الأحد ٣٠ آذار (مارس) ٢٠٠٨
بقلم يحيى ولد أحمد الهادي

في انتظار رجل

هناك، حيث يتوقف القلب عن الخفقان لمجرد التفكير في تلك الأحلام المؤجلة منذ سنين
تقف عند حافة الحلم حافية من الألم ومسامحة لدرجة أنها تنسي دائما أن تفكر في السبب
الذي جعلها تنتظر كل تلك السنين وربما سنين قادمة.

تمد يدها إلي المرآة دون أن تنظر إليها فهي حتما حيث وضعتها قبل قليل، تلقي نظرة سريعة علي وجهها الذي غطته المساحيق، تلتقط المنبه وتعيد إليه بطاريته التي سقطت منه اثر ارتطامه بالحائط في الصباح، تمسك أصابع يدها اليسري بيدها اليمني لتعد الساعات المتاحة للنوم تضبط المنبه، تطفئ النور وتنزلق تحت الغطاء.

لا تنفك تفكر بجوعها الجسدي، في إرضاء غرائزها، فمنذ دخلت مرحلة الحرمان تلك أصبح الخيال مصدر سعادتها، لتلهث بذلك القدر من الحميمية في محاولة لاكتشاف الدهاليز
السرية للرغبة المختبئة استحياء، ثم تستفيق من حلمها الأجمل لتجده قد حملها إلي تلك المنطقة
النائية التي يتساوى فيها الجميع، لتعرف أنها كانت تحلم، تفتح عينيها لتنظر إلي شيء وحدها القادرة علي رؤيته في ذلك الظلام، تنظر إليه طويلا، وتفكر في تحولها إلي أخري ما كانت تشبهها، تفكر في تحول النشاط والانطلاق اللذين كانا يملآنها إلي خمول وكيف أنها أصبحت ظلا لجارتها الخمسينية والتي أكسبتها الكثير من العادات، كانت تشغل نفسها بخصام بائعة الخضرة في الحي والجزار، وتخمن السبب الذي طلّقت من أجله جارتها، وتعد عدة ابنة جيرانهم التي توفي زوجها حديثا وانتقلت هي وأبناؤها الثلاثة للسكن مع والديها، وتحاول جاهدة معرفة ما تصرف فيه المبالغ التي تتلقاها جارتهم التي تسكن في طرف الحي من ابنها الذي سيتم بعد أيام عامه الرابع في اسبانيا.

وحين لا تجد عند جارتها جديد الأخبار وساخنها، تعود إلي البيت وهي محبطة لدرجة أنها تمضي نصف اليوم وهي في المطبخ محاولة ابتكار وجبات جديدة أو تعيد تلك التي ابتكرتها
وكثيرا ما تتعرض ابتكاراتها لتذمر شقيقها الأصغر الذي لم يعد يعجبه شيء منذ توفيت والدته
في حين يشجعها والدها وهو يحاول بصعوبة ابتلاع ما بفمه، إلا أن تشجيعاته تلك تذكرها دوما
بوالدتها التي تكرر علي مسامعها دوما حتى وهي تر فض آخر المتقدمين لها "أريد لك الأفضل دائما".

في أيام الجمعة، وبعد الصلاة، يحضر والدها رفاقه اللذين دخل معظمهم في تلك العطلة الطويلة من العمل، ولم يعد يشغلهم في هذه الدنيا سوي لعب الورق والذهاب إلي المسجد، في تنقلاتها في
البيت والتي لا تنتهي لمحت من فتحة الباب وجها جديدا، كان يجلس في انتظار أن يحين دوره في
اللعب. وبالرغم الشيب الذي كان يغطي رأسه إلا أنه كان يبدو أصغرهم، كان يسترق النظر إليها
هو الآخر من فتحة الباب كلما مرت من أمامه، فأخذت تلاعبه بأن توهمه ببحثها عن شيء ضاع منها لتستمتع بنظراته الخاطفة، ثم ما تلبث أن تضحك من نفسها علي تفكيرها فيه علي هذا النحو.

وبين الجمعة والجمعة صارت تحلم، وتكبر أحلامها، وتنتظر بفارغ الشوق فارسها ذا الشعر الأبيض، في حين كان هو يكتفي-كما يفعل دائما-بنظراته الخاطفة تلك.

وبعد ما يقارب الشهر من انقطاعه عن جلسات لعب الورق، كانت هي تعود إلي سابق عهدها. تبحث عند جارتها الخمسينية عن جديد أخبار الحي، فتتحفها الأخيرة بمجموعة متنوعة من الزيجات المفاجئة منها زواج بائعة الخضرة والجزار وزواج جارتهم العجوز التي تسكن عند طرف الحي من فارسها ذا الشعر الأبيض.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى