الأربعاء ٢٨ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٢
بقلم هيثم نافل والي

طريق الهجرة

جلس عامر في الطائرة- ولأول مرة في حياته - التي تقله من بغداد إلى بودابست، بجانب شاب يدعى طه، فتعرفا أثناء الرحلة على بعضهما البعض...

- سأله طه، وابتسامة متواضعة ارتسمت على شفتيه وخديه: من الواضح أنك لم تسافر من قبل إلى أوروبا؟

- تلفت عامر بريبة وبصوت منخفض، قال: نعم، إنها المرة الأولى، وربما الأخيرة... لأنني لا أنوي العودة!

- كما فعلت أنا قبل عشرين عاماً تماماً، أجابه طه وأردف، لكنني عدت وحنثت بوعدي الذي قطعته على نفسي... إنها بغداد يا رجل، ستبقى في القلب والذاكرة. ثم قلب عينيه بعامر وسأله، ماذا تعرف عن حياة أوروبا؟

- لا شيء، ثم ندم على تسرعه واغتصب ابتسامة على وجهه، وقال: بالتأكيد هم مثلنا، كباقي البشر، بماذا سيختلفون عنا؟

- أشياء كثيرة، يا عزيزي، ثم استطرد بحماس حقيقي... يقال، أجعل القلم يتكلم إذا كنت كاتباً، لذلك فهم يحيون حياتهم كما يريدون، يقولون ما يشاؤون ويعبرون عما يختلج به قلوبهم دون رهبة أو خوف... ثم تراهم نادراً ما يفكرون بغيرهم، حتى أقرب الناس إليهم! لقد صادفت مرة أحدهم يريد بيع داره، وقال أن له ابنه في العشرين، فسألته دون قصد، لماذا لا تعطي الدار لابنتك؟ انهار، امتعض، انفعل، تغير لونه فجأة وزمجر محتجاً وصاح، ماذا؟ أعطي داري لابنتي!! وماذا تفعل هي؟ تنام مع صديقها فقط!! وظل يصرخ، كالمعتوه، فاعتذرت منه وقلت، لم أكن أقصد هذا... سامحني على غبائي... وانتهى الموضوع بطردي في أدب مفتعل، وقال لا دار أملك، اذهب بعيداً عني، ليس لدي ما أبيعه... تصور؟! فهم لا يحبون العيش تحت الضغط، يكرهون كثيراً التفكير في المستقبل، يعيشون لحظاتهم بكل ما يملكون من طاقة، لا يفكرون في التوفير مثلنا أو يدخرون لأبنائهم، فهم كما قلت، يحبون أنفسهم أكثر؛ يقتنون السيارة قبل الدار، يسافرون كثيراً، لا يطهون في بيوتهم إلا ما ندر وشذ، يحترمون الوقت ويقدرون قيمته البالغة في صنع حياتهم، يقرؤون كثيراً وفي كل مكان، ليس لديهم وقت فراغ، لا يحبون السطحية مثلنا، مؤمنون ويعرفون الله، مثلي ومثلك وربما أكثر...

قاطعه عامر معتذراً: أرجوك، لم أعد أستطيع متابعتك، لقد أثرت فضولي، هوسي وجنوني، فحياتهم ومن الظاهر ليست على ما يرام، مريضة أقصد!!

أجابه طه مستغرباً: وماذا هو الشيء غير الطبيعي الذي قلته؟!

- حديثك عن الوقت والعمل والكتاب... يا رجل جعلت الواحد منهم آله وليس من صنف البشر! ثم حاول أن يغير من اتجاه الحديث، فسأله بامتعاض وشيء من الاستهزاء: أين تقيم؟

- أعيش منذ حوالي عشرين عاماً كما قلت، في فينا عاصمة النمسا، ثم حاول المزح معه، ألم تسمع بليالي الأنس في فينا؟ وتابع، زرت بغداد، رأيت أهلي وأصحابي، وسأذهب في رحلة للاستجمام في بودابست، ومن ثم أرجع قافلاً إلى بلدي الثاني النمسا، وللعلم بأن الشعب المجري يتحدثون اللغة الألمانية؛ هذا يعني ربما سأفيدك بعض الشيء هناك؛ بل أعدك بأنني سأعرفك على فتاة لا تصمد أمامها سوى لحظة واحدة ومن ثم تركع تحت قدميها تطلب وصالها...

