هُدْهُد خارج نبوءَةِ المَطر للشاعر رُشدي الماضي

، بقلم حاتم جوعية

مُقدّمة ٌ وتعريف: الشَّاعرُ والأديبُ الكبير الأستاذ " رشدي الماضي " في طليعةِ الشعراءِ والأدباءِ المُبدعين المحلِّيِّين، ومن أهمِّ الأشخاص الذين وَاكبُوا المسيرةَ والحركة َالثقافيَّة وساهَمُوا بشكلٍ فعليٍّ وجذريٍّ في تطوير وَتألُّق ِالشِّعر والأدبِ المحلي، وبهم ارتقى الشعرُ الفلسطيني المحلِّي (داخل الخط الأخضر) إلى أبعادٍ أوسع وأشمل. أصلُهُ من قرية "إجزم " المُهجَّرة، ويسكنُ في مدينة حيفا - بعد عام النكبة (عام 1948). حاصلٌ على عدَّةِ شهاداتٍ جامعيَّةٍ في الأدبِ العربي وغيرهِ، عملَ في سلكِ التعليم لفترةٍ طويلةٍ وكانَ مديرًا لمدرسةِ المتنبِّي الثانويَّة - حيفا - وخرجَ للتقاعد قبلَ بضع سنوات. نشرَ الأستاذ ُ رشدي الماضي إنتاجَهُ الإبداعي- الشِّعري والنثري- في معظم الصُّحفِ ووسائل الإعلام المحليَّةِ وخارج البلاد وحققَ شهرة ً واسعة ً محليًّا وعربيًّا وعالميًّا... وأجروا معهُ الكثيرَ من اللقاءاتِ الصحفيَّةِ من قبل وسائل الإعلام المختلفة خارج البلاد.

وأمَّا الآن وبعد خروجهِ للتقاعد أصبحَ متفرِّغًا ويكتبُ وينشرُ بشكل ٍ مُكثَّف. أصدرَ العديدَ من الدَّواوين الشعريَّةِ، وأحَدُ دواوينهِ أصدرتهُ " دار العودة " بلبنان قبلَ اكثر من سنة. وأمَّا ديوانهُ الأخير الذي بين أيدينا فهو من إصدار:" مؤسَّسَة الأفق للثقافةِ والفنون "- بإدارة الصَّديق الفنان الأستاذ "عفيف شليوط ". يقعُ هذا الديوان في 68 من الحجم المتوسطِ الكبير، مطبوعٌ طباعة أنيقة وفاخرة وتحلِّيهِ صورة ٌ جميلة ٌ على الغلاف. وعلى الغلافِ من الوجهِ الإخر(الخلف) توجدُ مقدِّمة ٌ صغيرة للكاتبِ الفلسطيني " زياد خداش " يشيدُ فيها بمكانةِ ومقدرةِ الأستاذ " رشدي الماضي " الشِّعريَّةِ وبما يميِّزهُ في عالم ِ الكتابةِ والمواضيع التي يطرحها، وخاصَّة ً الجانب الإنساني والقومي والوطني... والمقدِّمة ُ كُتِبَتْ بلغةٍ شاعريَّةٍ مُؤَثِّرةٍ، ويقولُ فيها: (رشدي الماضي شاعرٌ فلسطيني، من إجزم المسروقة تحديدا. وأن تكونَ من قريةٍ مسروقةٍ يعني أن تتخذ َمن الشِّعر ذريعة ً للبقاءِ على قيدِ الدَّهشةِ والحنين والحلم. بالشعر الحار يقترفُ رشدي الماضي الحنينَ مُؤسطرًا باليوم ومعمَّدًا باللغةِ ومُسَربلاً بالعشق. ومن المؤَكَّدِ أنَّ الشِّعرَ لن يُعيدَنا إلى بلادِنا، ولكنَّهُ بالتأكيدِ سيُعَمِّقُ إحساسَنا بقدسيَّةِ العودةِ. هذا بالضَّبطِ ما يفعلهُ بنا شعرُ رشدي الماضي.

مَدخَلٌ: ساتناولُ في هذهِ المقالةِ بعضَ القصائدِ من الديوان مع الإستعراض والتحليل ِ... وأوَّلُ ما سأبدأ بهِ قصيدة (" لعنقاءِ القيامة صليب صديق ومسامير صائبة "- صفحة 7 – 9 )... وهذهِ القصيدة ُ من الناحيةِ الشكليَّةِ تُدرَجُ ضمنَ الشعرالحديثِ الحرِّ، وقريبة إلى شعر التفعيلة،هي غير مقيَّدةٍ بوزن مُعيَّن، لكن يوجدُ فيها موسيقى داخليَّة أخَّاذة، وهنالك بعضُ المقاطع فيها جاءَت موزونة بشكل ٍ عفويٍّ، ومنها على بحر المتقارب في مطلع القصيدة (الوزن الذي يسمِّيه البعض الرومانسي الثوري)، والبعض على وزن الرجز والكامل، وفي الكثير من المقاطع والجمل يستعملُ عدَّةَ تفاعيل مختلفة كتلوين على شكلِ التقاسيم الموسيقيَّة، وإيقاعات هذه القصيدةِ حلوة ولها وقعُها وتأثيرُها في الأذن والعقل والقلبِ والخيال. وموضوعُ القصيدةِ الرَّئيسي هو الإنسان الفلسطيني المكافحُ والمناضلُ والذي يحملُ صليبَهُ أكثرَ من نصف قرن. والقصيدة ُ يكتنفها الغموضُ والطلاسمُ والضبابيَّة ُ ويستعصي فهمُهَا على الكثيرين من الدارسين والقرَّاءِ، ويستعملُ فيها فيها الشَّاعرُ توظيفات عديدة: لاهوتيَّة وتاريخيَّة، ويوظفُ شخصيَّة َ يسوع للمسيح عليهِ السلام الذي هو محور وجوهر الموضوع والقضيَّة ظاهريًّا وشكليًّا ليصلَ من خلالِهَا إلى الأهدافِ والأبعاد التي يُريدُهَا. ويقولُ الأستاذ رشدي الماضي في القصيدة:

تسيرُ... تسيرُ "خُطاهُ "
على بُحَيْرةٍ تغسلُ
آلامَهُ وأرجلهُ..
تحملُ على كتفٍ تقومُ
فداءً مُخلِصًا.

لأوَّل ِ وهلةٍ سيفهمُ القارىءُ هذا المطلع على أنَّ المَعني بهِ حرفيًّا هو يسوع المسيح، حيث خُطاهُ تسيرُ، ووضعَ كلمة َ خُطاه بين قوسين لأنَّ الكثيرين من البشر ساروا على خطاه وعلى طريقِهِ لأجل ِ التَّحَرُّر من عبوديَّةِ الآثام والخطيئةِ ولنيل غفران الخطايا وللخلاص الروحي والجسدي والخُلود في الملكوت السماوي مع القديسين والأبرار الأطهار. وخطاهُ سارت إلى بحيرةٍ تغسلُ آلامَهُ وأرجلهُ..أي يقصِدُ آلامَ الصَّليبِ والمعاناة في سيره المضني نحو الجلجثة وقد تعبَت رجلاهُ في درب الآلام... وغسيلُ الأرجلُ يرمزُ إلى النقاءِ والتطهير من غبار ووحل هذا العالم ورواسِبهِ - العالم المادي - (قصَّة يسوع عندما غسلَ أرجلَ تلاميذهِ، وفي البدايةِ رفضوا أن يغسلَ بنفسهِ أرجلهم، فقالَ لهم: من يرفض لا يكون له نصيب معي في ملكوتِ السَّماء)، لقد غسلَ أرجلهم كرمز للتواضع والأنكسار وللمحبَّةِ والوداعةِ والنقاءِ والتطهير من غبار وأقذار وأخطاءِ هذا العالم. كلُّ هذه المعاني التي ورَدت في القصيدةِ تنطبقُ على شخص يسوع المسيح. ويقولُ الأستاذ رشدي الماضي: (تحملُ على كتفٍ تقوم فداءهُ مخلِّصا )... أي على كتفهِ حملَ الصَّليب الثقيل.. صليب الفداء للبشر أجمعين.

إنَّ هذه المعاناة ودربَ الآلام وعذابَ الصَّليبِ ينطبقُ أيضًا على الإنسان الفلسطيني المُهَجَّر والمُشَرَد الذي أقتلعَ بالقوَّةِ من أرضِهِ ووطنهِ وما زالَ يحملُ صليبَ عذابهِ ومُعاناتِهِ ولم يجدْ مَن يُسعِفهُ ويمدُّ لهُ يدَ العون في هذا العالم ِ المليىءِ بالخطيئةِ والشُّرور.. وما عليهِ إلاَّ أن يغسلَ رجليهِ من غبار هذا العالم ِ الخاطىءِ. وفي القصيدةِ يظهرُ أيضًا طابَعَُ التفاؤُل وومضاتُ والأمل الإشراق. فيقولُ الشَّاعرُ:

( أرسلتُ زاجلي
بريدًا سريعا
فعادت قواربَ
بحُمولةِ الأحلام كانت ذاهِبَة).

إنَّ الحمامَ هو رمزٌ للسلامِ والمحَبَّةِ ولنقل ِالأخبار السَّارَّةِ منذ عهدِ نوح والطوفان (حمامة نوح التي رجعت بغصن ِ زيتون مُعلنة ً ومُبشِّرة ً بانتهاءِ الطوفان ورجوع ِ الحياةِ والخُضرةِ للأرض ).
لقد أرسلَ زاجلهُ (الحمام الزَّاجل ) كبريد سريع فرجعت القواربُ مُحَمَّلة ً بالأحلام التي كانت ستذهبُ وتتلاشَى... أي انَّ الأملَ موجودٌ، وتحقيق النصر والعدالة وإعادة الحق الضائع للفلسطيني المشرَّد أمر لا بدَّ أن يتحقَّقَ، فحمولة ُ الأحلام رجعَت في قواربها بعد أن كانت مغادرة ً ومُبتعدة، وعلى الشَّعبِ الفلسطيني المقهور والمنكوب أن يعرفَ كيفَ يستغلَّ كلَّ الظروفِ والأوضاع ويتمسَّكَ بأحلامِهِ وآمالِهِ الضَّائعةِ لإعادةِ حلمهِ المنشود. (لقد استعمل الشّاعرُ كلمة َ الزَّاجل لِوحدِها بدون كلمة حمام كمرادف لها ). ثمَّ يُتابعُ الشَّاعرُ رشدي الماضي حديثهُ فينتقلُ إلى مواضيع أخرى، ويتوغَّلُ كثيرًا في الغموض، وهنالكَ بعضُ المقاطع شبيهة ٌ بالطلاسم وقد تُشرَحُ وتفسَّرعلى عدَّةِ وجوهٍ وأشكال، ولا يُعرَفُ بالضبط ما الذي يعنيهِ ويقصدُهُ الشَّاعرُ منها، مثل:

( "خبَّأتُ آباري
حتى تغادرَ " بئرٌ "
تشتهي جسدِي
دَمًا صَدِئا ً
نوافيرهُ كاذبَة
عنقائي!! الفتك
داخل الرَّماد - رحلة
إلى الشِّتاء ماضية!!
أغلقي القميصَ /
تفقَّدي أزرارَهُ عروة عروة /").

هذه المقاطعُ من القصيدةِ تحملُ الطابَعَ الشَّخصي والغنائي.. أي أن الشَّاعرَ يتحَدَّثُ عن نفسهِ ووجدانيَّاتِهِ، وفيها أيضًا الطابعُ الوطني والقومي، فيتحدَّثُ عن الوطن ويتغنى بجمالهِ وآلامهِ وجراحِهِ وأجوائِهِ وأبعادِهِ الواسعة. ويتابعُ الشَّاعرُ فيقولُ:

( " كي تكوني يومَ " تموتين "
قبرًا فتيَّا
وَيومَ " تُبعَثينَ "
قيامة ثوب
خبَّأ "العشبة "!!
فإن عَبَسَت " بئرٌ "..
في وجهِ الطريق؟!

" هُدهُدُ " التيهِ عادَ "ماءَه " // ذئبا أليفا مُخلِصا!!! // "). يتحَدَّثُ الشَّاعرُ هنا ويُخاطبُ فتاتهُ وهي الوطن والأرض " فلسطين "، وهذهِ البلادُ الأرض) تموتُ وتصبحُ قبرًا جديدًا فتيًّا، ولكنها تتعافى وتقومُ من جديد ( قيامة ثوب ). ونتخيََّلُ يسوع المسيح عندما صُلِبَ وتنازعَ الجنودُ على ثوبهَ وتقاسموهُ. ويستعملُ الشَّاعرُ في نهايةِ القصيدةِ بعض المعاني والتعابير اللاهوتيَّة من الكتاب المقدس - العهد القديم، مثل: (وتحملُ " فرعون " جمرة) - وذلك عندما وضعَ موسى وهو صغير الجمرَ في فمِهِ فلذعهُ عندما كانَ أمامَ فرعون. وبعضُ المعاني من العهد الجديد، مثل: ( ترفع الصَّليب صديقا مساميرُهُ صايئة )، ومثل:(" عشاؤُهُ " تجلًَّى جسَدًا وكلمة ). وجملة ُ يوم تموتين ويومَ تُبعثين تذكِّرُنا بمَا جاءَ في القرآن الكريم عن يسوع المسيح: ( "وسلام عليَّ يومَ أموت ويومَ أبعثُ حََيَّا ").

وفي نهايةِ القصيدةِ يظهرُ هدَفُ وفحوى الموضوع بضوح ٍ أكثر، وفيها الخلاصُ والنصرُ المنشود للإنسان الفلسطيني وللقضيَّةِ الفلسطينيَّةِ... وكما انتصرَ المسيحُ بصليبهِ وآلامِهِ على كلِّ قوى الشِّرِّ والظلام وعلى إبليس، وبصلبهِ وقيامتِهِ تحقَّقَ الفداءُ العظيم وهو تحرير الإنسان وخلاصه من عبوديَّةِ الخطيئةِ والجسدِ (كما جاء في كتب الأناجيل - العهد الجديد).

ويقولُ مثلاً: ("ترفع الصَّليبَ " صديقا " مساميره صابئة).. والمقصودُ بالصابئةِ (عبدة النجوم والكواكب)، والمعروفُ عندما وُلِدَ المسيح جاءَ بعضُ المجوس (الصَّابئة) إلى بيت لحم ليروا المولودَ المخلِّصَ، وهم أوَّلُ من عرفَ بهويَّةِ هذا المولود وحقيقتِهِ وببشرى الخلاص فابتهَجوا. ووظَّفَ الشَّاعرُ مصطلح وعبارة (صابئة لمسامير الصَّليب)... أي هم كانوا كمسامير الصَّليب، نادوا وَبشَّروا وفرحُوا بالمولود الجديد - المسيح - وقد استدلُّوا عليه وعرفوا مكانه بواسطة نجم في السَّماء الذي أوصلهم إلى المذود - مكان ولادتِهِ - وقدموا لهُ الهدايا الثمينة والأحجارالكريمة، وبدون ِ الصَّليبِ وقيامةِ المسيح لا يكونُ خلاصٌ ونصرٌ وفرحٌ وسلامٌ أبدي.

وفي نهايةِ القصيدةِ يتحدَّثُ الشَّاعرُ عن العشاءِ الأخير و" الكلمة والجسد "... أي لقد أقتطفَ وأخذ َ بعضَ المعاني الواردة في الإنجيل ووظفها هنا في القصيدةِ. وجاءَ في إنجيل يوحنا: والكلمة ُ صارَ جسدًا (يسوعُ المسيح) وحلَّ بيننا... وبعد الصَّلبِ والقيامةِ كما وَرَدَ في الإنجيل تجلَّى يسوع بمجدِهِ الأسمَى وفي لاهوتِهِ جسَدًا وكلمة. والإنسانُ الفلسطيني لا بُدَّ أن ينتصرَ في النهايةِ وسيُحَقِّقُ أحلامَهُ وأمنيتهُ وغايتهُ المنشودة َ ويتحرَّر وطنهُ وبلادُهُ وتقامُ دولتهُ العتيدة بعد سنين ٍ وعقودٍ من المُعَاناة والألم ِ والعذاب.

ولننتقل إلى قصيدةٍ أخرى بعنوان: ("القدس مسرى ومهدًا: - أيقونة السَّماء " - صفحة 10 - 11). والجديرُ بالذكر أنَّ القلائل من الشُّعراءِ الفلسطينيِّين والعرب الذين كتبوا شعرًا لمدينةِ القدس لوحدِها وبشكل ٍ مستقلٍّ وَمُوَسَّع ٍ، ومعظمُهُم لم يتطرَّقوا إطلاقا إلى الجوانبِ والمعالم التاريخيَّةِ والحضاريَّةِ والتراثيَّةِ، والشَّوارع والزَّقاقاتِ وأماكن ودور العبادة (الجوامع والكنائس) والأسواق والحوانيت.. إلخ. وأمَّا الشَّاعرُ الأستاذ رشدي الماضي فيعيشُ ويتجسَّدُ ويتنفَّسُ عالمَ وأجواءَ وأريجَ ورائحة َ القدس... ويتحدَّثُ عن كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، في هذهِ القصيدةِ، في المدينةِ المُقدَّسةِ والأسيرةِ - ورُبَّما يكونُ هو الشَّاعرَ العربيَّ الوحيد الذي اتَّخَذ َ هذا التوجُّهَ والنهجَ وخطى هذا المنحَى.. ويقولُ في القصيدةِ:

( " أتركيهِ يا قدسُ وصلِّي...
لأجيئكِ مَسْرَى

لم تعُد دروبُهُ حقيبة ً- ولا أسفارا... // " ). يستعملُ الشَّاعرُ في هذهِ القصيدةِ تقنياتٍ وتوظيفاتٍ جميلةٍ وبشكل ٍ تكتيكيٍّ وذكيٍّ ومتناغم، فيتحَدَّثُ عن بوَّابَاتِ القدس ِ، وقامَ بإدراج اسم ِ ورقم كلِّ بوَّابةٍ، وتحدَّثُ عن بعض ِالأشياءِ والأمورالأساسيَّةِ التي تتعلَّقُ بمدينةِ القدس، فيبدأ القصيدةَ ويستهلُّها بالبوَّابةِ الأولى، فيقولُ:

