الثلاثاء ١٤ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٠
بقلم غزالة الزهراء

ذات يوم

دق الجرس عاليا.
بنفس العزيمة الثابتة ولجت الأستاذة إلى قسمها مصممة على أداء درسها على أحسن وجه، الزهرات اليانعات متشوقات بشغف كبير لسماع حصتها المفضلة، تحركت نحو السبورة، سجلت بخط عريض عنوان الدرس: من أخلاق المسلم، ومن ثم عادت أدراجها إلى مكتبها الأنيق، وطرحت سؤالها بكل شفافية ووضوح: ما هي المزايا الحسنة التي من واجب المرء التحلي بها؟
معظم التلميذات رفعن أصابعهن قصد الإجابة ما عدا هويدا ظلت منكسة رأسها وكأن هذا الأمر لا يعنيها بتاتا، هائمة في ضبابية سوداء من التعاسة السميكة، والمرارة القاتلة، تبدو للرائي وكأنها فقدت حلاوة الدنيا ولذتها.
أعادت الأستاذة سؤالها ساعية لاجتثاثها من بؤرة الصمت التي انغمست فيها حتى النخاع ولكن لا جدوى من ذلك، تقربت منها بضع خطوات، وقالت لها برفق عسى أن تتوغل في أغوار نفسها السحيقة: لم لا تحاولين الإجابة عن سؤالي؟ السؤال في غاية البساطة لا تعقيد فيه، انظري إلى زميلاتك النجيبات، كوني مثلهن.
اعتدلت في وقفتها، ونطقت باقتضاب شديد كأنها تهوي من أعلى جبل شامخ: كاد الفقر يكون كفرا.
ـــ أنت تخلطين بين الأمور يا عزيزتي، ماذا جرى لعقلك يا ترى؟
لوت التلميذات أعناقهن الطرية صوب هويدا، تهامسن، تضاحكن، وتغامزن، وعلت جلبة صاخبة بين الصفوف.
ـــ هدفك الوحيد عرقلة الدرس ليس إلا.
هل أصابها مس من الجنون وهي ترتع في عمر الزهور؟ هل تستدعي ولي أمرها لتطلعه على ما جرى؟ وهل ترفع تقريرا صارما للإدارة للنظر في قضيتها؟
هذه الأسئلة السخينة تناقلت على ألسنة الطالبات وعلائم الدهشة تفترش وجوههن المشرقة.
ـــ ما الذي أفسد عقلك يا هويدا؟
أشرقت بالبكاء، قالت وغصص الألم تخنق صوتها خنقا: ألتمس عفوك سيدتي، لا تخبري والدي عما وقع، يكفيه مما هو فيه.
شعرت الأستاذة ببعض العطف عليها، تألمت بداخلها، الجملة الأخيرة أثارت في نفسها عاصفة قوية من التساؤل المريع، ولكن ستؤجل مساءلتها بعد نهاية الحصة مباشرة.
أنشأت الأستاذة تشرح درسها وتناقشه مع تلميذاتها، وأخيرا توصلت إلى خلاصة موجزة، وذيل الدرس بتطبيقين فوريين.
الجرس يدق معلنا وقت الراحة، جمعت الطالبات أدواتهن، وتدفقن في الفناء الواسع فرادى وزرافات.
ـــ لماذا طلبت مني البقاء يا سيدتي؟
ـــ اعتبريني والدتك أو أختك الكبرى، أفرغي كل ما يختلج بصدرك الجريح، لن أتقاعس ولو لحظة في مساعدتك، أعدك، وعد الحر دين عليه.
تنفست الصعداء بمشقة بالغة وقالت: ساءت حالتنا كثيرا يا سيدتي، والدتي طريحة الفراش منذ شهر ونصف ولم تتعاف، لم يكن بحوزتنا المال الكافي لنعرضها على الأطباء، إنها تحتضر ببطء أمامنا ونحن لا نحرك ساكنا، لقد عجزنا تماما على علاجها، ما العمل يا سيدتي؟
ـــ والدك موظف بالشركة، أليس كذلك؟
ـــ أجل يا سيدتي، الشركة التي يعمل بها آلت إلى الافلاس ولذا استغنوا عن خدماته.
ـــ لا تدعي خيبة الأمل تستحوذ على آمالك وأنت تدركين جيدا أنك على أبواب الشهادة، شهادة التعليم المتوسط، أملي فيك كبير، أريدك أن تكوني ضمن الناجحات، ومن اليوم فصاعدا ستجدينني بجانبك على الدوام، لن أتخلى عنك أبدا.
كانت الأستاذة تستدعيها إلى بيتها مادة لها يد العون معنويا وماديا، وتدعمها بدروس اللغة العربية كما أنها تمنحها بعض الكتب القيمة التي هي بأمس الحاجة إليها.
وأخيرا برز اسمها ضمن المتفوقات في الشهادة، وكانت أعظم سعادة استشعرتها الاثنتان معا.
ألقت في أذنها نصائح ثمينة لا تقدر بمال: أثناء انتقالك إلى الثانوية عليك بمضاعفة جهودك في الدراسة لأن السنة الثالثة تؤهلك لاجتياز شهادة البكالوريا.
كانت هويدا تتردد عليها في منزلها حتى ألفت البيت تماما وصارت فردا هاما من أفراده.
وذات يوم حدث ما حدث.
وقعت عيناها على سلسلة ذهبية، وفي رمشة عين امتدت يدها فاختلستها، وحين همت بالانصراف سقطت منها على مرآى أستاذتها فقالت والأسف يمزق صوتها الطيب: لم اقترفت هذا العمل المشين يا هويدا؟ ألم أسع إلى مساعدتك ماديا ومعنويا؟
وتأكدت الأستاذة تماما بعد الذي حصل بأن المدرسة لن يكتمل دورها الفعال في تربية النشء إن لم تلعب الأسرة دورها في تهذيب نفوس أبنائها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى