أدب الطفل بين

جهْل أو استقالة الأسرة، وتخلّي المدرسة

، بقلم بشير خلف

يبدو لي أن إعراض الطفل عن قراءة القصص والأدب، سيّما أدب الطفل هو نتيجة لعوامل عديدة، فالأسرة هي الوعاء التربوي، والثقافي الذي تتبلور داخله شخصية الطفل تشكيلا فرديا، واجتماعيا ودينيا، وهي بهذا تمارس عمليات تربوية تثقيفية هادفة من أجل تحقيق نموّ الطفل نموّا سليما... وممّا لا ريب فيه أن الوضْع الثقافي والتعليمي للأسرة يؤثّر في تنشئة الطفل وتربيته تأثيرا مباشرا، وبخاصة في سلوكه الديني والاجتماعي والثقافي.. فالميل إلى القراءة، والمشاركة في الأنشطة الثقافية المحلية وحتى الوطنية، والمساهمة في المسابقات، وممارسة الحوارات الفكرية داخل الأسرة، ووجود المجلّة والكتاب والصحيفة اليومية، وانكباب أفراد الأسرة عليها.. كلها عوامل ذات تأثير إيجابي في تنمية الوعي الثقافي لدى الطفل، وكذلك مساعدته على النموّ السليم والتنشئة التي تسمح بسرعة التكيّف الاجتماعي والثقافي، مع الوسط المدرسي من ناحية، ومع الوسط الاجتماعي الثقافي من ناحية أخرى.

ــ هل الكتاب الغـير المدرسي داخل الأسرة متوفر ويمسّ كل مجالات المعرفة، أو بعضا منها ؟ ــ كيف هي نظرة الأبويْن وأفراد الأسرة إلى الكتاب ؟ ــ هل توجد مكتبة منزلية؟ كمية الكتب بها؟ نوعيتها؟ استثمارها؟ طريقة العناية بها ؟ ــ ما نصيب الطفل منها ؟ ــ هل عُوّد ويُعوّد هذا الطفل منذ صغره على المطالعة خارج الواجبات المدرسية ؟ ــ هل الأسرة لها ارتباط بالصحافة ؟ وهل هذه العلاقة يومية ؟

للمدرسة دورها في تثقيف وتربية الطفل، وهذا الدور يبدأ مع أول التحاق للطفل بالمدرسة، ولذلك فإن دور المدرسة جـــدٌّ عظيم في تعليم الأطفال القراءة الموجّهة أوّلاً، ثم المطالعة الحرّة، إلى جانب إثارة اهتمامهم وشغفهم بهما. وكذا تنمية الشغف بهما من خلال تــنوع الأدوار في المدرسة نحو تحقيق هذا الهدف، فمنها ما يرتبط بالمنهج المدرسي، وشكل الكتاب ومحتوياته، ومنها ما هو مرتبط بالمعلم، وأيضا المكتبة والنشاط المدرسي، كل ذلك له دوره في تعليم أطفالنا وتثقيفهم، وتنمية الميول والشغف نحو القراءة، والمطالعة لديهم.

لمّا نطرح مثــلَ هذه الأسئلة كي نؤكّد بأن المدرسة عندنا على غرار العديد من البلدان التي تشابهنا عجزت عن دورها التثقيفي، بل وحتى التعليمي في بعض مراحل التعليم.. عادة المقروئية التي من المفترض أن تتعاضد الأسرة والمدرسة على غرسهما لدى أبنائنا، وبناتنا كوسيلتين رئيسيتين للتثقف وإثراء المعارف والاندماج في المحيط القريب والبعيد، وأداتين للبحث والتقصّي وليس فقط في المؤسسة التعليمية.. فشلتا في ذلك وكلتاهما تنحى باللائمة على الأخرى.

الأزمة ليست أزمة لم يعد الطفل يقرأ القصص، والادب الذي يوجّه إليه، ويحمل اسمه (أدب الطفل)، ولا في اختفاء الكاتب القدير للأطفال. ـــ بالرغم من أنّ الكتابة للطفل عصيّة، وليس كل كاتب للكبار بقادر على الكتابة للأطفال. ـــ فإن المكتبة العربية، وكذا معارض الكتب عامرة بأدب الطفل من قصص، وشعر، ومسرحيات، وغيرها من كتب العلوم والاجتماعيات المبسّطة.

حقًّا إننا مع الطرح الذي يرى أنّ الوسائط الرقمية الجديدة " بلّدت " الطفل، وحوّلته إلى "آلة" لمتابعة برامج الرسوم المتحركة التي لا تنتهي، والألعاب الالكترونية عبر الانترنيت باستعمال الكمبيوتر، والأجهزة اللوحية، والهواتف الذكية. لكن الأغرب أن أغلب أطفالنا، وهذه الوسائل العصرية بين أيديهم، لمّا يطلب منهم أساتذتهم إعداد بحْــثٍ في موضوع ما يلجؤون إلى صاحب مكتبة في حيّهم كي يستخرج لهم البحث من الإنترنيت، أو من حاسوبه، ويمدّهم به مطبوعًا، والبحث ( ستاندار) للجميع، يغيّر إلاّ اسم التلميذ، وياليت هذا التلميذ يقرأ البحث قبل أن يسلمه لأستاذه.

من خبرتنا في ميدان التربية أن عادة المقروئية تنغرس، وتترسّخ من الكتاب المدرسي، وكذا الارتباط بأدب الطفل الذي يكون من خلال الأعمال المكمّلة للمدرسة كتمثيل المسرحيات، وأداء الأناشيد التي تتغـنّى بالوطن، وبالبيئة، والوالدين، وبالرموز الوطنية والدينية، وفي مقدمة هذه الأنشطة التربوية الترفيهية، تأتي حصص المطالعة التي تبدأ من السنة الثالثة ابتدائي، وتتواصل متدرّجة مع مستوى التلاميذ، وتحصيلهم العلمي حتى نهاية التعليم الثانوي.

ما يُؤسف له ــ وهذا واقعٌ ــ أن أغلب المعلمين والمعلمات، والأساتذة، والأستاذات، بالرغم من أنّ مكتبة الفصل، ومكتبة المدرسة موجودتان، وبهما الكثير الكثير من كتب الأطفال، وحصة المطالعة مبرمجة، إنما يضحّون بها من أجل إتمام برامج المواد الأخرى الهامة في نظرهم كالرياضيات، والعلوم، والتكنولوجيا، وغيرها التي تبرمج في الامتحانات.

الطفل ضحية تخلّي الأسرة عن دورها في ربْط الطفل منذ الصغر بالكتاب الغير المدرسي، وكذا المدرسة التي صار همّها حشْو عقل الطفل بالموادّ العلمية بالدرجة الأولى، ثم الموادّ اللغوية بالدرجة الثانية.