البوَّابة ُ الأولى –

( " دعيكِ من نهار ٍ تنتهرُهُ " أم هاني " //
ليلاً - إلى كهفهِ لاذ َ، لاذ َ وَعَسعَس... //
فالثانية ( البوابة الثانية )
( " أتركيهِ!! // أتركيهِ يا قدسُ وصلِّي... //
لأجيئِكِ مَسرى // لم تعُدْ دروبُهُ حقيبة - ولا أسفارًا... //
فالثالثة ( البوَّابة الثالثة )
( " إقرَعي أجراسَكِ، كي ينهضَ وَحيٌ //
يهبط ُ سُلَّما... //
فأنزل، " فواتح " تعلو:
" صخرة " و "مهدًا " // " قيامة " و" أسوارًا "... // " ).

ويتابعُ الشَّاعرُ القصيدة َ هكذا (دواليك) حتى البوَّابة السَّابعة، ويُوظفُ الكثيرَ من الشّخصيَّاتِ والمعَالم والأمور المرتبطةِ بالقدس ارتباطا أبديًّا (كما ُذكِرَ أعلاه)، مثل: المَسْرَى أو الإسراء والأجراس، قبَّة الصخرة وكنيسة المهد والقيامة وأسوار القدس، مريم البتول العذراء، الجلجثة (المكان الذي صُلبَ فيهِ يسوع المسيح)، غادة كنعان " جدار طيطس " - (القائد الروماني الذي هدمَ مدينة القدس وأسوارَها، وطيطس أيضًا أحدُ الشَّخصياتِ اللاهوتية الهامَّة في العهد الجديد والذي عُيِّنَ من قبل الرَّسول بولس للخدمةِ ولكرازةِ الأنجيل، وكانَ يخدمُ ويُبشِّرُ في جزيرة كريت)، ويوظف أيضًا المائدة والعشاء الأخير، يسوع المسيح، البراق، خالد بن الوليد، المسلول (سيف الله المسلول)، العازاريَّة، مسيلمه الكذاب.... إلخ.

وبإختصار: إنَّ أيَّ قارىءٍ يَطَّلعُ على هذهِ القصيدةِ سَيُحِس ويشعر أنهُ داخلَ مدينةِ القدس ويمشي في شوارعها وأزقتها وحاراتِها.... وسيذهبُ بهِ الفكرُ والخيالُ إلى الزَّمان ِ الغابر.. زمن المسيح والعشاء الأخير وصلبه الجلجثة).. وسيتخيَّلُ أسوارَ القدس وكلَّ الأماكن المقدسة ودور العبادة ويرى أمامَهُ وبعقلِهِ كنيسة المهد والقيامة وقبَّة الصَّخرة ويتخيَّل البراق والأسراءَ والمعراج، ويتذكَّرُ عهدَ الفتوحاتِ وخالد بن الوليد الذي لقبَ بسيف اللهِ المسلول.
وهذهِ القصيدة ُ من أجمل وأروع القصائد التي كُتِبَتْ في مدينةِ القدس - عاصمة فلسطين - وربَّما تكونُ القصيدُة َ الوحيدة التي تحوي وتضمُّ كلَّ هذا الزّخمَ من التوظيف اللاهوتي والتاريخي والتراثي والإنساني الواسع في داخلها... والقصيدة ُ رمزيَّة فيها لمَحاتٌ وشطحاتٌ من التأمُّل والتَّصَوُّفِ في محرابِ الإيمان وفيها يتجلَّى لنا التألُّق الروحي والإتحاد مع الخالق. فهذه المدينة ُ معقلُ ومركزُ الدياناتِ السماويَّةِ الثلاثة وقبلة الأمم، تسمُو بأهمِّيَّتِها ومكانتِهَا الدينيَّةِ والتاريخيَّةِ، وللشَّعبِ الفلسطيني هي رمزٌ وشعارٌ لقضيَّتِهِ لأنَّها عاصمة ُ فلسطين الأزليَّة الأبديَّة فعندما يُذكرُ اسمُ القدس نتذكَّرُ فلسطين والعكس بالعكس. وهنالك العديدُ من الشُّعراءِ الذين كتبوا شعرًا لمدينةِ القدس، ولكن قصائدَهم لم تتحدَّث إطلاقا عن أجواءِ ومعالم القدس وطابعها وتاريخها وشوارعها...إلخ. كما هو الأمر عند شاعرنا القدير رشدي الماضي، ومثال على ذلك: قصيدة للشَّاعر إبراهيم طوقان (شاعر فلسطين قبل النكبة) بعنوان: (القدس)، ولولا هذا العنوان سيظِنُّ كلُّ من يقرؤُها أنهُ يتحدَّثُ عن بنايةٍ كبيرة جدُّا تضمُّ مجمعًا تجاريًّا وأسواقا ومراكز ثقافيَّة ومكاتبَ لأحزاب متعدِّدة وغيرها، ولا يوجد لها أيَّة ُ علاقةٍ مع مدينةِ القدس، ويُفهَمُ من القصيدةِ فقط أنهُ يتحدَّثُ عن القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ وكيف أنَّ الأحزابَ والزعامات التقليديَّة والسِّياسيَّة في خلافاتِهم وتناحرهم على الزَّعامةِ والقيادةِ آنذاك ضيَّعوا هذه القضيَّة. ويقول إبراهيم طوقان في القصيدة:

(" دارَ الزَّعامةِ والأحزابِ كانَ لنا قضِيَّة ٌ فيكِ، ضَيَّعنا أمانيها
قضيَّة ٌ نبذوهَا بعدَما قتلتْ ما ضرَّ لو فتحُوا قبرًا يُوَاريهَا ")

هُوَ يتحدَّثُ عن التطاحن ِ الحزبي الذي تفشَّى في فلسطين أنذاك ( زمن الإنتداب )، وكانت القدس عاصمة َ البلاد ومركزَ هذا التطاحن.

ولننتقل إلى قصيدةٍ أخرى بعنوان: ( " قصائد غادرَت قطار الخروج؟!! " - صفحة 12 - 13 ).. وهذهِ القصيدة ُ وجدانيَّة ٌ وذاتيَّة ٌ، فيها رُؤيا فلسفيََّة وتحليلٌ للحياةِ والكون والطبيعةِ، ويَشُوبُهَا الحيرة ُ والتساؤُلُ والبحث عن الذات وماذا على الإنسان ( الشَّاعر) أن يكون وفي أيِّ موقع وعقيدة وفكر ٍ ومذهب، وأيّ نهج ٍ وطريق عليهِ أن ينتهج. ويُوظفُ الشَّاعرُ في القصيدةِ بعضَ الشَّخصيَّاتِ الأدبيَّةِ والتاريخيَّةِ، مثل: الشَّاعر" ديك الجن الحمصي " الذي أتّهمَ بالسادِيَّةِ والسُّكر والعربدةِ والشذوذ وبالعُقدِ النفسيَّةِ وبقتل ِغلامِهِ وجاريتِِهِ، وهو من فحول الشعراء في العصر العبَّاسي وكان أستاذا لأبي تمام في الشِّعر - حسب ما يُروَى، وَيُوظفُ أيضًا شخصيَّة َ أبي نوَّاس، ويقولُ الشَّاعرُ في القصيدةِ:

( " حينَ لم تقبل المفصلة // الا سفرًا // فوقَ عنق ِ لساني //
حملتُ عزلتي على كتفي // وناديتُ الحقائبَ //
من أقصَى الخُروج!! //
واصَلتُ المَسيرَ // أبحثُ عنِّي // أطلبني من غيري //

حانَ لي المَآبُ // " ). أي هو موغلٌ في السَّفر في سراديب ومتاهات هذهِ الحياة وللبحثِ عن الذات.

ويقولُ في القصيدة: ( " أخرجتُ ظلِّي عن طورِهِ // فلم يعُدْ يَكتم صمتهُ //
أنا لستُ أنتَ // ولستَ حتى سواك!! //
إرتداني التامُّلُ البليل // ليمنعَ سقوط َ الذاكرة //
ها هُوَ الليلُ // يقتحمُ المدينة //
وأنا بطيش ِ " ديك الجنِّ " ألهُو //
لتظلَّ لُغتي خمرة // تونع // في دالياتِ الكلام... //
ألم يُعلِّمني النرجسُ // أن أقرأني في كتاب بئري //
معزوفتي من شبق؟! // لتندلقَ القواريرُ صفحات عطشَى //
وينهمر " النُّواسيُّ " // دِنًّا هائِجا!!! //
لم أعد حلما خلّبا //
فإن نامَ كلُّ شيىءٍ // ستظلُّ آثامي //
تعانقُ نورَ النافذة // وتتسقط // رذاذ سفاد الطيور // " ).

هذه القصيدة ُحديثة ٌ ومتطورة ٌ بناء وشكلا ومضمونا... وإبداعيَّة ٌحافلة وَمُترَعَة ٌ بالتجديدِ والتقنياتِ المستحدثةِ ومفعمة ٌ بالصُّورِ الشِّعريَّةِ الجميلةِ والمعاني الصَّعبةِ والعميقةِ والسهلةِ أيضًا على الإدراك والفهم، وخفيفة الدم والتي يتقبَّلها الذوق والمنطق. وفيها أيضًا بعضُ المصطلحاتِ والتعابير اللغويَّةِ المتطوِّرةِ والجديدة التي استعملها الشَّاعرُ، مثل: ( ان أقرأني في كتاب بئري ).. أي أن أقرأ نفسي، والمقصودُ هنا أن يتعلّمَ كيفَ يقرأ قرارَة َ وأعماقَ نفسِهِ العميقة كالبئر ويدركُ ُكنهَهُ وَوُجُودَهُ ومنطلقهُ في الحياةِ ويعرف ويرى حقيقة َ ذاتهِ وجدوى وجودهِ ومآلهِِ ومصيره كما يرى صورة َ وجهِهِ في المرآةِ أو البئر. ومنَ الصُّور الجميلةِ الجديدةِ والإستعاراتِ البلاغيَّة المستحدثةِ والموفقةِ، مثل:

("أخرجتُ ظلِّي عن طورهِ ) - وهذه الجملة الشِّعريَّة قد يطولُ تفسيرُها وشرحُها وتحليلُها فهي موضوع واسعٌ وعميقٌ بحدِّ ذاتهِ. وأيضًا مثل: " إرتداني التَّأمُّلُ البليل ليمنعَ سقوط َ الذاكرة".
وفي هذهِ القصيدةِ أيضًا بعضُ المعاني والصُّور المُستهلكة والمستعملة كثيرًأ، مثل: " ها هو الليلُ يقتحِمُ المدينة " فالكثيرون من الشُّعراءِ استعملوا نفسَ التَّشبيه والجملة َ حرفيًّا أو ما يُشابهُهَا، ولكنَّ الشَّاعرَ يردفها بجملةٍ وبصورةٍ شعريَّةٍ جديدةٍ: ( أو أنا بطيش ِ ديك الجنِّ ألهُو - لتظلَّ لغتي خمرة ). وفي نهايةِ القصيدةِ يخرجُ الشَّاعرُ من كلِّ حيرتِهِ وتساؤُلاتِهِ - وحتى لو نامَ كلُّ شيىءٍ فإنَّ آثامَهُ ( والمقصود بها حيرتهُ وانحصاره وملله وسوداويَّته وإحباطه ) ستظلُّ تتعانق مع النور، وحتى النور القليل الذي يأتي من النافذةِ وليسَ من البابِ الواسع، والنور هو الفجرُ والحريَّة ُ والإنعتاق والإنطلاق إلى المجدِ وتحقيق الذات والإنتصار على كلِّ شرٍّ وسجن وقيد في هذه الحياة. والقصيدة ُ قد ُتفسَّرُ وَتُحَلَّلُ أيضًا من منطلق ٍِ وطنيٍّ وقوميٍّ... فالشَّاعرُ الذي يحيا في حيرةٍ وتساؤُل ويحملُ عزلتهُ على كتفيهِ ويُنادي الحقائبَ من أقصى الخروج وَيُواصلُ المسيرَ ويخرجُ ظلَّهُ عن طورهِ ولم يعد يكتم صمتهُ هو الإنسانُ الفلسطيني المُشَرَّدُ والمُكافح والمناضل ليُحقِّقَ حلمَهُ المنشودَ ويحيا في أرضِهِ ووطنِهِ ودولتِهِ المُستقلَّة.

وإلى قصيدةٍ أخرى من الديوان بعنوان: ( " فُلك وغصن وتذكرة!! " - صفحة 14 - 15 ).. وهذهِ القصيدة ُ طابعُهَا وشكلها غزليٌّ بكلِّ معنى الكلمةِ، وفيها بعضُ التعابير والإيحاءاتِ الجنسيَّة، ولكنَّ القارىءَ الذكي والواسع الإطلاع يشعرُ ويحسُّ ويعي أنَّ الشَّاعرَ رشدي الماضي لا يعني ويقصدُ، في هذهِ القصيدة، فتاة ً معيًَّنة يتغزَّلُ فيها تغزُّلاً حِسِّيًّا ويصفُ جمالها ومفاتنها الجسديَّة، بل يرمزُ ويعني مدينة َ حيفا الجميلة والسَّاحرة حيثُ يقولُ في القصيدةِ مِمَّا يُؤَكِّدُ على هذا الشَّيىء:

( " لا تخشي!! // خليجُكِ لن يضمَّ ساقيهِ //
والقواربُ خطى لم تضل الطريق //
وهي خطى من بعيدٍ راجعة... // " ).
ويقولُ أيضًا: ( " مدينتي - يافطتي!! // أنتِ // التي أحكي لها //
// وَأنتِ بابي للدُّخول // لا تنقصي فائضَ الرِّيح //
// واقرأي الزَّمان // مرساةَ وقتٍ قد يطول!! // " ).

وقد يقصدُ الشَّاعرُ من هذهِ العباراتِ الأخيرةِ المُشَرَّدين واللاجئين الذينَ نزحوا عن حيفا رغما عنهم وإنهم سيرجعون، حيث قال:

( " خليجُكِ يضمُّ ساقيهِ // والقواربُ خطى لن تظلَّ الطريق //
وهيَ خُطًى من بعيد راجعة " ).

وأمَّا بداية ُ القصيدةِ ومطلعُها فهو غزليٌّ بكلِّ معنى الكلمة - حيثُ يقولُ:

( " لهيبُكِ السِّرِّيُّ أشبقني //
أتركيني ألبِّي نداءِ الصَّدر //
في ردهةِ ليلٍ // أميلُ إليّ // أبحثُ عنكِ //
يافطة // انحَرفت خميرة ً على كتفِ الرَّصيف //
ولحظة انتظار ٍ ساهرة... // " ).

وسأكتفي بهذا الإستعراض وسأنتقلُ إلى قصيدةٍ أخرى بعنوان: ( الشَّاعر في قطار الياسمين وحيفا عروس منتظرة..."- صفحة 16 -23 )... والقصيدة ُ من عنوانِهَا ومعانيها هي لمدينةِ حيفا التي يسكنها الشَّاعرُ، والقصيدة ُ طويلة وعريضة ٌ في مسافاتِهَا الإبداعيَّةِ وقيمتِها الفنيَّةِ و تموُّجاتِها الوجدانيَّة وشطحاتِهَا الصُّوفيًَّةِ وجماليَّتِها التي تُدغدغُ وتلامسُ شغافَ القلبِ وَسُهوبَ الفكر والوجدان... وهي من أجمل وأروع ما كُتِبَ حتى الآن عن مدينةِ حيفا السَّاحرة عروس البحر التي كانت وما زالت محَطَّ الأنظار والرحال وبهجةَ المشتاق وسلوة العاشق وقبلة َ الفنِّ والفكر والشِّعر والأدب وموطنَ الجمال والسَّناء والبهاء. ومطلعُ القصيدةِ:

( " حيفا غيمة ٌ // تحملُ السَّماءَ والترابْ //
كيفَ يُقالُ ما يُقال؟! // أنَّها حقيبة ٌ مُسَافرَة //
وَلن تعودَ من سرابٍ وغيابْ؟! // " ).

يُشَبِّهُ الشَّاعرُ مدينة َ حيفا بالحقيبَةِ (حقيبة السَّفر الدائمة وغير المُستقرَّة في محطَّة ) وهي تحملُ السَّماءَ والترابَ...أي أنَّ هذهِ المدينة َ هي معقلٌ ومركزٌ للنور والهدي والإيمان والخير، وفيها أيضًا السَّلبيَّات، وكلمة ُ التراب تعني كلَّ ما هو مادِّي وبعيد عن الرُّوحانيَّات والسَّماويَّات. والمعروف عن مدينةِ حيفا أنهُ يوجدُ فيها عدَّة ُ أماكن مقدَّسَة ودورٌ للعبادةِ ويوجدُ فيها أيضًا الملاهي والمراقصُ والنوادي الليليَّة والخمر والمجون - (أي تلتقي فيها السَّماء والأرض- الخير والشَّر- والنوروالظلام والسَّالب والموجب). وأمَّا باقي الجمل الشِّعريَّة في بداياتِ القصيدةِ فقد تُفسَّرُ وتحلَّلُ على أشكال ٍ مُختلفةٍ، وكلُّ ناقدٍ لهُ وِجهة ُ نظرهِ وتحليلهُ الخاص، ولكنَّ المقصودَ هوَ أنَّ حيفا سيبقى طابَعُهَا وَجَوُّها عربيًّا فلسطينيًّا ولن تفقدَ هويَّتها وكيانها ومكانتهَا كما كانت قبلَ عام 1948 حيثُ هَجرَهَا معظمُ سكانها عنوة ً وقسرًا، فما زالت حيفا تحملُ الطابعَ العربي الفلسطيني ويقطنها الكثيرون من العربِ مع أنَّ معظمهم من القرى الأخرى والمُهجَّرة وليسوا من سكان حيفا الأصليِّين.

ويُتابعُ الشَّاعرُ حديثهُ عن مدينة حيفا فيقولُ:

( " حيفا // حضورٌ تختبىءُ فيهِ الحياة // " ).
ويقول ُ أيضًا: ( " هذا الكلام // من نبعها ينهل // // حيفا أوصَدت أبوابها // كي لا يهتف الشِّعرُ // هيَّا بنا نرحل! //

ويقول:

("حيفا نافذة ٌ على البحر تطلّ // لتظلَّ قصيدة ً مُضَاءَة الممرَّات // " ).
ويُعلنُ الشَّاعرُ حُبَّهُ الكبيرَ لحيفا فيقول ُ:
( " حُبِّي لها // حُبِّي لها سروة // تهجّها كطفل //
ترها // على كتفي // طيورًا نائمة // وأشجارًا غافية!! //
سأظلُّ // أخط ُّ وأمحو // حتى أغزلَ // حوارنا شكلا ً //
أواصِلُ فيها سفري // ولو تعبت لغة ٌ // إجابة وسؤال!! // " ).
ويقولُ: (" حيفا رَحْمُ للحياةِ // يَدُهَا // انتصارٌ على الموت // ").

... أي أنَّ المدينة َ بالنسبةِ لهُ ولكلِّ إنسان فلسطينيٍّ مُتيَّم بحُبِّهَا هي كالرَّحم ِ منها انبثقَ ورأى الحياة َ. ويقولُ أيضًا:

( " حيفا جسَدٌ شاسعٌ // يُحِبُّ مَلْمَسَ العائِدينَ إليهِ //

إنَّ مدينة َ حيفا كبيرة ٌ بمساحتِهَا، بجغرافيَّتِهَا، بأهمِّيَّتِهَا ودورها التاريخي والحضاري والوطني، ويُشَبِّهُهَا الشَّاعرُ بالجَسَدِ الشَّاسع الواسع الذي ينتظرُ المشَرَّدين العائِدين إليهِ (الفلسطينيِّين النازحين )... ويُحِبُّ هذا الجسَدُ الواسعُ أن يُلامِسَ هؤلاء العائِدين.

وفي نهايةِ القصيدةِ يُعطي الشَّاعرُ صفة ً جميلة ً وإيجابيَّة لحيفا إذ هي منبعُ ومعقلُ الخير والبركةِ والعطاءِ ( ماض وحاضر ومستقبل)، ولم تكن مرَّة ً بخيلة ً وضنينة ً، حيثُ يقولُ:

( " حيفا حاضرٌ // غَدُهُ // مطرٌ ينهمرُ // " ). ويتابعُ فيقولُ:
(" سَأستلُّنِي // من أضلع مرآتي //
ونرفعُ // لِحُبِّهَا نخبًا... // ").

ويُنهي الشَّاعرُ القصيدة َ بهذهِ الجملةِ الواسعة والمُترعةِ بالحبِّ والإطراء.
وللشَّاعر في هذا الدِّيوان قصيدة ٌ لمدينةِ "عكَّا " بعنوان: ("عكا حوَّاء كنعان الوفيَّة " - صفحة 42 - 43) وهذهِ القصيدة ُ أيضًا مستواها عال ٍ وفيها الكثيرُ من من الصُّور الشِّعريَّة الجميلةِ والحديثةِ.

وأمَا قصيدة ( وتظلُّ – حمامة ُ الفُلك - تجعلُ البعيدَ قريبًا " - صفحة 49 - 50) فيتحدَّثُ فيها عن القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ ومأساةِ اللاجئين وأنَّ القضيَّة َ لها أكثر من ستين عاما ولم تُحَل، وما زالت القضيَّة ُ في ذاكرةِ ووجدان ِ كلِّ إنسان ٍ فلسطينيٍّ. ويُوظفُ الشَّاعرُ فيها الحَمامة َ (حمامة الفُلك) نسبة ً إلى النبي نوح الذي أطلق الحمامة َ من الفلك - أي السَّفينة ورجعت إليهِ بغصن زيتون.

ويقولُ الشَّاعرُ في القصيدة:

("هذي ذاكرتنا // بُرجٌ يُطلُّ على البحر //
ونافذة // على مينائِها مُشرَّعة //
لا يُرعِبَنَّك // يا رصيفي!!// شحُّ منديل ٍ// وهرمُ الوقوف انتظارًا //").
تقولُ: ستُّونَ مَرَّتْ // ولم يحِن ذيَّاكَ الوصول // خلاصًا!! //
تشَبَّث // بحبل ِ عصمتِهَا!! // " ).

وفي نهايةِ القصيدةِ يقولُ:

( " يا غائِبي فنار البُرج ِ // تعبَ هذا الفنارُ مِنَ الغمز //
ونافذتي صهيلٌ يُحمحمُ التياعا //
فاصنع // من كلماتٍ حفظتها، // لكَ فلكا ً //
وَشُدَّ "حمامة َ " الوُصول ِ // قصفة ً وجَناحًا وشراعا... // " ).

والمعاني رغم كونِها عميقة ومُسربلة بالغموض بعض الشيىء إلاَّ أنَّها تبقى مفهومة ً حتى للناس ِ البسطاء والسَّطحيِّين.

وموضوعها القضيَّة الفلسطينيَّة ومأساة اللاجئين والمُشرَّدين والنازحين عن أوطانِهِم، ودموع الشَّوق واللوعة التي ذرفت من أجل الرُّجوع وتقبيل تراب الوطن.
ولننتقل إلى قصيدةٍ أخرى بعنوان: ("المتنبِّي والملك الضلِّيل " - صفحة 51 - 52 )... وهذهِ القصيدة ُ قصيرة ٌ من ناحيةِ مسافتِهَا، ولكنّها عريضة ٌ في معانيها، ويُوظفُ الشَّاعرُ فيها بعضَ الشَّخصيَّاتِ التاريخيَّة والادبيَّةِ فيها للوصول إلى الموضوع والفكرةِ والهدفِ المنشود الذي يُريدُهُ. َوظَّفَ هنا شخصيّة َ أبي الطيِّبِ المتنبِّي وامرىءِ القيس الكندي (شقيقه الكندي- حسب تعبيره - أي أنَّ الإثنين من نفس القبيلة) وبينهما فارق كبير في السنين والعصور، وكلُّ شخص منهما عاشَ في عصر يختلفُ كليًّا عن الآخر.. وقد قيلَ: إبتدَأ الشِّعرُ بكندة (بإمرىءِ القيس في العصر الجاهلي) وانتهَى بكندة (بالمتنبي في العصر العبَّاسي ). ووظَّفَ أيضًا شخصيَّة َ " سالومي " - زمن الملك هيرودس والسيِّد المسيح ويوحنا المعمدان، وهي التي أغرت هيرودس بقتل يوحنا المعمدان. ووظفَ شخصيَّة َ خيزان أم هارون الرَّشيد.. وابن عربي وملوك الطوائف وزمن الرِّدَّة والزندقة... والخليفة المأمون والرَّشيد... إلخ. وخلاصَة ُ وفحوى القصيدةِ - ومن خلال ِ هذه الصور والإستعاراتِ المشِّعَّةِ والتوظيفاتِِ الدَّلاليَّةِ الغزيرةِ والمُستمَدَّةِ من التاريخ وكتبِ الأديان واللاهوت - يُريدُ الشَّاعرُ أن يقولَ ويشرحَ بصراحةٍ أن الوضع الحالي للأمَّةِ العربيَّة هو مُزري جدًّا، فالأمَّة ُ العربيَّة في انقسام وتجَزُّإ، مثل حال ملوك الطوائف في الأندلس آخر أيام حكم العرب هناك... وكيفَ أنَّ العربَ قديمًا كانوا يبسطونَ نفوذهم وهيمنتهم على مُعظم ِ بقاع الأرض، وكانَ العربُ امبراطوريَّة ً كبيرة، خاصَّة ً في العصر العبَّاسي وكانوا السَّبَّاقين في جميع المجالاتِ والميادين والمواضع: في العلوم والفنون والآداب والفلسفة... وغيرها، ومنهم اقتبسَت ونهلت جميعُ شعوبِ وأمم الأرض.. ولكنَّ اليومَ تبدَّلَ حالُهُم وتغيَّرَ وضعُهُم وأصبحوا في حالةٍ يُرثى لها من الخلافاتِ والدَّسائس ضدَّ بعضهم،والأنقسامات والتآمر فيما بينهم والإستعانة بالغرباء والأجانب والأعداء ضدَّ بعضهم البعض. والغربُ المستعمر يُسيِّرُهُم ويقودُهُم ويقودُ ويُوَجِّهُ حكامَهم العملاء حسب أهوائهِ وأهدافهِ ومطامِعهِ ومُخطَّطاتِهِ السِّياسيَّةِ الإستعماريَّة ِالمعاديَّة للعروبةِ والشِّرق ولدول العالم الثالث.

ويقولُ الشَّاعرُ في هذهِ القصدةِ:

( " سارت بنا الأيَّامُ يا ابنَ العربي!! //
وضربت علينا " مَذلَّة " وضربت علينا " مَسكنة " //
سارت بنا الأيَّامُ وضاعَ لنا عُمر //
وَسيأتي بيتكَ يومًا، عنا هذا الخبر: //
تركنا عصرَنا الذهبي!! // لم يعُد لنا "غارًا " ولا وحيًا //
ولا صفحة من " كتاب " //
تركناهُ شمسا راحت تبحثُ لهَا //
مع الرِّيح ِ عن فتحةٍ في الغيابْ //
أمَّا أنا: // سَأظلُّ يا ملكي " الضلِّيل " " ).

يُريدُ الشَّاعرُ أن يقولَ: إن العربَ تركوا عصرَ الحضارةِ والإبداع والرّقيّ (تركنا عصرنا الذهبي)... وابتعدوا عن تعاليم ِ الرُّسل والأنبياءِ وكتاب الله والشَّرائع السَّماويَّة ِ - حسب قولهِ: (لم يعد لنا غارًا )... أي غار" حرَّاء " المكان الذي نزل فيه الوَحْيُ على النبي محمد لأوَّل مرَّة. والشَّاعرُ في النهايةِ يقول: إنهُ سيظلُّ الإنسانَ الفلسطيني والعربي الواعي والمثقف وصاحبَ المبادىء والقيم والذي يغارُ على عروبتِهِ وقوميَّتِهِ، وسيبقى ضِلِّيلاً يعييشُ مشرَّدًا وغريبًا حتى لو كانَ في وطنِهِ مثل (امرىء القيس " الملك الضليل ") الذي جابَ وطافَ البلادَ والأقطار طلبًا للعون ِ والمساعدةِ لإرجاع مُلكِهِ الضَّائع بعدَ مقتل أبيهِ الملك حجر بن الحارث الكندي على يد قبيلة بني أسد.

فحالُ ووضعُ الفلسطيني المُشَرَّد والمكافح والمناضل لأجل ِعودةِ الحَقِّ الضائع والوطن المسلوبِ يُشبهُ حالَ ووضعَ امرىء القيس الكندي الذي طاف البلادَ حتى وصلَ إلى قيصر الرُّوم في القسطنطينيَّةِ لأجل إرجاع مُلكِهِ المسلوب.

وأخيرًا: سأكتفي بهذا القدر من تحليل واستعراض قصائد الديوان، وسأهنىءُ الشَّاعرَ الكبير والمبدع الصديق الأستاذ " رشدي الماضي " على إهدائهِ لي نسخة من هذا الديوان، وأتمنى لهُ المزيدَ من العطاءِ الأدبي والشِّعري والمزيدَ من الإصداراتِ المطبوعةِ في الشِّعر والأدبِ. وأطالَ اللهُ في عُمرهِ وفي صِحَّتِهِ فهو رُكنٌ هامٌّ من أركان حركتِنا الأدبيَّةِ والشِّعريَّةِ والثقافيَّةِ المحليَّةِ وَمِمَّن سَاهَمُوا في رفع ِ لواءِ الشِّعر ِ والأدبِ والنهوض والوصول بهِما إلى أرقى المستويَّات - عربيًّا وعالميًّا.