لوحة «شذرات أمل» للفنانة فجر إدريس

، بقلم زياد الجيوسي

نادراً ما ألجأ في مقالاتي النقدية إلى الدخول في تفاصيل لوحة تشكيلية واحدة لفنان أو فنانة، فالتعامل مع لوحة واحدة يحتاج لقراءة تفكيكية للوحة، بينما التعامل مع قراءة مجموعة لوحات تشكيلية يأخذ في غالبيته القراءة الوصفية التحليلية. وأذكر أني كنت أهتم بمنهاج قراءة لوحة واحدة لفترة معينة، فكتبت قراءات عن لوحات لفنانين وفنانات عديدين، لكن تأثير القراءة الأكاديمية كنت أشعر به أنه قد يكون مسبباً للضجر، بعكس القراءة الوصفية التحليلية التي تجول أكثر في العلاقة بين الإنسان وواقعه، كون الفن ناتجاً عن تمازج الثقافة والشعور والإحساس والقدرات العقلية مع مشاعر وجدانية وممارسة يدوية، فالفنان التشكيلي بحالة مستمرة في البحث والتحليق تبدأ من لحظة إشراقة الفكرة حتى اللمسات الأخيرة من اللوحة.

ولهذا نجد أن هناك مناهج عدة لقراءة اللوحات قراءات نقدية، فنرى "بودلير" تحدث في كتاباته عن النقد الفني أنه يقرأ بطريقتين: الأفقية، وهي تدرس وتقرأ ظاهر اللوحة من خلال ما تراه العين في اللوحة، والعمودية، وهي تدخل في أعماق اللوحة وتقرأ ماذا يمكن أن يكون في روح ونفسية الفنان حين رسم لوحته. بينما نرى أن "رولان باث" اعتبر أن أساس كل القراءات هو التقرير، ويبحث في الظاهر والإيحاء، ويبحث في الباطن، فالفن التشكيلي أراه كما يراه كل المهتمين به، عبارة عن عملية تفاعلية بين الفنان من خلال لوحته، وبين المتلقي كمتأمل أو متمتع أو قارئ لما يرى في اللوحة التشكيلية، فكما تحدث عبد الله أبو راشد في كتابه" نظرية التلقي في الفنون التشكيلية/ نحو خلق نظرية عربية": "أن قراءة النص البصري تعد قراءة مُتجددة محكومة بعوامل بحث ذاتية خارجة عن نمطية التأليف والتوصيف، وهي نوع مُبتكر للرسم بوسائط تعبيرية متنوعة".

الفنانة فجر إدريس، عضو جمعية الفن التشكيلي والناطقة الإعلامية ومدير العلاقات العامة فيها. رئيسة قسم الرسم لدى "أرابينو". عملت في مجال التجميل، وقامت بتدريسه في دولة الإمارات العربية المتحدة. بدأت الرسم منذ الطفولة، وانقطعت عنه فترة طويلة. بدأت بدورات تعلم الرسم في العام 2013 في الجمعية. شاركت بعدد كبير من المعارض المحلية في الأردن. حصلت على أكثر من تكريم وشهادة تقدير. من أهم معارضها التي حظيت باهتمام واسع هو معرض "أسياد الأرض"، ويعتبر المعرض الأول من حيث الموضوع والتقنية والعدد وتأريخ فلسطين العربية من العام 1800/1970، وتركيزاً على نكبة العام 1948، من خلال إعادة ترميم الصور عبر هذه المرحلة وتوثيقها بأسلوب تقني جديد من حيث التلوين والإعداد.
لوحة الفنانة التشكيلية فجر إدريس "شذرات أمل" من اللوحات التي شاهدتها وتأملتها وقتاً طويلاً وأنا أقف أمامها، وبرغم وجود أكثر من عمل فني للفنانة إلا أن هذه اللوحة شدتني بشكل خاص، وحين نبدأ بتأمل اللوحة لا بد من التحليق بعدة مسائل منها:

موضوع اللوحة، الجانب الوصفي العام: نلاحظ في لوحة الفنانة أن موضوعها يتركز على فكرة الأمل، أو بالدقة على شذرات الأمل كما اسم اللوحة، وهي عملية تقوم على الحلم، أو حتى أن يتحقق بعض من الحلم ولو كان على شكل شذرات، ولذا نرى على يمين اللوحة تجريداً لخمسة أشخاص منهم طفلين، ويلاحظ أن الرؤوس منحنية لدى الأشخاص الكبار، ونرى الواقع المحيط بهم يتميز بالدكنة والعتمة والقضبان الفولاذية التي تحيط بالأشخاص وكأنها قضبان زنزانة أو سجن، لكنها مفتوحة من الأمام، ونجد الشمس وهي تبزغ بقوة، وكانت هي بؤرة اللوحة في الدوامة الحلزونية، وهي تشرق من قلب العتمة محاطة بهالة ضوئية قوية، إضافة لتناثرات ضوئية على مدى اللوحة.

الخصائص التقنية المستخدمة: ألوان ومواد الزيت (الأكليرك) على الخشب الرقيق الخفيف المضغوط (موزنايت)، وكون هذا النوع من الخشب معالجاً بطريقة جيدة، فهو يحافظ على نقاء الألوان ويشكل قاعدة جيدة لها، وفي الوقت نفسه يعطي لألوان (الأكليرك) الزيتية المعالجة وسريعة الجفاف إمكانية أن لا يتم امتصاصها من الخشب، فتحتاج إلى جهود مضاعفة وكميات أكبر من الألوان، ويلاحظ بشكل عام التوجه لدى الفنانين لهذا النوع من الألوان بسبب توفرها ورخص أسعارها مقارنة بالألوان الزيتية المستخرجة من المواد العضوية، لكن بالتأكيد أن قدرات اللون الزيتي العضوي على التعبير والبقاء أكبر بكثير من المواد الغير عضوية، والتي تدخل الكيماويات في تركيبها.

فضاء اللوحة: أعطت الفنانة اهتماماً كبيراً لفضاء اللوحة، فنلاحظ أن أفق اللوحة كان حيزاً كبيراً مازج السماء والفضاء الخارجي الممتد بالكون، مع الفضاء الضيق المحصور بالمكان الذي يقف به الأشخاص الخمسة في اللوحة، فكان الفضاء يعطي مساحة كبيرة لاستخدام الرمز، وعدم حصر المكان بإطار ضيق من التفكير، فهذا الفضاء المتسع كان الوجهة التي ينظر إليها الأشخاص من حيزهم الضيق المعتم إلى الفضاء الواسع الذي يمكن أن يضم الآمال والأحلام.

الدلالات النفسية: يلاحظ أن الرؤوس منحنية عند الأشخاص الكبار وكأنهم يعانون معاناة كبيرة، وبالتأكيد ليست أزمة شخصية مجردة بمقدار ما يمكن أن تكون معاناة عامة، ولكن لو نظرنا للأطفال سنجد طفلاً في الخلف ينظر باستقامة تقريباً وطفلاً آخر في الأمام يقف أمام أحد الشخوص وهو يرفع رأسه وكأنه ينظر إلى وجهه ويخاطبه، وهذه مسائل رمزية ذات دلالات نفسية على الحالة النفسية التي يمر بها الكبار من طول المعاناة وحجمها، وتوحي لنا اللوحة بدلالات نفسية تقوم على فكرة أن الأمل للانفراجة قائم على الجيل القادم، والذي سيكبر ويغير الواقع المحاط بالدكنة والعتمة والقضبان الفولاذية التي تحيط بالأشخاص وكأنها قضبان زنزانة أو سجن، إلى إشراقة وفرح.

البنية والتكوين العام: يلاحظ أن الفنانة في لوحتها استغلت الفراغات والامتداد الفضائي بشكل جيد ومتميز، فلم تترك المجال لأن تكون هناك مساحات فارغة تشكل قطعاً في فضاء اللوحة وتماسكها، فنجد أن الرمزيات المستخدمة في اللوحة مثل: الأشخاص، والشمس، وحيز العتمة، والفضاء الكوني، كانت متوازنة بشكل جيد، فلم تظهر حركات تهز مكانة تموضع الأشكال المستخدمة، وكان التمازج بين الفضاء الخارجي والفضاء المعتم متواصلاً بدون انقطاع مريب، يمكن أن يحدث النفور لدى العين وهي تتحرك من يمين اللوحة إلى يسارها (بالنسبة للمشاهد)، فكان المنظور العام جيداً بشكل عام، وكان قلب اللوحة بين الشمس وبين الزنزانة المفترضة يمثل قلب اللوحة الذي يتحرك بشكل حلزوني، فكان التركيز على بؤرة اللوحة حيث قوة الإشراق ورمزية اللون، وبين التغير اللوني بشكل حلزوني نحو عتمة الأطراف حسب الجهة، فيسار اللوحة بالنسبة للمشاهد أكثر إنارة من يمينها بالنسبة للمشاهد حيث العتمة، وهذه الحركة من قلب وسط اللوحة تعطي انطباعاً مريحاً لعين المشاهد بدون صدمة التشتت التكويني.

الألوان والإنارة: لجأت الفنانة إلى الحائط الخلفي خلف الأشخاص إلى استخدام ألوان مختلفة من الأزرق الداكن بالجانب الأيمن من اللوحة، وبتدرج ما بين الأخضر والأصفر والأبيض، وهي تدرجات لونية داكنة، ولكن الرمزية بها واضحة نحو التوجه لألوان الفرح رغم العتمة، ويلاحظ أيضاً وجود انعكاس لظل على الجدار يكاد يندمج بالنور في الجانب الأيسر من اللوحة، ويمكن أن يكون فكرة الشخص الذي يشرق نوراً، ولكنه لم يتجسد تماماًـ وهو من سيحمل إشارة التغيير وفتح الأبواب للغد المشرق، والإنارة كانت مستخدمة بشكل جيد حسب التدرج بالفكرة من العتمة إلى النور إلى العتمة الأقل.

الرمزيات في اللوحة: استخدام القضبان المعدنية المفتوحة من الأمام رمزية واضحة تشير إلى أن الواقع هو السجن وليس سجناً بالمفهوم التقليدي، لكن مع ضرورة الانتباه إلى أن القضبان العرضية تمتد كما الرماح في مواجهة الغد، وهي إشارة يفهم منها أن قوى الظلام والعتمة في الحاضر تقف بقوة تجاه الغد وترفض إشراقة الشمس، ووجود أجيال مختلفة من خلال الأشخاص الخمسة إشارة إلى تعاقب الأجيال، ويلاحظ أن يمين اللوحة اعتمد الألوان الداكنة من حول الأشخاص، وهي رمزية للواقع الذي يحياه الشعب الفلسطيني، ولكن نلاحظ أن هناك لوناً أبيض متناثراً على شكل نقاط وكأنها بداية للتغيير القادم، وحين ندقق بها نجدها تتناثر من محيط رؤوس الأشخاص بإشارة إلى أن قرار التغيير يأتي من خلال الفكرة والتفكير وصولاً للعمل الذي جرى الإشارة إليه بالأجيال التي ستكبر وتحمل الراية.

الجانب الأيسر من اللوحة وهو يتجاوز النصف في اللوحة ويكاد يصل إلى ثلثيها، ونجد أن الفنانة لجأت إلى الأسلوب الحلزوني بالرسم وإيصال الفكرة بقوة، وكانت بؤرة اللوحة كما أشرت في قلب اللوحة حيث تبدأ الدوامة الحلزونية بين القضبان وبين الشمس، ونجد الشمس وهي تبزغ وتشرق من قلب العتمة محاطة بهالة ضوئية قوية وألوان فرح، هذه العتمة التي تحيط بها من خلال رمزية وجود النجوم التي تشير إلى الليل قد طال، فيتمازج شعاعها مع خيوط وكأنها خيوط منثالة من ماء يصنع الحياة من جديد، "وجعلنا من الماء كل شيء حي"، متجهة نحو العتمة ومتمازجة من حبيبات النور المتناثرة وكأنها كما سمت الفنانة اللوحة "شذرات أمل" لا بد أن تأتي من خلال حلم الطفل وألم الناس وثورة ستغير الواقع المظلم وتكسر رماح العتمة، مبشرة بحلم الغد وإشراقة شمس.

وهكذا نجد بعد هذا التجوال في اللوحة أن الفنانة قد تمكنت باحترافية معقولة من التعبير عن آلام وظروف الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، العتمة التي تحيط به من خلال الظرف العام عربياً وتحت الاحتلال، وبرغم أنها تعيش في خارج الوطن منذ تهجير أهلها من يافا، إلا أنها مرتبطة نفسياً وروحياً بوطنها فلسطين وشعبها، وهذا يظهر في العديد من لوحاتها ومشروعها الفني والمطبوع "أسياد الأرض"، وقد تمكنت من استخدام اللون بشكل جيد للتعبير عن الفكرة، إضافة إلى الرمزيات سواء المرسومة أو الرمزيات التقنية اللونية.