمد، إذ يقومُ بهذه الحركات البهلوانيّة. أنا أقولُ أكثرَ منْ ذلك. الرجل منذ حلّ بيننا لم يترك لحظةً دون أنْ يثيرَ إعجابنا. هنا، في هذا الخلاء، كيف يمكن أنْ تصرِفَ الساعات منْ غير السي محمد؟ قال إنّه ابن ميضار؛ يعني أنّه منَ الريف الأوسط. دخل الجيش في الثانية والعشرين منَ العمر. هو الساعة، في الثانية والثلاثين. دائمُ الضّحك. يضحكُ بسببٍ ومنْ دونه. تأتيني ضحكتُه العالية، أحياناً، وأنا عاسُّ فوق الكثيب. أبتسمُ، وأهمسُ في خاطري: هذا ليس بريفي. ألتزمُ بدوري في الحراسة، وبمثلِه في مراقبة شؤون المطبخ. عينٌ على الجدار والمدى، وعينٌ على بيت المونَة والغذاء.

لمْ يشارك السي محمد في بناء حائط الرّمل العازل. ربّما ساهم في عمليات التّرميم الجارية بيْن حينٍ وآخرَ. أنا أيضاً جئتُ الموقعَ متأخراً. لمْ يبق بيننا منَ العسكر منْ وقف عياناً على بناء الحائط سنة 1980. كلّ هؤلاء تقاعدَ أو غادرَ. أمضى السي محمد سنوات براس الخنفرة، ووفدَ إليْنا، هنا في تشلا، منذ شهور. لعلّها سبعة أشهر، ولربّما تسعة. لمْ أعد أذكرُ. سبقتُ السي محمد إلى الموقع بسنتيْن. وأكبرُه في العمر بسنواتٍ. في أوقاتٍ، أرى فيه شقيقي الأصغر. وأشفقُ عليه منْ هذه المهنة. شاب في سنّه، وفي الصحراء، وعلى مقربةٍ منْ موريطانيا. ولا حرب ولا سلم، فوق ذلك! لا شيء سوى الانتظار. هل ننتظرُ السّلح وقد انتقصَ مخزونُنا منْ حاويات الماء؟

وأنا الذي رشّحتُ السي محمد للعمل في مطبخنا. هو ليس بمطبخ بالمعنى الدقيق للّفظ. وسْعة وبضع أوانٍ، ليس غير. ما يكفي بالحاجة. فطنتُ إلى مهاراته في الطهي عندما أملى على أحدنا طريقةً في إعداد طورطية بالبطاطا. كدتُ أقضمُ إصبعي وأنا أزرطُ اللّقمَ. وكذلك فعلَ آخرون. ولمْ ألحظ طريقتَه في تقشير حبّات البطاطا سوى بعد حينٍ. قال إنّه اشتغل في مطعم بمليلية. أحدسُ أنّ حكايةً ما وراء انخراطه في الجندية. كيف تتركُ الخارجَ، وتمعنُ في الداخلِ؟ سألته ذات ظهيرةٍ على الكثيب. رأيتُ وجهَه يسقطُ، وعقدةَ حاجبيْه تتكثّفُ. التزمَ الرجل الصمت، ولمْ يحر جواباً.

الساعة، وأنا جالسٌ قبالته، أتصوّرُه وهو يمسكُ بالحبّة كما لو أنّه يمسكُ بنهدٍ. هل تجوزُ المقارنة؟ يدُه تتكوّر على الحبّة حتّى لكأنّها تحضنُها. أسترقُّ البصر إلى يده، بينما هي تحاورُ الحبّة، فيذهبُ بي التفكير، على الفور، إلى فاطمة، هناك بحد كورت. تفكّرتُ فاطمة، لكنّ عقلي قفزَ إلى الأولاد.

يجيدُ السي محمد طهْيَ وجبات البطاطا، وأجيدُ، بالمقابل، طهْيَ وجباتٍ بالأرْنب. السي بوبكر هو الذي جلبَ الأرنب إلى الموقع. السي بوبكر أكبرُنا سناً. ثمّ إنّه مشرفٌ على التقاعد. بسرعةٍ، تربّى الحيوان بيننا وتوالدَ. يظلّ السي بوبكر يحصي حيواناته! في النهار، تتحرّكُ الأرانب حولنا وتجري. وتنشطُ في الظّلمة في جحورها. أسمعُ ضغيبَها منْ مضجعي. في البداية، كان يقلقني هذا الضغيبُ. ثمّ ما عتمتُ أنْ ألفتُه، حتّى صار جزءاً منْ رقادي.

السي محمد لا يكترثُ للأرانب وهي تتقافزُ حوله كما هو شأنُها اللحظة، لكنّه يجرسُ بها باليد والصوت، والسكين أيضاً، متى اقتربت منَ السلّة أو الطست. ينبرُها كما لو ينبرُ صبيةً. رأيتُه، في مرّاتٍ، يرفعُ البطاطا في اليد، ويهدّدُ الحيوان. السي بوبكر يخشى على حيواناته منَ الإسهال. وكذلك نحن. قال السي بوبكر إنّ البطاطا تسهلُ بطن الأرْنب.

اليوم، أعني الساعةَ، أشاهدُ السي محمد يجردُ البطاطا، بينما هو يحادثُ شخصاً. في الواقع، أبصرُ شفتيْه تنبسان، ولا أبصرُ الشخصَ. أتخيّلُ أنّه يكلّم قريباً أو صديقاً. يقشّرُ، ويتكلّمُ. أحسبُ أنّه يشكو له جردةَ الحال. في سرّي، أقولُ إنّ هذا الولد لا ينفعُ للصحراء. حريٌ به الآن لو يكونُ بمليلية أو هولاندا. وأقلُّه أن يكونَ في مطبخ فندق باذخ. ماذا يفعل السي محمد هنا؟

أيّامُ البرد قريبةٌ. نحن في شهر أكتوبر. قال السي محمد إنّ البردَ في راس الخنفرة يشرطُ ظاهر اليد ويدميه. فكّرتُ في كيف سيقشّر البطاطا في قادم الأيّام؟ لا شكّ، سيضطرُّ السي محمد إلى التوسّل بقفازات بردٍ. هل تفيدُ؟ ريّاحُ الحُرجوج أزفت. ريّاحٌ صرصرٌ عاتيةٌ هي، ومهداجٌ. تلطعُ السُّلامى، حتّى وهي في دافن قفازٍ. قد نستعيضُ عن البطاطا بالبقوليات، أخمنُ منْ غير أن أجزمَ. طناجر العدس والدَّجر، ولمَ لا؟ سأجعل الرجلَ يستريحُ. وتستريحُ كروشُنا، بالتبعية، منَ البطاطا وأكل البطاطا. وهذا أمرٌ، أمرٌ غير قابلٍ للتراجع، صادرٌ منْ سرجان ماجور عبد السلام إلى كابورال شاف السي محمد. أقول كلامي هذا، وبه الإعلام والسلام.