الأحد ١٩ نيسان (أبريل) ٢٠٠٩
بقلم محمد الحريشي

أيام الآنسة نانا

انتهت الأيام الأولى من سنة التخرج بسرعة، فما إن بدأنا أواخر أكتوبر في استكمال الدروس حتى طلب منا البحث عن مؤسسة للتدريب الصيفي، سافرت ورفيقي نبيل إلى البيضاء للبحث عن مؤسسة محترمة تليق بنا كمتصدري الدفعة،كانت أول مرة اخترق فيها أسوار تازة , فرغم إني كنت قد تجاوزت الواحدة والعشرين عاما إلا إني لم أسافر خارج المدينة قط، اللهم تلك الأيام القليلة التي كنت اقضيها عند جداي في قرية على ضفة الوادي ,كانت هده أول مرة اركب فيها القطار وأبيت خارج المنزل، وآكل من غير يدي أمي، كانت الرحلة صعبة ومخيفة، فبدراهمنا المعدودة وجهلنا ألخرائطي، وأفكارنا المسبقة عن البيضاء التي تبتلع كل شيء.. انطلقنا.. تجولنا وبحثنا، لم نستغرب كثيرا ونحن نرى البنايات الزجاجية تنفثنا واحدة بعد الأخرى..قليل ممن التقيناهم وأعطونا ثواني من وقتهم وسمحوا لنا بتجاوز عتبة الشاوش الحصينة.

يومان وليلة قضيناها بالكاد عند قريب قريب لصديقي , حتى قررنا العودة، لم يكن هناك ما يشجع على البقاء،

مرت بقية الأيام عادية.. كنت كل يوم ارقب ساعي البريد لعله يأتي لنا بالفرج.. فما أكثر الأوراق التي نثرناها هناك دون فائدة.

وكلما اقترب الصيف، كان الخناق يشتد على أعناقنا.. ما عسانا نفعل ؟؟؟ ومدينتنا الحبيبة ليس بها غير دكاكين البقالين، كان والدي يحمل الهم ذاته.. يهيئ لي إقامة عند احد زملائه القدامى في البيضاء.. ويبحث معي عن بديل مهما كان.. حتى لا يضيع سنوات الجهد هباء.

عاد إلي ذات يوم, أخبرني ان احد معارفه له ابن يعمل في شركة الماء المحلية..هناك يمكن أن أجد شيئا بلائم تخصصي..أو على الأقل يجمعني من الشارع في شهر التدريب, اتصل بالصديق وبابنه وسلمه الأوراق كل الأوراق حتى شهادة حسن السيرة أضافها إلى الملف.. ولم ينس الوالد مجاملة السيد وإهدائه قنينة زيت وبضع حبات من لوز " بني وراين "... كما توقعنا لم يحمل ساعي البريد طيلة بقية الشهور غير الفواتير.. لا شيء من البيضاء. أما أنا فقد حاولت مرارا ربط الاتصال بابن الجيران دون فائدة..فلم يعد بيدي غير الانتظار.

ما أجمل دلك اليوم الذي توصلت بطلب الالتحاق بالتدريب بمؤسسة الماء المحلية.فرحت لحالي وأسفت لحالي صديقي نبيل الذي استمر في إفراغ أخر الرصاصات عبثا..

اشتريت ملابس جديدة نهاية الأسبوع ودفترا أنيقا لتدوين الملاحظات وبقيت انتظر.

حل يوم التدريب لبست وتأنقت واتجهت إلى الحافلة. كان المكان بعيدا شيئا ما.. لم اهتم بالحافلة المتهالكة ولا بالوجوه التعيسة التي بدا يومها باكرا,كل ما اهتممت به هو نقطة الوصول من هنا إلى هنا إلى هنا حتى وصلت.. نزلت أمام باب المؤسسة كانت الأبواب موصدة والأضواء خافتة والساحة الكبيرة خالية حتى من القطط وأكياس القمامة, جلست القرفصاء انتظر.. انتظرت أكثر من ساعة ونيف حتى بدأ بعض الآدميين يتقاطرون بسياراتهم الأنيقة على المكان.. يدخلون من الباب الكبير دون أن يعيروني اهتماما. فتحت الأبواب الزجاجية ودخلت من مكتب الإرشادات إلى مكتب فلان ففلان...الكل كان يسأل على هواه غير أن إسالتهم كانت تبدو لي تافهة غريبة.

قادوني في نهاية الأمر إلى مكتب المعلوميات حيث سأجري تدريبي.. قاعة كبيرة طاولة وسط القاعة حاسوبان باليان كراسي متناثرة في الجوانب وباب صغير مسدود لعله باب مكتب المسئول وآنسة ملونة ابتسمت ببرود في وجهي وطلبت مني الجلوس..جلست أتسلى بأصابعي لجر الوقت قليلا. مرت ساعة أو ساعتين بلا جديد في العاشرة دخلت آنسة في نفس عمري ربما طويلة القامة بنظارات غليظة وجه مشرق اصطناعا واحمر شفاه , قهقهاتها المقززة سمعتها من خارج القاعة فتحت الباب بثقة " بونجور "

وقفت المضيفة الكسولة " أهلا آنسة نانا اشتقنا لكي " ولد الحراك في القاعة.. تمتمات وقهقهات وكلام غير مفهوم خرج المسئول العجوز من قاعته قبل وجنتي الآنسة نانا الصغيرة وقف يحادثها يسألها عن حالها وأهلها.. كان حديثهم يوحي بمعرفة عميقة مسبقة مد يده إلى جيبه واخرج شيئا وسلمه لنانا...كنت ارقب الحدث من خارج المشهد , تحسست لحظتها بذاتي غريبا متطفلا في هدا العالم.

مرت اليوم بلا شيء.. ومر الغد هكذا....

يقترب منتصف النهار تأتي الآنسة نانا التي علمت فيما بعد أنها ليست سوى متدربة من مدرسة خاصة.. تعم الحركة والنشاط و.... المنافقة... لترحل بعد ساعة أو ساعتين وأبقى أنا المسكين اجر ساعات الدوام من الجرس إلى الجرس


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى