الاثنين ١٩ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٩
بقلم قاسم مسعد عليوة

عربة خشبية خفيفة

رميتُ نفسي في الحفرة فإذا بي وحدي. أنا وجهازي اللاسلـكي. لا سـلاح ولا جربندية ولا نظارة ميدان. الزمزمية مثقوبة والغذاء الجاف ضاع. تطوعتُ أم هم الذين ثبتوني في الحفرة؟.. لا أعرف.. وما ينبغي لي أن أعرف، فقد ظهرتْ الدبـابة أمامي. من اتجاه اليمين جاءت. بالرمل عجنت فضل الله وحنفي والشـاويش مطاوع. لو خرجتُ دهستني، لو بقيتُ دفنتني. كلهم هناك في الـخلف. أسلحتهـم خفيفة.
طبنجات 9مللي وبنادق ورشاشات وقنابل 36ميلز. حتى الآر بي جي غير موجود. (أخْبِرنا إنْ هجموا). (سأخبركم إنْ هجموا). هذا هو كل ما اتفقنا عليه. وهاهي الدبابة قادمة لالتهامي. على جنزيرها عَلِقَتْ نتف من لحم وعظم وشرائـط الشاويش مطاوع. الشمس إلى يساري ولا شيء سوى الشمس. قرصها الكامل شديد الاحمرار. خلف التلال ستسقط والدبابة تستمر باتجاهي. بيني وبينها رمل وهيش من شـوك جاف. الشوك هرستـه والرمل انزاح جزء منه إلى حفرتي. بلـتُ؟.. خريـتُ؟.. لا أعرف.. الخوذة لا تـزال فـوق رأسي. نعم الخـوذة ما تزال فوق رأسي. الحزام مقطوع لكنها فوق رأسي. هبطتْ إلىّ أمي وفهيمة ورئيفة. صرخن (اجـرْ)، لكنني لم أجرْ. لم أجد القوة. أصابعي تضرب على جهاز اللاسلكي، تضبط التردد وما من مجيب. لعلي لا أسمع. لعل البطارية خربتْ. وربما الشفرة الخطأ. رئيفة قالت لفهيمة (أخوكِ جبان).
وبصق عبد الحميد أفندي في وجـهي (لا فائدة منكَ). الدبـابة في وجهي. الرمل والدخان يمتزجان من خلفهما، والدروة تسقط إلى الحفرة فتحشرني. طق الإريال وانكسر، ولصق صدري انحشر اللاسلكي. مقدمة الدبابة في مواجهتي بالتمام. بل هي تعلوني قليلاً.. لا.. كثيراً.. عيناي في مواجهة الفراغ المحصور بين بطنها والجنزيرين وما هرسته من رمال. أرى طبَّة الدبابة. لو انخفضت قليـلاً لرآني سائقها من المزغل وضِعتُ. نِتَف فضل الله وحنفى والشاويش مطاوع ليست معجونة بالرمل فقط، بالشوك أيضـا ومِـَزق الكاكـي.
الوحش فوقي توقف .شحيرُه يصم وفرقعات شوكمانه ترج. أبي يقول لأمي (الولد عملها على روحه)، ورئيفة تكشـر عن أنيابـها (رأسُك أنشـفُ مِن الدوم). هل يمكن لدومة أن تتأبى على دبابة؟.. جهاز اللاسلكي يعصر صدري، ذراعاي لا أستطيع تحريكهما. الشمس قرصـها أحمر.. تمنيتُ لو انفثأ هذا القرص وصب على الدبابة سيلاً من الفسفور الحارق. تمنيـتُ لو هبطتْ نيرانه وتدحرجتْ صوب الدبابة وأشعلتها، وتمنيتُ لو أظهر تجلياته القديمــة جميعها.
المصريون الأغبياء..كيف عبدوا هذا القرص؟.. كيف أسسـوا حضـاراتهم على ديانات أوصلتنا إلى ما نحن فيه؟.. ودكتور سليم المجنون بشمس المصـريين ماذا يقول في موقفي الملعون هذا؟.. هل يستنجد برع أم بآمون أم تراه يكتفى بمـد يد الضراعة إلى أذرع آتون الواحد؟.. ذراعاي بدأ يسري فيهما الخدر. لكن صدري ما يزال قادرا على الخفقان. بين الدبابة وقرص الشمس أحـرك عينيّ (يا من تتهـادى رشيقا عند الأفق.. أنت جميل ومتلألئ ومشرق". هذا ما كان يردده دكتور سليم في المحاضرة. هذا ما اكتشفـتُ أنني أردده. أردده وأزيد (أياً ما كان اسمـك أو رسمك أنقذني.. أنقذني ولا تتركني تحت رحمة هذه الدبابة).

أفقتُ عليها تتحرك.. نعم تتحرك.. تحركت الدبابة.. تحركت. أية معجزة.. مقدمتها انزاحت قليلاً إلى الشمال. كان يمكن لمؤخرتها أن تدهسـني لو استـدارتْ قليلاً. لكنها فقط تحركت لشـبر أو شـبرين. لم تنصـرف. لم تعطني ظهرها. فقط توقفـتْ. جانـبها الآن هـو الذي يواجهـني. العجلات الست تتوسط الجـنزير وترسـا الشد في الطرفين. البرج مغلق والمدفـع بكامل استقـامته، ويحف بالنجمة المقيتة المشمع الملفوف والكوريك وطرف البلطة.

هي الآن في مواجهة الشمس، وكأنهما يتبادلا ن التحدي. التحدي؟.. نعم.. وإلا لكانـت الشمس قد غربت من زمن. هل كـان ينبـغي أن أستـغرق كل هذا الوقت لأدرك هذه الحقيقة؟.. لم تتحرك الدبابة باتجاه الشمس ولم تتقدم الشمس باتجاه الدبابة. تواجها فقط. وأنا في حفرتي المقبرة لا أقدر إلا على المشاهدة والرجاء. رجاء أن تنصرف الدبابة ويتبدد نذير الموت.

زملائي في الخلف ربما رصدوها. التأكيد رصدوها. لا يحتاجون لي ولا لجهازي.. ولأنهم عزل مما يمكنهم من إيقافها فلا شك أنهم يرجون الآن ما أرجو.

نعم هو الجنون.. لا يمكن إلا أن يكون جنوناً.. تضرعـتُ إلى الشمس يكل اسم عرفته لها (أيتها الشـمس الحارقة.. أيا رع المبجـل، يا أمـون رع، يا أتوم، ياخبر، يا آتون.. أياً ما كنتِ أيتها الشمس.. اهزمي هذه الدبابة.. اكسريها.. صُبي الرعب على من فيها.. أنقذيني.. أنقذي من هم خلفي). قالـتْ رئـيفة (لن أتزوج مجنوناً). وصرختْ أمى (ابني ليس مجنوناً). أمسكني عبد الحميد أفندي من ياقتي (أنت مجنون ابن مجانين)، ثم منعـني من دخول المعابد والمقابر وأي مكان يمكن اصطحاب السياح إليه.

راكبو الدبابة فعـلوا شيـئاً غير قابل للتصـديق. حـركوا الـمدفع باتجاه قرص الشمس. لستُ وحدي المجنون إذن. الحـرب جنـون في جنـون في جنون. ضبطوا التنشين. فوهة المدفع إلى قلب قرص الشمس مصوبة. بالرغم من استحكامات الحديد إلا أنني سمعتُ، نعم سمعت، أصوات صياح ومجون. هم سكارى بما يفعلون. هم والشمس ولا شيء في الوسط. أي إغراء يغوي الجندي ليتحدى هذه المهابة وهذا الجلال؟.. الحرب تحطيم فليحطموا كل ما يمكن تحطيمه، وليجربوا كيف يمكن هزيمة نواميس الكون وعُمده . هل يمكن لقذيفة أن تخترق نظم الطبيـعة وتتجـاوز الأرض بمفاوزها والسماوات بأقطارها وتصيب الشمس في الصميم أو في غير الصميم؟.. وما هي القذيفة إنْ لم تكن قوة الشمس محورة أيها الجنود الأغبياء؟.. لكن الشمس دانية، فوق الأفق القريب ترتكز. تتحدى ولا تتحرك، وهم يهزلون، بالقطع هم يهزلون، أو لعلهم جادون، يجتهدون وقد أثملتهم قوتهم وأسكرتهم دمـاء فضل الله وحنفي والشاويش مطاوع.

قال أبي (صلْ يابني ..في الصلاة هداية). صليـتُ وصرخـتُ (يارب) فإذا بقرص الشمس ينفجر عن ضوء فضي باهر. أحال حُمرة الدبابة إلى سواد. هكذا رأيتُها قبل أن تَعشى عيناي. أغمضتهما ثم ذررتهما وأنا أعاود فتحهما.

من قلب القُرص رأيـتُ حصانين أدهمين يجران عربة خشبية خفيفة عليها فارس يحمل قوسه. شيءٌ رشيق متكـامل يندفع بقوة باتجاه الدبابة. مَلِكٌ أم أمير أم ضابطٌ هذا الفارس، أم هو واحدٌ من عامة الشعب؟.. لا أدري.. فرأسه غير متوج والصولجان ليس بيده، وإنْ كان العزم بادياً عليه. أية هلاوس؟.. أنا أحتضر.. أموت.. لو استطعتُ تحريك يـديّ لفركتُ عينيّ.. لكن أبداً.. الرمل المسفوف يلسع وجهي والعربة ما تزال تندفع باتجاه الدبابة.

السماء والفضاء في لون الرمل، وخط الأفق لا أتبينه. هذا كل ما أعيه. كل ما أحسُ به. العـربة تتوقف فجأة. الحصـانان يحمحمان ويتطاير الشرر من سنابكهما ومن العجلتين إلى أن تتوقـف العربة تماما في مواجـهة الدبابة. الفارس يحمل بالفعل قوسا وسـهاماً، وعشرات من السيوف والرماح القصيرة تظهر أسنتها و مقابضها من الجعبة المثبتة في هيكـل العربة. أي جنـون أصابني؟.. لا يمكن.. لكن الحصـانين الأدهمين مطهمان بما يزغل البصر. وبصري هو الشيء الوحيد الذي يصلني بما حولي. لكل منهما غطاء للرأس، ومن كل غطاء تنبت ريشة نعام.. بصري إذن حديد.. حاجبُ العين عليه صورة. أعرفها. رأيتها على نقوش المعابد. السياح كانوا يقفون مبهورين أمامها فأشرح لهم (الرسم الذي على حجـاب العين للمعبـود سوتخ سيد الخيول). الحقد هو ما يعكر دم عبد الحميد أفندي. درايتي بأسرار النقوش كشفتْ جهله. نشاطي أظهر عيوبه فلامه الرؤساء ذات مرة فاغتـاظ مني. لكـن ما أراه الآن هو خيالات يحركها ذهني الخائف. لا يمكن إلا أن يكـون وهماً. أغلـق عينيّ لأمسح كل ما أراه. أفتحهما فإذا بهما كما هما أمامي. العربة بمواجهة الدبابة. لكن ثمة شيء تغير.

مدفع الدبابة يتحرك ليضع العربة وفارسها في مرماه. ولا يمكن إلا أن يكونا في مرماه. الفارس أيضا وضع سهمه وشدَّ قوسه. لمحـتُ زاويتي شفتيه تربدان. هو يدقق البصر، والحصانان ساكنان. مِن دروع الدبابة سمعتُ ضحكة أتبعتها تكة تعمير المدفع بالدانة. أي منطق؟.. من داخل الدروع سمعت ضحكة اتبعها صوتٌ بالرغم من خفوته إلا أنه آمر. في نفس اللحظة انطلق سهم الفـارس باتجاه الدبابة سمعت صرخة مؤلمة فيما انطلقت الدانة وطاشتْ. لدهشتي رأيت ريشة السهم تهتز وقد استقر طرفها في مز غل السائق. كان يعوي.. يصرخ يجأر.. وفجأة رأيت غطاء البرج ينفتح وثلاثة يخرجون من الدبابـة ويجرون لا يلوون علي شيء. ماذا يحدث؟.. ماذا يجري؟

ورأيتني بقوة أنتفض.. سقط جهاز اللاسلكي عن صدري وتقلقل الرمل فوثبتُ من الحـفرة وصعدتُ إلي جسم الدبابة وأنا أصرخ.. لا أعرف بأي شيء أصرخ.. كالحيوان رحتُ أصرخ وأرقص ببنطلوني المبلول.. أرقص.. أرقص وأصرخ وألوح بيدي للزملاء ليأتوا ويركبوا معي دبابة العدو.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى