مولاتي

، بقلم يحيى ولد أحمد الهادي

ليلة أخرى، يجلس على طاولة الكتابة يعري إحدى بطلاته، فترحل الذاكرة إليها وتمتلئ بها.

يكتب: (سأعيد الزمن أجمده عند اللحظة التي اصطدمت عندها بعينيك المليئتين بالأحلام والكبرياء، يا عاصفة تركت وراءها صورة لك بالحجم الكبير ليقاس عليها جميع من بعدك، فكل العيون عيناك وكل الشفاه شفتاك وكل النساء أنت.)

في يوم قائظ التقى شاب ممتلىء بالشعارات بفتاة تحاول نصرة اخوتها في فلسطين، كان الناس من حولهم يصيحون: خيبر خيبر يا يهود.....

نسيا للحظة أن يرددا مع الجمهور الغاضب فسألها عن اسمها وأجابت: مليكة، ومن يومها وهو يناديها مولاتي. انتظر أسبوعا كاملا ليلتقيها مرة ثانية، جلس قبالة جسدها المحتشم البهي، كانت تلف نفسها بملحفة وتحاول أن تبقى محتشمة طوال الوقت، تحدثت عن المظاهرة وتحاشت أن تتحدث في أي شيء آخر، وأشارت إلى أن ما يجمعها به اهتمامات مشتركة، ولم تنسى أن تذكره بأنها من الجماعة التي يصفها بالمتخلفين، وعندما دافع هو الآخر عن قناعاته رفعت صوتها قليلا لترد عليه:

وهل الرجوع إلى الإسلام تخلف؟

كان جلوسهما المتكرر معا في الجامعة يستفز الجميع، وخاصة جماعتيهما ففي جانبه كان يصفها أصدقاؤه (الأخت مليكه) وفي جانبها حدث أن نعتته إحدى صديقاتها بالمرتد . لم ينتظرا طويلا وظهر من فهم غلطا أن المرأة من بيتها إلى قبرها فذبلت في منزل أصبحت فيه الخادمة نهارا والجارية ليلا وكان عليها أن تتحمل لهاثه لتسع سنوات كانت كافية لتنسيها أن لها اهتمامات وأن لها الحق في التظاهر متى شاءت.

وكان هو لا يزال يعيش على ما اختزنته الذاكرة، نسيها مئة مرة وتذكرها ألفا، أجلسها بجانبه وقت مغيب الشمس واستنشق رائحة شعرها، امتلكها، قبّلها، عرّاها، طارحها الفراش، أحبها بطهر وأغتصبها بخزي، خاصمها وبكّاها ثم عاد فصالحها و ضحّكها، ما يتيسر له من ذكريات ينظمه شعرا أو يصوغه نثرا ويهديه لها. كان يكتب فيها وحدها فهي كانت دوما مادّته الأولي وملهمته الأهم، وعندما أيقن أن رسائله في كتبه لم تصلها، بحث عنها في الواقع بعد أن استنفدها علي الورق، فاختلطت الصور عليه ولم يعرف عن أي مليكه يبحث.

للوهلة الأولي لم يصدق عينيه، تسارعت دقات قلبه وأحسّ بذلك الانقباض الرهيب بداخله وعاوده الشعور القديم فبدأ يصدق ما يراه، (إنها هي) صرخ في أعماقه، وعندما اقترب منها أدرك كم عبثت بها سنوات الفراق وكاد يعارض الصوت القادم من أعماقه، وعندما اقترب أكثر لم يلحظ زحف الزمن على وجهها، وفي عينيها وجد أخرى ما كانت جميلة بقدر ما كانت يوم افترقا.

لو أن ذلك العاشق القديم لا يزال يتلبسه، لاقترب أكثر منها ولهمس في أذنها – على طريقة أبطاله-: (أحبك كما لم ولن أفعل من قبل). ولو أن السنين لم تفقده اندفاع الحب وأكسبته حذر الشهرة لما أخذه الحديث إلى الأسئلة التي يتبادلها الناس العاديون من حولهم في الحفل الذي يختصر (اهتماماتنا المشتركة) كما عبرت هي ذات يوم وهما يصرخان مع تلك الحشود الهائلة: خيبر خيبر يا يهود .....

(اهتماماتنا المشتركة) تحولت بمرور الزمن إلى حياة بالنسبة له هو وتفاصيل يومية يرويها في قصصه، يلقنها لأبطاله منذ البدء كالفاتحة تلقن لطفل مسلم، كتعويذات ترددها عجوز أفريقية ساعة الموت.

في زحام الأسئلة ضاع سؤاله الأهم، سؤال بعمر تسع سنوات، سؤال عصي علي الموت، وحين أدرك أن عليه الاحتفاظ بذلك السؤال لنفسه تحرك الكاتب فيه وهم بطرحه، حينها هتفت به زاوية مظلمة من عقله بأن ينساها، وهمست: ماعادت المليكة التي أحببت....

حدثته عن مشاهدتها لجزء من مقابلته التلفزيونية واكتشف بعد قليل عندما حيته على مواقفه السياسية أنه ذلك الجزء الأخير الذي أخذ فيه مجرى المقابلة يصبح سياسيا كالعادة. عدا ذلك هي لم تقرأ يوما قصصه، ولم تشاهد الجزء الأهم من مقابلته اليتيمة مع التلفزيون والذي قال فيه: أنا أكتب عن الأشخاص الذين يشاركونني ذاكرتي، الذاكرة المشتركة هي ما أكتب له، لذلك فأنا أكتب عن الذين عبروا معي أيام حياتي وأثروا في. واقتبس: العجائب كلها في الجوار.

كان وقع الصدمة عليه كبيرا حين تأكد من أنها لم تقرأه يوما، وهي التي كان يظن- وهو يكتب- أنها تراقب وقع أحرفه علي الورق، تلاحقه كأفكاره، ترقبه من شرفات الحب الورقية لتفسد عليه خلوته بأخرى وهي نفسها التي تنتظره علي السرير عندما يحط عصا الترحال بحثا عن الحب المفقود، وهي... الصفحة البيضاء التي لم تكتب بعد.
وعندما همّت بالرحيل أمسك بطرف ملحفتها:

إلى اللقاء ... مولاتي.

لم تترك فيه الكلمة أثرا، وكما لو أن أحد أبطاله يواصل اعترافاته على البياض المنذور منذ البدء لها.