القتل الرحيم

، بقلم جورج سلوم

إنهاء الحياة واستلاب الروح لفردٍ ما يتداولون بها كثيراً..بين أخذٍ وردّ..ودفاعٍ وادّعاء..كثيرٌ من الأوراق...وأخيراً يصدر الحكم وينفّذ على رؤوس الأشهاد...بذلة حمراء وفضيلة المفتي..وحبلُ المشنقة معقودٌ جيداً..

لسنا بصدد مناقشة أسباب الأحكام وحيثياتها..بل لماذا يُدكُّ إنسانٌ كهذا في السجن وصولاً إلى التخلّص منه..وهو سليمٌ معافى من الناحية الطبية؟

إنك ترمي كنزاً من الأنسجة والخلايا والأعضاء النبيلة في سلة القمامة!

لماذا لا تفرضون عليه أن يتبرّع بدمه على الأقل قبل إعدامه؟..كضريبةٍ يقدّمها لبنك الدم الوطني..كملاحظةٍ بيضاء في سجلّه الأسود...قد يُنقذ شخصاً ينزف وشارف على الموت.
لماذا لا تأخذون القرنية من عينه؟..وهذا أمرٌ بسيط لا يحتاج للفحوص النسيجية..فيعيد البصر لشخص ما ينتظر متبرّعاً ويدفع ثمن ذلك..

لديه كليتان..ويمكن ازدراع واستزراع واحدة منها..والأمر صار سهلاً وممكناً في كل البلاد العربية.

لماذا يقضي فترة الانتظار تلك في زنزانة مجهولة مرتدياً حلّة الإعدام؟...حتى يصدر الأمر من ذوي الأمر..أليس من باب أولى أن يقضي تلك الفترة في أحد مشافي الجامعة..سجيناً ولا نعترض على ذلك..ولكن متبرّعاً بعضوٍ نبيل قد يمدّ بعمر إنسانٍ نبيل ..ياسيدي اعتبروه فأراً للتجارب..ولا تسلّموه لجلاد الذبح أوالمشنقة أو المقصلة رخيصاً..ولكنه كامل الأعضاء... اعتبروها كفارة مفيدة عن ذنوبه..استأذنوه قبل أن تفعلوا...صدّقوني سيرضى بذلك.

في كل مشافينا الحكومية ركنٌ يسمى السجن..وتحرسه رجالات الشرطة..يحال إليه السجناء قيد العلاج..وبعض السجون المحترمة قد يكون فيها مشفى متكامل أو على الأقل مستوصف وكادر طبي وتمريضي..نحن إذن لا نطلب الكثير فكل شيئ متوفر..ما نرجوه فقط إضافة ورقة أخرى في سجل المحكوم بالإعدام..بأن يُحبَس في المشفى كفترة انتظار تُجرى فيها فحوصٌ نسيجية عليه.. فقد يجود بعضوٍ يملكه ويكون فيه الشفاء لغيره.

لم يعترض أحدٌ حتى الآن...اتفقنا إذن..فليُحاكم ثانية ولكن في المشفى..وليدخل في سجلات وسجالات ما يُسمى اصطلاحاً (بالقتل الرحيم)!..هنيئا لكم أيها المرضى فقد حصلتم على واهبٍ للأعضاء بشكل مجاني.

في مسارح المستشفيات محاكم خاصة خارجة عن المألوف..تصدر أحكامها ببساطة متناهية..لا يلتزمون فيها بالقانون المدني أو الشرعي أو غيره...بل يقولون هذا ما جاء في المدرسة الامريكية أو الفرنسية وغيرها..ولكن تلك المحكمة مازالت تنتظر القبول والاعتراف بها في محاكم الحياة..

يقولون فيها:

- هذا المرء ملّته الحياة..كرهته ولم يكرهها..لفظته..أعطته أرذل ما لديها..الألم والعذاب..والحيرة أمام معضلة الشفاء..لكنّ روحَه معنّدة على الانفصال عن جسده..فأصبح الحلّ قتله رحمة به وبالعالمين..تلك فتوى من طبيبٍ مجتهد..والاجتهاد في الطب مُستقبحٌ حالياً..وجائزٌ إذا انقطعت الكهرباء عن المريض!

- المهم ألا يحس بالألم...هكذا قال ذووه..

فقد أعيتهم الحيل وضاعوا بين الجراحات والعمليات وغرف العنايات المركزة.

هذا ورجال الدين عاجزون عن الفتوى في قتل المريض المدنف ..إذ لم يتطرّق إلى ذلك نبيٌّ ولا وليّ..لكنهم جاهزون للصلاة عليه فهو لم يقترف ذنباً صريحاً مما جاء في الوصايا العشر..
واعتبر الأطباء أنه وصل إلى المرحلة النباتية..إذ يدخل إليه النسغ المغذي بالأمصال..ويخرج منه ما يخرج بالإطراح..لكنه فاقدٌ للحس والإدراك والسمع والبصر والتعبير..بسبب الانفصال الكامل للجسم عن المخ الذي يعتليه..

إنّ قلبَه ما زال ينبض يا إخوتي..دعونا نستفيد منه..نستثمره..نعيد ازدراع أعضائه فيمن يحتاجها..فواهب الأعضاء قد سبق حاتماً الطائي في كرمه..

علاجُه مكلفٌ لكم..ويستنفذ أموالكم..تعالوا نعيد بناءه ثانية..لا يهمّكم الأمر؟..طيب تعالوا نبيعه لكم قِطعاً..فتتقاسمون تركاته وأعضاءه أيضاً !..إنه أمرٌ بالمعروف وعملٌ خيريٌّ لم تتدواله الشرائع بعد.

يمتعض أحدهم ويقول:

- إنها جريمة قتل..أن تتوازعون أعضاء مريضنا ومازال قلبه ينبض..بدون وازعٍ من ضمير..
تعالوا نتعلّم من الغرب الذي يسبقنا بمراحل..هكذا أردف كبير الأطباء –وهو بمنزلة كبير القضاة – وإن كان بدون مطرقة..هناك قد يتبرع البعض بجسده وهو مازال على قيد الحياة..ويُدعى (واهباً للأعضاء) ويتقاضى أجراً طوال حياته لقاء ذلك ولو لم يخسر شعرة..فهو مملوكٌ لأحد المستشفيات الكبيرة..وحينما تحين ساعته يستعيرون منه ما يمكن استعارته..قرنية عين أو كلية أو جزء من الكبد..

لماذا توافقون أنتم على التبرع بالدم وتستنكرون الأمر بالنسبة للأعضاء الأخرى؟..أليس الدم عضواً في جسدكم؟..قد يجيب البعض بأنّ الدمَ قابلٌ للتجديد ولا ضيرَ من فقدان بعضه.
ألم تسمعوا بالضجة الكبرى التي أثارها الجراح الإيطالي (سيرجيو) الذي سينقل رأساً من جسدٍ إلى آخر؟..لم لا يعتبرون ذلك قتلاً في البلاد التي حرّمت الإعدام؟

ألم تسمعوا بعصابات سرقة الأعضاء التي استباحت أجساد اللاجئين مثلما استباح غيرهم أعراضهم؟.. أعضاؤكم تسرق منكم ولا تعلمون يا إخوتي !..

أنا هنا لا أنادي بقتل الإنسان..بل أنادي بالاستفادة من المُتاح في أوطان الجراح..
لقد تعلم أبو التشريح (جالينوس) صنعته في أجساد المحاربين الذي يموتون قتلاً في المسارح الرومانية..وتقدمت الجراحة أشواطاً في الحرب العالمية الثانية..وسجلت قفزات نوعية في الحرب الكورية..فأين ذهبت شلالات الدماء في أوطاننا؟.. وأين ذهبت تلك الرؤوس المقطوعة؟..وتلك الجثامين في قوافل الموت؟..حلالاً كانت أم حراما ً..

آهٍ يا تراب بلادي..كم أينعتَ من الرؤوس وكيف تم قطافها..

آه لو تمكن الطب من إعادة زرع تلك الرؤوس..وروى لنا أصحابها حكاياتهم..إذن لحبل الأدب العربي بملايين القصص التي تبكي الحجر..

وقال أحدهم بعد أن استمع باهتمام لروايتي:

- حدّد لنا ماذا تريد من هذه الإرهاصات...أتريد قتل الناس برحمة؟..بلطف؟..بتؤدة؟..نقتلهم تحت التخدير مثلاً؟..كلامك مثل رجل أعمى ويحاول قتل ذبابة بمذبة..فيضرب ذات اليمين وذات الشمال..وطنين الذبابة يملأ أذنيه فلا يصيب منها مقتلاً.

سأجيب عندها:

- رسالتي..(أوقفوا القتل)..رحيماً كان أم قاسياً..فمن يملك السلطان على إزهاق الأرواح غير الذي خلقها؟..(لا تقطعوا الورود والأشجار المثمرة)..والشجرة التي لاتثمر..أعيدوا تطعيمها ببرعمٍ قد تكون فيه الحياة.


جورج سلوم

شاعر سوري مقيم في المكسيك

من نفس المؤلف