بين التبانة وجبل محسن

، بقلم رينا ميني

بين التبانة وجبل محسن، رصاصة قناصٍ تجوب الشوارع بحثاً عن أرواحٍ عالقةٍ بين المنطقتين،

بها تسجّل قياساً كي تتغلب على زميلاتها. بين التبانة وجبل محسن، سنواتٌ من الجهل

المقصود تحبل بالحقد فتخلّف الدمار. بين التبانة وجبل محسن، طوائفٌ تطوف حول زعمائها

كأنهم في "حفلة زار" يدورون ويرقصون ويطبلون كي تنتصر عفاريتهم على عفاريت أعدائهم،

ويطوفون على بعضهم البعض لنصرة القضية، غافلين أنّ بعد هذا الزمن من العنف والقتل،

ضاعت القضية بين أدراج الكبرياء والتعصب الأعمى، وباتت مجرد شعاراتٍ زائفة يرددونها للتبرير،

وعناويناً للصحف والإعلام وبالتالي حبراً على ورق. بين التبانة وجبل محسن، مواطنون يبحثون

عن الأمان على السلالم وفي الملاجئ، يختبئون خلف الأسرّة وتحت الطاولات علّ القناص

يغفل عنهم فينجون بحياتهم.

بين التبانة وجبل محسن، أطفالٌ حُرموا من اللعب والدراسة، بينهم من سقط فريسة

الرشاشات والقذائف، وأخرون استوطنوا أحضان ذويهم لا كي يحلموا بغدٍ أفضل، بل كي يحلموا

بالإنتقام حينما يكبرون. بين التبانة وجبل محسن، نسوةٌ ثكالى، ترثي كلٌّّ منهن أحبائها وتلعن

الأحزاب والطوائف والأديان، وتترجّى النوم علّه ينقذها من بعض المرار. بين التبانة وجبل

محسن، رجالٌ تغامر بحياتها من أجل رغيف خبزٍ يسكت الجوع في البطون، وأشباه رجالٍ

يحتمون وراء أسلحتهم ويطلقون لحاهم ولكنهم لا يتّقون.

بين التبانة وجبل محسن، فجورٌ يملأ الأزقة، يغتصب أحلام الفتيات الوردية، يفتك بأعصاب

الناس، يوقظ كل ساكنٍ ولكنه لا يوقظ الضمائر. بين التبانة وجبل محسن، أرضٌ مصبوغةٌ بأحمر

الدماء، مرصوصةٌ بجثث الضحايا من كلّ جانب، تدوسها أقدام الجبن والعار. بين التبانة وجبل

محسن، أبنيةٌ تتداعى كأوراق الخريف، ومتاريسٌ تحتلّ الطرقات، ونارٌ مستعرة تلتهم من يقف

في وجهها كالجراد.

بين التبانة وجبل محسن، جيشٌ يقف في الوسط، يردّ على مصادر النيران من هنا وهناك،

يتلقّى الضربات من هنا وهناك، ويرجو قراراً سياسياً يطلق العنان لغلّه على من هنا وهناك.

بين التبانة وجبل محسن، دولةٌ تحترف الغباء المصطنع، تتمايل كالعاهرة لتعجب أصحاب القرار،

وتؤرقنا بالشرف ليلاُ ونهاراً. بين التبانة وجبل محسن، شعبٌ يرزح من ثقل الأيام، شعبٌ قرر

الزحف تفادياً لتكرار السقوط، ويحمد انقطاع الكهرباء، فالظلام يقيه شرّ الإرهاب.