باب الحارة

، بقلم زياد يوسف صيدم

كعادتها من كل عام.. تتحضر الأسر المسلمة لشهر رمضان الكريم.. يستعدون له كل حسب قدراته وإمكانياته المادية والمعنوية.. يزداد شذى الحديث عنه في الأيام الأخيرة التى تفصل شهر شعبان عن بداية رمضان.. فيكون الكلام قد اتخذ طابع السمر بشكل يومي.. خاصة في أوقات الليل وقبل أن تخلد الأسرة للنوم.. فيكون حديثهم بشكل عفوي.. حيث يُبدى الجميع رأيه بما يرتئيه حسب وجهة نظره.. فكانت أسرة العم أبو يوسف مثالا على ذلك..

طلب مأكولات شهية وصحون كثيرة على الإفطار.. وحلويات تميز شهر رمضان خاصة العوامة ( لقمة القاضي ) والقطائف.. قالها أحمد الابن الأوسط بين الذكور بنبرة فيها حدة مُسمعا والدته.. دون أن يبدى أي خجل على وجهه فلم يحمر له خد أو تزيغ له عين.. بل كان حاسم و قاطبا حاجبيه.. كان كمن يضع شروطا ليصوم الشهر الكريم..! وهذا يوسف الابن الأكبر يستعد بوضع برنامجه السنوي بعناية وفى مقدمته الصلاة في المسجد وقت العشاء.. ليكسب حسنات صلاة التراويح لاحقا.. كان منزعجا بعض الشيء فلم يعجبه اقتراح أخيه احمد الذي اتسم بالتبذير في إعداد الطعام.. وطريقته التى أخفت مفهوم القناعة والجانب المعنوي لشهر البركات..وعدم تقييمه للأوضاع الاقتصادية السائدة والحصار الخانق.. كانت تنم عن جشع في نفسه.. تدخلت قاطعة على أحمد نفوره من اتهام أخيه الأكبر له بسؤالها:من ستعزمون على الإفطار يا أبى لهذا العام ؟.. طبعا أقاربنا المقربين إلينا.. هكذا تساءلت وأجابت بنفس الوقت ابنته البكر وفاء ابنة الأول الثانوي.. كمن تريد أن تطمئن على عدم إصابتها بالجهد والتعب كالأعوام السابقة.. فرمقتها أمها بنظرة استهجان واستهزاء.. فغمزها أبو يوسف بإشارة فهمتها الأم سريعا..

فتركتها دون مقاطعة لتكمل تذمرها.. فقد بدا من كلامها لوالدتها كأنها تحضر وتصنع الطعام بنفسها حيث استثنت أمها مما جعلها في وضع استغراب منها.. وقد تكون أمها قد فهمت مغزى حديثها بمعنى آخر! حيث أن المدعوين هم الأكثر من طرفها بالقرابة.. فاستاءت من كلام الابنة الصبية دون أن تُظهر ذلك.. من يدرى ؟.. أما حسين فأدلى بدلوه قائلا: طالما العصائر وشوربة الخضار متوافرة فلا يعنيني ما ترتبون له.. انه أصغر أخوته و من هواة تربية القطط ومتابعة أفلام الكرتون وشرب العصائر على اختلافها حتى انه يتناول غذائه وعشائه أمام التلفاز في أكثر الأوقات.. ولكنه يضطر على مضض من الجلوس معهم في غذاء يوم الجمعة.. وللحقيقة استطاع أن يحفظ من كلمات الفضيلة وعادات حب الخير ومحاربة الأشرار الكثير مما جعل والديه لا يعبهون كثيرا بشغفه الكبير وولعه بمشاهدة أفلام ومسلسلات الكرتون..أما كل من لما وهى التى تتوسط أخواتها ومعها لانا تلك المدللة من والدها خاصة.. فقد التزمتا الصمت وعدم مبالاة بما يثار من حديث للأسرة..حيث اعتادت لما وهى ابنة الثاني الابتدائي على تقليد أختها الكبرى بمعظم الأمور.. إلا عندما تريد المشاكسة فتنقلب مائة وثمانون درجة على رأى أختها.. في محاولة منها لإثبات نفسها وبلورة رأي مستقل لها.. وتحتدم أحيانا بالكلام مع إخوتها عندما تسمع حضور والدها فهي تعلم بأنه لن يسمح لأحد منهم أن يتسبب في إيذائها ولو بكلمات نابية.. ولكنها تولى اهتماما كبيرا بفوانيس رمضان فتلعب مع صديقاتها أمام المنزل بعد الإفطار مباشرة وهن يشعلن الفوانيس الكهربائية بألوان متنوعة والتي تصدر ألحانا وأغاني رمضانية..

وما تزال لانا ابنة العامين إلا قليل تدور بين الجميع.. توزع صرخاتها ومشاكساتها.. كمن تريد القول للمجتمعين: ليس لي بما تقدرون وتتحدثون شيئا.. إنها مشغولة دوما بملاحقة القطة والعبث معها فتعصرها بيديها الصغيرتين.. وتمسك بذيلها فتصدر القطة مواء حزينا ولكن دون أن تؤذيها.. كأنها تعلم بأنها ما تزال طفلة لا تعي بما تفعله.. مما زاد من مشاكسة لانا لها على مدار اليوم.. استدرك أبو يوسف حديثهم قائلا يا أحبتي هذا كله بأمر الله طبعا.. فرددوا جميعهم القول إن شاء الله..

ما لفت النظر حقيقة..أن أسرة العم أبو يوسف قد اجمعوا بحرص شديد على أمر قد أصبح من طقوس الشهر الكريم منذ عامين متتاليين.. إلى جانب فضائله ونعمه الكثيرة وبركاته العظيمة..فهو شهر المغفرة والعتق من النار.. ومن فم واحد كأنهم تواعدوا بنفس اللحظة انطلقوا قائلين: و حضور مسلسل باب الحارة حيث يتابعونه بشغف ولهفة منذ عامين على التوالي.. وها هو العام الثالث ينسل بلمح البصر وكأنه أمس.. فمشاهد المسلسل الرائع وأحداثه لا تزال عالقة في الأذهان.. فقهقه أبو يوسف عاليا وتبعته الأسرة كلها بأصوات ضحكاتهم المتفاوتة.. لقد توحدوا جميعهم دون استثناء.. برأي جماعي على أمر معين لقي منهم كل رضي وبهجة.. بانتظارهم متابعة مسلسل رمضان باب الحارة.


زياد يوسف صيدم

قاص فلسطيني

من نفس المؤلف