الاثنين ٢١ شباط (فبراير) ٢٠٠٥
بقلم ماجدة إبراهيم

أطفال الفرات

بيت صغير مازال قائما وسط كومات من بقايا حياة ..كانت بالامس تتنفس !! والسماء الزرقاء لم تعد زرقاء .. فقط أنفاس طفل كل ما تبقى من بيت عائلة فقيرة تسكن احدى القرى على الحدود العراقية .. يتحسس حسين بيديه الصغيرتين الطريق خارج مخبئة الذى صنعه هربا من أعين عدو يتربص بشعبة وبلده وارضه..

منذ ايام قالت امة "سيدكون بغداد" لن يكن لنا بيت ولا مأوى .. وبالامس ذرفت أم حسين كل دموعها حتى لم تعد تملك حتى الدموع !!

أغمضت عينيها وحاولت النوم كغيرها من أهالى الناصرية لكن انفاسها ما زالت يقظة تتلصص رائحة الموت فى أى لحظة ..
ارتعد حسين لكنة حاول أن يبدو متماسكا وسط خوف امة وكلماتها التى لا تفارق أذنيه وحضنها الذى نقل الى خلايا الدفء "يا حسين كن رجل..

لقد استشهد ابوك فى الحرب فالموت شرف لكل الرجال "انة لا يفقه كلماتها يراها ضخمة فى ضخامة الجبال عميقة عمق الحزن الذى يملأ القلوب..

نام بين ذراعيها فلم يشعر بالوقت قد مر وعندما فتح عينية وجد نفسة غارقا فى ظلمة ليس لها قرار!!
فتذكر انة يحتمى بمخبئة الصغير فى خيمة نصبها تحت السرير الذى يأوى عائلته السرير هو الاثاث الوحيد المتبقى من علامات الرخاء الاسرى فى الزمن الجميل ..

ذلك الزمن الذى لم تبصره عيناه منذ جاء الى العالم باكيه كبقية الاطفال الذين يخرجون من عالم محدود ملىء بالراحة الى عالم ممد ود لا يسلم من الاخطار يغمض عينية ويفتحها بقوة فالرؤية تكاد تكون معدومة ودخان كثيف يتصاعد من كل مكان يحيط به يصرخ صرخات متلاحقة امى اين انت؟..

استحلفك بالله أجيبى ؟ فيرتد صوته المتشنج بالبكاء الى أنفاسه لاهثا بلا مجيب ينادى أخوته.. زيد, غسان, لؤى.. اين أنتم ؟ لماذا ذهبتم وتركتمونى وحيدا؟ يتسلل الدخان الى انفة .. يهاجم أنفاسه البريئة .. يلاحق نبضات قلبه ,يحاول منعة من استنشاق هواء نقى , لقد تحول الدخان ايضا الى عدو يتربص بطفولته تحمله قدميه الصغيرتين الى رؤية مشهد تعجز عيناه عن تفسيره ..
انة لا يرى سوى رماد يختلط ببقايا أسرته .. تحملة رياح سوداء تفتح فمها تلتهم كل شىء ينبض بالحياة..

يختبئ من هذه الرياح تطارده ..لكنة يصمد امام جبروتها ويتذكر كلمات امة تحثه على الصمود تحاول ان تزعزعه من مكانة تطيحه ارضا..

لكنة ينهض ينفض غبارها متحديا صوتها الموحش رغم ان نور الصباح قد اشرق على مدينته الا ان العدو اراد ان يعزل نور الشمس عنهم....

وبقلب رجل استجمع حسين شجاعته التى حاولت مشاهد الدمار تبخيرها يحمل بندقية والدة كل ذخيرته فى مخبئة السرى يمسح عنها ترابها الذى طمس ملامحها... يتحسس طريقة عبر مئات الجثث والبيوت المنهارة فاذا به يجد جيش من الاطفال الصغار ينضمون الية..
كلهم يريدون الثأر .!!

يحملون بنادقهم الصغيرة غير المعبأة بالبارود ولكنها تمنحهم قوة بلا حدود ..