استمع له عامر بكل حواسه، وهتف دون وعي: فتاة!! أركع لها وكأني أصلي!! ثم صاح، من هذا الذي سيتركك يا طه؟ أنا لا أعرف هناك أي شخص، ولا أجيد أي لغة أجنبية، بالتأكيد سأحتاجك، يا رجل، لقد بعثك الله لي من السماء، وكما ترى نحن نحلق في السماء، فهديته لم تذهب بعيداً... ثم ضحكا ببراءة وهما يستمتعان بالحديث كيفما كان واتفق؛ وعامر يحترق وهو يحلم بالفتاة ويشتهيها بشبق محموم صارخ، حتى وصلا...

وما أن وطأت قدما عامر أرض المجر، حتى انبهر، فغر فاه، كالمسحور وهو يرى العجب...

صاح بصديق هجرته طه، كالسكران وكأنه القدر، وهو يبلع ريقه بصعوبة وعيناه زائغتان، ترفضان التصديق: ما هذا الذي أراه أمامي؟ إنه ولا في أغلى وأروع أحلام الشبق التي حلمت فيها!! انظر إليهم... هناك يا رجل... إلا ترى؟ الفتيات في أحضان الشباب، يقبلون بعضهم البعض، كأنهم عائدين من سفر طويل! انظر... تمتع، إنهم لا يكتفون بالتقبيل والمص والعض، بل تذهب أياديهم إلى أي نقطة يريدونها، ثم هتف، الله وأكبر... ما أروع هذه المناظر وما أحلاها...

- هون عليك يا صديقي... فأنت لم تر شيئاً بعد، إنها مجرد مقبلات قبل الأكل!!

- ( همهم وصرخ والزبد يخرج من فمه ) كل هذا وتقول مقبلات؟! ثم استدرك، كمن لا يؤمن بالله بعد ولا بالشيطان، إذن، ماذا سيكون الأكل والحال هكذا؟! ثم هتف، عفا الله على ما سلف...

- قلت لك، اضبط أعصابك وحكم عقلك ولا تفضحنا ونحن لم تمض على أقامتنا هنا سوى بضع دقائق، أرجوك... اصبر، والصبر شيمة العربي!! ثم استدرك، سأجعلك موفقاً، سعيداً مع تلك الفتاة، ستفرج أمورك كلها بإذن الله...

- تمتم عامر وقال، نعم أعدك، سأهدأ، بل سأقتل رغبتي وأكبحها ما استطعت إلى ذلك سبيلا( وهو يردد وقلبه يتلجلج حرقة، أقرع وبلا رموش) يا إلهي ثبت لي عقلي، واجعلني من الفائزين!!

- ماذا تقول؟!

- لا شيء يا صديقي، لنمضي... ولكن

- لا تقل شيئاً، امش وأنت ساكت، انظر بلا كلام، عقب بصمت، تفرس في الوجوه فقط، أفعل ما يحلو لك، كالآخرين، لكن لا تأت بحركة ولا تبعث صوتاً...

أجابه عامر بحزن، كمن يخفي الحقيقة تحت لسانه، سيكون لك ما تريد، ولكن ادع لي بالسلامة... يا لطيف! ثم سأله: أنا جائع يا طه!

- أعرف هنا مطعم يقدم الأكلات العربية، سنذهب إليه حالاً، ثم أردف، وهناك أعرفك على فتاتك...

قأقأ عامر كما الدجاجة، وهتف بمرح: يا للروعة، طعام وفتاة!! لتذهب إذن حياة ومجنون هارون الرشيد إلى الجحيم... لقد كنت أغار منه في بعض الأحيان، لما سمعت عن حياة الفساد التي كان يعيشها، سحقاً له وليذهب إلى الشيطان، ابن القملة ذاك، هارون الرشيد قال... تباً له ولحياة الشاذ السلطان عبد الحميد... ثم هتف، أوغاد لا أكثر.

- صاح به طه، تذكر وعدك لي، ستبقى هادئاً ومطيعا، وستحصل على كل شيء،كطفل في أول أيام العيد... كل شيء وهو يتلذذ بغمزه ماكرة.

استقلا قطار المترو، وجلسا جنبا إلى جنب... همس عامر بإذن زميل الرحلة: انظر إليهم... لا تستطيع أن تفرق رؤوسهم من كتبهم، سبحان الله!! الكل يقرأ، ثم أضاف، يا لهم من شعب غريب، أما أن يقرؤون أو يقبلون وأياديهم اللعينة، كالثعابين الحرة، الطليقة تعبث كما تريد وتشتهي... في كل صوب وناحية من أجسادهم وهم غارقون في التقبيل؛ ثم تابع، المصيبة، أنهم لا يخجلون! بل لا ينظر إليهم أحد أو ينهرهم أو يحاسبهم!!

رد عليه طه ببرود: هكذا هي الشعوب المتحضرة، يعملون، يقرؤون، يفكرون ويحبون... هكذا هي الحياة في عرفهم، والموت في ناموسهم عندما تمضي أيامهم لأنها يجب أن تمضي، أقصد بلا هدف أو إبداع، فذاك هو الموت الحقيقي في الحياة في شريعتهم؛ والفرد منهم يعيش دون خجل، كما قلت تماماً، وبعد وقفه قصيرة استطرد، السبب يعود إلى أنهم لا يرون أن ما يفعلونه عيباً، بل يرونه أمرا طبيعيا جداً، ومن ينظر لهم بفضول هو الشخص المريض وليسوا هم.

- صدقت يا صاحبي، فنحن في العراق حياتنا تختلف كثيراً، نضحك على الشخص الذي يحمل كتاباً وهو يمشي، نقول عنه، معقد، بل يكون منبوذاً، لا أصدقاء له، وكأنه يعاني من مرض معد والعياذ بالله؛ فكيف الحال لو قبّل الفتاة وحضنها ويمد يده إلى ما لا أعلم أين...!!

- هذا في العراق، لكننا هنا، في بودابست عاصمة المجر العظيمة الأمر يختلف، ولو تقدمت أكثر نحو البلدان الأكثر حرية واستقرارا وانفتاحا واحتراما لحقوق الإنسان... لجننت إن لم تتفهم حياتهم وكيف يعيشون؛ ثم تابع بشغف مقصود، هؤلاء الذين تراهم يقرؤون، أما أن يكونوا ذاهبين أو عائدين من عملهم، يرفضون الفراغ، يملؤنه بما هو مفيد، وإلا كيف تأتي الخبرة، وكيف تبني ثقافتك؟!

- الثقافة!!

- نعم، الثقافة، المعرفة، التطلع نحو الأفضل... كلها أمور يجب أن يفكر بها المرء وهو مازال على قيد الحياة، ثم باغته بالسؤال، ترى ما الفرق بيننا وبين الحيوان إذن؟ إذا لم نفعل ذلك، إنهم على صواب يا عزيزي، وتعلم كيف تكون مثلهم، وإذا نجحت، ستكون أمك بالتأكيد هي التي دعت لك وطلبت من الله أن تكون لك هذه النتيجة... الفوز العظيم، الحياة بأسرها!

- كلامك غريب يا طه، لم أسمع به من قبل.

- لم يعر لجملته أدنى اهتمام، وقال له بصيغة آمره ومشفقة معاً: علينا أن نغادر قطار المترو في المحطة التالية...

في المطعم، قدمت الفتاة لهم الطعام وهي تتمايل في مشيتها، كالموجه؛ تقربت من طه وهمست في أذنه، كلمات باللغة العربية التي تجيدها: منْ هذا الذي معك؟! من الواضح أنه حديث العهد في أوروبا... أليس كذلك؟

أجابها بهمس: نعم، ولكن كيف عرفتِ؟

ردت عليه بضحكة، اهتز قلب عامر لها. واتجهت إلى عامر تسأله عن ما يحب أن يأكل...

- قال عامر في سره وهو يأكلها بنظراته: غفر الله لها، عاهرة، ولا ترمز إلا للشيطان... ثم أشار إلى صديقه وقال،كمن يستنجد، أحب أن أضاجع هذه البطة!!

- اصبر.

- لم أعد أتحمل، ثم أردف، أنا لست بأيوب حتى تطلب مني هذا التأني، والمثل يقول، آمن بالحجر، تبرأ! آه... يا طه يا عزيزي، لو كنت تعرف ما في أعماقي من آهات مكبوتة، من نداءات مشحونة... لو عرفت نصفها فقط، لغفرت لي وربما بكيت بدل الدموع، دماً... ثم باغته بالسؤال غير المتوقع، هل رأيتها كيف تمشي؟ إنها تتغربل كالرمل والحصى في غربال، فهي ملفوفة باللحم!! وصاح متناسياً نفسه، يا رجل، قلت لك... أريد مضاجعة هذه البطة، أريد أن أروي جوعها، أن أشبعها، بل أكاد أجزم بأن هذه البطة الملفوفة باللحم لن ترتوي أبداً... ثم مد لسانه ولحس شفتيه وما علق فيهما من لعاب وأرجعه إلى داخل فمه وهو يصوب النظر إلى داخل قبو المطعم، بحثاً عنها.

جاءت بأطباق الأكل... وبدأ طه يأكل، في حين سمّر عامر عينيه المحمومتين، الملتهبتين عليها، وتصور نفسه عارياً، مستلقياً على السرير، كالملك وهو ينظر إلى جاريته وهي ترمي قطع ثيابها الواحدة بعد الأخرى من على جسدها وهي تترجح وتتموج في مشيتها الخالعة، حتى تصل إليه وهي عارية كما ولدتها أمها... تصور كل ذلك وهو يحرقها بنظراته القاسية، الجائعة والمشتعلة؛ شعرت الفتاة بتلك النظرات( وربما أحست بحرقتها ) فأشارت لصديقه الذي مازال منشغلاً بالأكل، ماذا عن صديقك هذا؟!

- ماذا به؟

- له نظرات قاصفة، حارقة، وكأنها خارجة من فرن!!

- لا تقلقي، هذا شأن عامر دائماً، خاصة عندما يرى فتاة بجمالك... سرعان ما يفور دمه، ويكاد ينفجر مرجله!!

- لكنه لا يأكل!! مكتفي بالتحديق والنظر... انظر إليه أنه لا يسمعنا، كالمسحور.

- لقد سحر بجمالك كما قلت، فهذه نوبة وتعدي! لا تخافي، ومن ثم هو يتمنى أن يأكل منك، قبل أن يأكل من طبقك!

- ولماذا لا يفصح؟

- لأنه لا يجرؤ.

- ثم انتبه عامر على نفسه، وصاح: ماذا قالت هذه البطة؟

أجابه طه مبتسماً: تريدك أن تفصح بنفسك وعما يخالج قلبك... هيا قل لها بفصيح العبارة، إنك تريد أن تضاجعها، أن تأكل لحمها الطري الأبيض كما قلت لي بالضبط... فهي تنتظر منك هذا القول الصريح، هيا... قل لها، ماذا تنتظر؟ لقد فلقتنا بكلماتك العنترية منذ لحظات، فها هي أمامك وأنت ساكن، صامت، نائم كالحجر...

رفع عامر رأسه نحوها وسألها بعدم احترام: كم تطلبين؟

- دوت صفعة على خده، فأحمر وجهه وأزرق، وصاح، ماذا؟ تصفعينني وأنا الرجل!!

- أكرر الصفعة، إن كررت قولك( قالت الفتاة ذلك بكبرياء صادق لم يتوقعه عامر، وغادرتهما) في حين استمر طه بأكله وكأن شيئاً لم يكن، فصاح به عامر، ماذا عنك يا طه؟ يا لك من رجل بارد... ثم أردف، لم أتوقع أن تكون ردة فعلك هكذا...

- وماذا تريدني أن أفعل؟ ثم تابع ببرود، لقد أسأت إليها، وهي أخذت حقها منك، دون تأخير... أقول لها برافو أحسنتِ صنعاً، لقد أدبت رجل شرقي طازجا، لم يعرف بعد، كيف يتعامل مع المرأة بشكل حضاري راق، وهذا هو ردي يا عزيزي، والآن دعني أكمل طعامي بهدوء، أرجوك...

- وماذا عن النقود؟ ما الذي أثارها؟ أنا لم أنو شتمها أو الإساءة إليها، كما تدعي أنت... أبداً لم يكن هذا في بالي مطلقاً.

- توقف طه عن الأكل، بسط ذراعيه على الطاولة، وقال: عزيزي عامر، عندما ترغب الفتاة هنا بمضاجعة من تريد أو من تحب، لا يكون في حسابها بأن هذا بغاء، ولن تتقبل ذلك، لو قلتها في وجهها، هي لم تنو البغاء ولا تقوم به، بقدر تحقيق رغبتها، أن تصل إلى لذتها التي تراها من حقها... هكذا تفسر الأمور هنا، فهي بالتالي ليست غانية كما توهم لك، تماماً كما تأكل الطعام عندما تشتهي وتجوع، وتشرب الماء عندما تعطش، وفي نفس الوقت هم ليسوا قططا، أقصد لا يضاجعون في حياتهم كل من هب ودب، بل هناك أحاسيس ومشاعر قوية، صادقة في كثير من الأحيان هي التي تدفعهم لفعل ذلك. هل فهمت الآن يا صاحبي؟!

- وماذا علي أن أفعل الآن؟

- أن تعتذر منها، وبصدق، لا أكثر... فالمرء هنا متسامح كثيراً، وينسى بسرعة، لأنهم مشغولون بهموم وأشياء أكبر من هذه الأشياء أو تلك التي تدور في بالنا نحن الشرقيين...

غادرا المطعم مسرورين بعد أن شبعا، وبانجازهما الذي انتهى بموعد لعامر معها بعد أن سامحته الفتاة عن طيب خاطر ووافقت بأن يقبلها بصدق، ونست ما حصل. ووعدته بأن تزوره في غرفته بالفندق المقيم فيه غداً عند الظهيرة...

وزع صديقه بطريقة شرقية بحته وجعله يخرج من الغرفة وهو يقول له، كلك نظر يا صاحبي... ولا تأتي إلي قافلاً إلا بعد ثلاث ساعات من الآن! ثم جهز عامر نفسه جيداً، استحم وتعطر وسرح بأفكاره وهو يخاطب نفسه: يا لها من فتاة... نهدان بارزان، بحلمتين تكادان تشقان قميصها وتخرج نافرة، متوثبة، آه... كم يعجبني هكذا نهد عامر ويحمل اسمي، ثم ابتسم لوصفه وحالة التشبيه التي توصل لها، ثم أدرك، أنها بالتأكيد تحب وتشتهي التقبيل كثيراً، كأولاد جلدتها، وكما رأيت بعيني... لم يقل لي أحد ذلك، لقد شاهدتهم بنفسي؛ سأجعل جسدها أزرق، سأعضه وآكل من لحمه، وصرخ، آه... من ضحكتها المستفزة التي تشبه صرير السلاسل الحديدة عندما تتحرك بسرعة متصلة! ثم صاح، كم أتوق لأكل لحمها!! وعاد فسأل نفسه جاداً، لو طلبت مني الزواج، ماذا أقول لها؟ وماذا عن دينها؟ لكنني على استعداد من الزواج منها وفي الحال، إن أرادت!! ثم تجلت في ناظريه وهي آتيه كالسحابة البيضاء، عارية وهي تردد بشبق، ضمني إليك، أحضني بقوة، اصهر عظامي، اجعلها تطقطق، اهرشها، اطحنها لا تبالي... فأنا لا أشعر بالحب إلا بهرس الجسد؛ وظل هائجاً، سابحاً في تصوراته وتناسى نفسه والوقت يمضي وهو ينتظر... تجاوزت الساعة التي حددتها للقائه ولم تحضر، فشعر بخوف وارتباك قليلاً من عدم مجيئها، لكنه كان جازماً، متأكداً من حضورها؛ حدّق بجدران الغرفة، فوجدها عارية، تعكس وحشة خرساء، حزَّ منظرها قلبه وثار الرعب فيه... أدار ظهره بجهد، تقدم قليلاً وجلس محاذياً للنافذة التي تطل على الشارع والوقت يمر... وهو يترقب بحذر وقلق شديدان...

طرق باب غرفته بهدوء وتأن... توقف الطرق والنقر على الباب قليلاً، ثم عاد، ولكن بسرعة متناغمة وبصوت أعلى...

فتح عامر الباب وهو في حالة خمول ونعاس، وكأنه استفاق لتوه من نوم عميق، ثم تراجع إلى الوراء... وإذا بطه يسأله بحرص وفضول: ها... هل مشى الحال؟!

- لم يرفع عامر رأسه نحو صديقه، وظل يحدق في الأرض، وكأنه يبحث عن شيئا ما فقده، وقال باسترخاء: لم يحدث شيء، من هذا الذي تقصده!!

- ماذا؟ لم يمش الحال؟!

- لا، الموضوع ليس هكذا( رد عليه وهو مازال يبحث في الأرض)

- لماذا تتحدث معي بهذا البرود؟ قل لي ما الذي حصل؟ هل أكلتها أم لا؟!

- لم آكلها ولم تأكلني... هل ترضى بهذه الإجابة؟! ثم ألتفت إليه بإحباط وانكسار وأردف، لم تحضر اللعينة تلك، بنت القملة السمينة!! وبعد انتظار قاس، مرير، صعب.. عندها يئست من حضورها، فقررت حينها بعد أن لم يكن لي فرصه من مضاجعتها، فضاجعت نفسي بيدي ونمت... وكما ترى، حزين النفس، مهدود الجسد.

صدرت من طه ضحكة مقتضبة، رآها عامر واضحة، وفهمها على أنها لؤم، فعبس. ثم همهم طه بالكلام وقال، لقد كنت أعرف بأنها سوف لن تأتي!!

- ندت عن عامر شهقة مريبة، حادة وقال: ماذا؟ كنت تعرف؟ إذن اتفقتما للضحك علي...

- لا الموضوع ليس كما تقول، ثم استطرد بهدوء، أقصد توقعت بأنها لن تحضر، وهذا كان مجرد ظن لا أكثر.

- ولماذا لم تشرح لي ظنونك هذه من قبل؟ تنورني، تقول لي لا تغلب، لا تنتظر، احذر، إنها مراوغة، وربما ليست سهلة كما توقعت أو صدقت... أو أن تقول أي شيء يطمئنني، لا أن تذهب وتتركني هنا، كالتيس الذي ينتظر نحره!

- عزيزي الغالي عامر، يا صديقي، عليك أن تعلم جيداً، بأن المرأة الأوربية، ورغم عن كل ما قلته عن رغبتها ولذتها واندفاعها وإرادتها... فهي تبقى محافظة، كراهبة إذا أرادت، ونقية وصافيه ومخلصة إن أحبت، لذلك توقعت بأنها والحال هذا، لا تحضر ولن تأتي... لقد أرادت أن تعطيك درساً وتفهمك بأنها ليست غانية كما توهم لك، لقد كانت تشعر بنظراتك الملتهبة نحوها، وبثقافتها وحدسها بلغها ذلك الشعور الذي يقول، إنك تريدها جسداً فقط، تريد أن تتغذى بها، تأكلها كما قلت، حتى أنك صرحت ووصفتها على أنها بطة، ولم تقل إنسانة... فهمت هي ذلك، فقررت أن لا تلعب معك لعبتك... هذا يبقى تفسيري، وربما لها تفسيرها الخاص، كل شيء جائز، لكن المهم أنها لم تحضر... وكان توقعي وظني صحيحاً، ولا تنس بأنك وبفعلتك هذه، تبين لها ولي أيضاً، بأنك قبلت التعاقد مع الشيطان لأجل أن تخون أفكارك!!

استمع عامر إلى الخطبة، بانتباه شديد، ثم هب واقفاً، وقال بصوت مجروح، مهتاج مخاطباً نفسه: تباً لهذا الطريق الوعر، الحقير الذي يغرق فيه صاحبه حتى قمة رأسه، ثم تم كلامه الذي كان أشبه بالدعاء، متى يا رب تنتهي معاناتنا؟ فهذا ليس طريقنا، والمجر أو غيرها ليس بلدنا، ثم أنهى صرخته بقوله، لتنزل عليهم ومن كان وراء هجرتنا لعنة فرعون... ثم هدأ، كشبق حقق ذاته، أو كموجه كانت تشتهي الصخر لتتفتت، لتستريح... ارتاح عامر لما قاله، استسلم وهو يشعر بالخذلان والقهر... عندها لملم أغراضه وحوائجه، ووضعها في حقيبته ومن ثم ودع صديقه قائلاً، سأكمل طريق هجرتي، سأتوجه إلى بلدك الثاني، لكني لن أستقر فيه، سأمر به مروراً سريعاً، قاصداً ألمانيا... وهناك سأستقر وأقيم. ثم خرج وأغلق الباب من ورائه بقوة، وكأن إغلاقها بهذه الصورة... تعبير عن عدم رضاه لما حصل، أو أنها كصفحة من حياته لا يحب أن يفتحها ثانيةً، أغمض عينيه وهزّ رأسه أسفاً، ثم سار منسلاً، وكأن أحدهم يطارده؛ وهو يتابع طريق هجرته...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى