فى قطار باريس٢

أغنية قديمة

، بقلم محمد متبولي

صعد إلى القطار وفى يديه أورج قديم، رجل قارب على الخمسين، نظر إلى الركاب ثم أخذ يغنى إحدى الأغنيات العربية القديمة، كان صوته رخيم، وملفت، لكن لم يكترث أغلب الركاب إليه، وبدت على كثير منهم نظرات التملل، فكل مرة يركبون القطار يجدون من يصعد ويغنى، أحيانا بفرنسية يفهمونها، وأحيانا بفرنسية شبه طلسمية، وأحيانا عربية أو إيطالية أو إسبانية، وفى كثير من الأحيان بلغات لا يعرفونها على الإطلاق.

قبل أن يتوقف القطار مر على الركاب لعل أحدهم يعطيه شيئا من النقود نظير غنائه دون جدوى، لينزل فى المحطة التالية، كان من مفترض به أن يصعد لعربة أخرى لكنه قرر الجلوس على إحدى المقاعد يتابع المارة والقطارات وهى تتحرك، ثم أخذ يفكر، إنه لا يتسول ولكنه فقط يحاول الحصول على أجر ما غنى، كاد أن يبكى، لكنه حاول كتم البكاء بالذكريات، حيث عاود لسنوات طويلة للخلف، عندما كان فى أرض الوطن، لكن أين هو وأين ذاك الوطن الآن.

لم تكن الأمور لتهدأ، فليل نهار، كانت القنابل وطلقات الرصاص تصيب المارة فى الشوراع، كان يحاول أن يتحداها بصوته فى حفلات وأفراح الحى التى حاول البسطاء بدورهم من خلالها التعبير عن أن الحياة ستسمر ولو وسط حرب قد يقتل فيها الأخ أخيه، لكن فى لحظة شعر بأن ما يفعله لن يجدى، وأن عليه الرحيل حالما بأن يقف مثله مثل الكثيرين ممن سبقوه على أكبر مسارح باريس.

عبر البحر، وحاول أن يبدأ رحلة الفن والشهرة لكنه لم يستطع الوصول، فقرر أن يغنى فى محطات القطار حتى يجد فرصة ملاءمة، فى البداية كان الركاب يتجاوبون معه ومع صوته، وكان يحصل على ما يكفيه وربما يزيد، لكن مع الوقت ومع إزدياد أعداد المهاجرين من كل حدب وصوب، ومع زيادة أعداد مغنى القطارات، ضاقت الأحوال، كان يبحث دوما عن فرصة، وينتظر ذاك اليوم الذى سيغنى فيه على أكبر المسارح، لكن كلما مر الزمن أبتعدت الفرصة، وتعلقت أكثر حياته بالقطار.

توقف قطار جديد، قرر الصعود لأحد عرباته، ثم أخذ يغنى.


محمد متبولي

مهندس ميكانيكا وكاتب مصري مقيم بالقاهرة.

من نفس المؤلف