انهم كل ما تبقى من قريتهم شبكو ا ايديهم باصرار كأنهم يستمدون تلك القوة الخفية التى تخلقها يد الجماعة ..
يسيرون فى حذر خوفا من قنابل تمطرها قاذفات العدو وملاذهم الوحيد ذلك الستار الدخانى الذى يتصاعد من كل شبر فى مدينتهم لكن حسين هز احد أتباعه الصغار وصاح بشدة انظر الى السماء:

على :أين.. نعم انها سحابة دخان
حسي: لا انها شىء اخر يسد الافق.
على يفرك عينية بقوة حتى يستطيع الرؤية : نعم انة نسر كبير يفرد جناحيه عن آخرهما ..

حسين انة يقترب اختبئوا بسرعة ويبحث جيش الاطفال عن مكان يحتمون فيه..

لا يجدون سوى حطام منازلهم وجثث شهدائهم تسمروا فى اماكنهم وافواههم مفتوحة لا يرجون جوابا.. فاذا باسراب كثيرة من الطير تمر من فوق رؤوسهم تلامس خصلات شعرهم المترب برفق وتغيب عن اعينهم فى سلام.

ينظر حسين الى اسراب الطيور بشغف واعجاب ملتقطا أنفاسه التى حبسها حتى مرت من فوق رأسه..
وقتها تمنى ان تجد هذه الطيور هدفها الذى تجمعن من اجله..

فالاعداء على بعد بضع خطوات يستعدون لدك مدينة مرة اخرى من الوطن !!

ولمعت فى عين حسين فكرة اعتقد انها شديدة العبقرية وربما تشفى غليله وتعطى له الشعور بالتفاؤل, فالغريق يحتاج الى القشة التى تنقذه من غرق محقق,
ودعا أصدقائه الى ملاحقة هذه الطيور لكى يعرف مقصدها وغايتها وهو يكتم امنيتة داخل صدره ..

هو لا ينسى قصة حكتها له والدته فى يوم من الايام ..
ليت حكاية امى تحققها الطيور!!

يراقب حسين بعين تكاد تلتصق بأرجل هذه النسور الكبيرة يرفرف قلبه رفرفة الاحرار, ترتفع ابتسامته لتضىء جبهته نور يزيح غبار الظلم تتلاقى عينية البريئتين مع عيون احد الطيور فيتذكر كلمات امة المتفائلة فى احد ايام الفرحة وهى قليلة يصحو حسين على هزات احد افراد جيشه ... حسين... حسين...

لقد رحلت النسور انظر الى السماء انها تختفى وراء السحاب تترك خلفها غمامة بيضاء كبيرة تحرس رؤوس اطفال الناصرية تظللهم بظلل ربانية تأمل حسين السماء ... انة يرى سماء بلاده يطير قلبه مع اجنحة هذه الطيور ... انها لا تترك فضاء مدينتى الا نقيا.. يا الهى اننى ارى زرقة السماء اشم رائحة نهر الفرات... تخترق مسامى نسمات صباح جديد وكأن مدينتى عادت صبية لم تنتهك بعد.!!!


مشاركة منتدى

  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هلا ام عمر
    ارجو ان تكوني في اسعد حال
    انا معي الان ندى ورنا
    وباعمل مدير شئون عاملين
    والحمد لله سعيد
    اخيرا عرفت اوصلك
    ياريت تطمنينا عليك
    اما بالنسبة للمقال
    ف مش عارف ليه دايما ب احس انه فيه حاجة غلط
    مبالغة في مشاعر طفل صغير ! يمكن
    عدم ترابط بيخلي الموضوع ممل لا نريد اكماله ! ممكن
    النزعة الى التشائم في الكتابة او المبالغة الادبية ! ممكن
    المهم انت ادرى مني
    انا مجرد قارئ مش متخصص
    وانت دلوقتي داخلة على اكثر من عشرين سنة ادب وصحافة
    يا ريت تطمنيني على اخبارك و عاملة ايه في حياتك العملية
    ارجو ان ترسلي مقالاتك ان كنت تريدين رأيي
    مع انه مش من متخصص
    انت عارفة انت كنت دايما لغز بالنسبة ليه
    ولكن دايما على بالي
    بكل خير طبعا" وربنا يجمعنا على خير ... ولكن !!
    ان عز في الدنيا لقائكم .. ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
    بلغي سلامي لماما و ابتسام واولادك وكل العائلة.
    اشرف الصواف 23 / 7 / 2008

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتبة وصحفية مصرية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى