أسرار حركة الأجرام

السماوية في تنظيم الحياة اليومية

، بقلم نضير الخزرجي

لم يكن محل المرحوم أبو رشيد حميد غدير النداف في سوق الصفارين في مدينة كربلاء المقدسة محلاً مختصاً بالندافة فحسب، إذ كان تمتع صاحبه بالظرافة والروح الفكهة محل استقطاب لعدد من رجالات المدينة من أصناف مختلفة، ولما كان محله يقع قرب الدار الذي شهد مسقط رأسي عام 1961م وقبالة الزقاق الذي نلعب فيه، فمن الطبيعي أن يكون احتكاكنا به وبضيوفه يومياً.

في منتصف تموز يوليو عام 1969م كان الحديث لا ينقطع عن استعدادات اميركا لانزال أول انسان على سطح القمر، وفي ليلة العشرين من الشهر وهي الليلة التي يُفترض فيها هبوط مركبة ابولو 11 على سطح القمر، كان محل المرحوم أبو رشيد في صبيحة ذلك اليوم مزدحماً بالرجال وأصواتهم مرتفعة حول الحدث الهام بين مصدق ومكذّب، لم يكن الحديث غريباً علينا فقد سمعنا من معلمنا في مدرسة العزة مثل ذلك، ولهذا كان حديثهم غير بعيد عن أذهاننا، وحلّ الليل وصعدنا سطح الدار لقضاء الليلة كعادة أهل العراق النوم صيفاً في الفضاء الوسيع، وأنعمنا النظر مع بقية أفراد العائلة الى كبد السماء وعيوننا على القمر فلم نرَ شيئاً، واستمر الحال لفترة طويلة ثم رحت في نوم متقطع ملتحفاً من أخمص قدمي الى قمة رأسي خشية أن يحلّ على سطحنا الطنطل.

في اليوم الثاني كان محل أبو رشيد النداف أكثر اكتظاظاً ومحور الحديث نزول ابولو 11 على سطح القمر، وكما في اليوم السابق اختلفوا في مصداقية الخبر، وكان أحد كبار السن شديد الإصرار على رأيه بعدم تحقق الأمر وأنها كذبة اميركية في مواجهة السوفيت، ولم تكن الظرافة في أصل الرأي فهو ما تقول به الروايات والحكايات حتى يومنا رغم مرور اكثر من خمسة عقود على الحدث المزعوم، ولكن الظرافة أن استدلاله قام على عدم الرؤية العيانية للمركبة الفضائية وهي تحط على سطح القمر، فقد طلب من أم العيال، والحديث له، أن تهيئ الشاي والنرجيلة، وجلس الرجل فوق سطح الدار يحتسي الشاي وينفخ في دخان النرجيلة، وكلما انتهى ابريق الشاي طلب من أم العيال الثاني والثالث، وغيّرت فحمة النرجيلة المرة تلو الأخرى حتى بان الفجر وبدأت الشمس من خلف الأفق الرحب تنشر خيوطها، فلم أر صاروخاً ولا مركبةً – كما يشدّد في مدعاه-، ولذلك فإن الخبر ليس صحيحاً من أصله.

شدّني حينها استدلاله، فلم أكن ابلغ من العمر سوى 8 سنوات، وهو صاحب شيبة، فلم ير أبولو 11 كما لم أرها، فلا داعي لتكذيبه، ولكن الآخر ردّ عليه، بأن بعد المسافة بين القمر والأرض يُحيل الصاروخ أو المركبة من حيث الرؤية الى عدم، ثم ردّ عليه صاحب الشيبة باستدلال بدا مقنعاً في وقتها، فقال له: ألم ترَ الطيارة في الليل، فهي بعيدة ولكننا نراها، ثم زاد عليه بمثال آخر بدا أكثر اقناعاً، فقال له: ألم تر الأقمار الصناعية حينما تتحرك في الفضاء فنحن نراها كالنجمة، ولكني- والحديث لازال له- لم أر نجمة تتجه الى القمر فكيف يمكنني تصديق الرواية الأميركية، وعليه فالقصة كلها كذب في كذب.

ينتابني شعور بالطفولة المعرفية كلما درتُ بذاكرتي الى صباح 21/7/1969م وحديث الشاي والنرجيلة ومركبة ابولو 11، فحتى لو قلنا بعدم صدقية الحدث، فكيف يمكن لعيوننا أن تدرك مركبة قطرها عدة أمتار على مسافة نحو 400 ألف كيلو متر من سطح الأرض، فنحن لا نستطيع أن نرى القمر كهلال إلا بعد ولادته بنحو 18 ساعة، فكيف بمركبة صغيرة!!

قصة صاحب الشيبة والشاي والنرجيلة وصعود القمر في محل المرحوم حميد غدير النداف قفز بها إلى سطح الذاكرة وإلى أيام الطفولة العمرية والمعرفية، كتيب "شريعة الأهلّة" الذي يتناول الهلال وأحكامه، وهو جزء من سلسلة من ألف كتيب يتناول فيها المحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي مسائل فقهية متنوعة حسب الحروف الأبجدية، وهذا الجزء الخاص بالقمر وولادته ومحاقه، صدر حديثا (2013م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 64 صفحة في 88 مسألة فقهية مع تمهيد الى جانب 32 تعليقة وملاحظة دوّنها القاضي الفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري.

الشمس والقمر بحسبان

ما من شك أن حياة الإنسان اليومية مرهونة بحركة الأرض والقمر والشمس، كما ان التاريخ رهين هذه الحركة المتوالية، فلو كانت الأجرام الثلاثة ثابتة كان الزمن على وجه الأرض الصفر ولم يكن فيها إنسان أصلاً لانعدام الحياة فيها من الأساس، فتبدل الأيام والأسابيع والأشهر والفصول كلها دالة على الحياة وعكسها الممات، وهذا ما نشاهده في المد والجزر، وفي الشروق والغروب، وفي التمثيل الغذائي للنباتات، وفي تنفسها، فضلا عن تأثر الإنسان المباشر بهذه الحركة.
ومن الحكمة أن جعل الله القمر هو الشاخص لبيان حركة الزمان ظاهر للعيان قريب من الإنسان يدركه كل يوم ويستعين به على معرفة الأيام وبداية كل شهر ونهايته، وإذا ما تساءل المرء عن السبب الذي أُنيط التوقيت الشهري في الإسلام بحركة القمر؟ فإن الجواب كما يؤكده الفقيه الكرباسي في التمهيد: (إنّ الإسلام يعتمد على البساطة، فإن الإنسان بشكل عام يمكنه أن يعرف في أي يوم هو من أيام الشهر)، وبخاصة وأن الإنسان محكوم بعدد من العبادات والشعائر على علاقة مباشرة بالأشهر القمرية، بل ان الأشهر القمرية فيها من التنوع في الفصول وفي ساعات الليل والنهار في الصيف والشتاء، مما يخلق لدى الإنسان الحيوية والديمومة خلاف الثبات والرتابة، فلو انقاد الإنسان في ممارساته العبادية الى التقويم الشمسي لأصابه الملل، ويستشهد الفقيه الكرباسي بعبادة الصوم: (فلو أن الصوم كان معتمداً على التقوم الشمسي لكان الذي في غرب الكرة الأرضية مثلا يصوم دائماً في الصيف والذي في شرقها يصوم دائماً في الشتاء من جهة) وهذا الأمر خلاف العدالة لأن: (الإنسان الواحد لا يمكنه أن يتذوق طول النهار وقصره في الأوقات المختلفة، فلا تتحقق العدالة الإجتماعية المنشودة في ظل مواساة الجائعين)، فالرتابة تفقد لدى الصائم لذة الصوم، لأن تبدل الأجواء والأنواء هو القادر على كسر طوق الملل والضجر، ولهذا نجد أن شعوب البلدان الباردة تبحث عن التبدل بالسفر الى البلدان الحارة، والعكس صحيح أيضا، وينصح أطباء العظام وأطباء النفس بسفر مرضاهم الى البلدان المشمسة، أي أنَّ الإنسان بطبعه يبحث عن التنوع سعياً لاستحصال الراحة النفسية والجسدية، وارتباط العبادات بالشهر القمري يحقق مثل هذا التنوع.

في حقيقة الأمر أن هناك حكمة في مثل هذا الخيار بالنسبة للأشهر القمرية وعلاقتها بالعبادات كالصوم والحج، كما أن هناك حكمة في اعتماد العبادة اليومية على الشمس، فنصلي الصباح لطلوع الفجر والظهر لزوال الشمس والمغرب لغروبها، فالشمس في شروقها وزوالها وغروبها ظاهرة للعيان، في حين نصلي العيدين تبعاً لهلال شوال في عيد الفطر وهلال ذي الحجة لعيد الأضحى مع الإعتماد على شروق الشمس وغروبها لتحديد زمن الصلاة، كما أن تحقق السنة الهجرية الجديدة يتم برؤية هلال شهر محرم، ولذلك يرفض الفقيه الكرباسي تسييس رؤية الهلال بخاصة لشهري رمضان وذي الحجة، ويعبر عن أسفه حيث: (دخل على هذا الخط الحكام، فتعاملوا معها معاملة سياسية، وبالأحرى جيّروها كما غيرها في استخداماتهم السياسية مذهبيا واجتماعيا)، كما ينتقد الفئات التي تدعو الى الأخذ بالتقويم الشمسي في تخليد الحوادث والإحتفال بالوقائع والمناسبات التاريخية، ويرى أن الخلاف لم يحدث من التشريع والتاريخ بل: (حدث عن جهل الجهلة من جهة ومن تسييس السياسيين من جهة أخرى).

هلالٌ واحدٌ ومبانٍ عِدَّة

لا يرى الإنسان من سطح الأرض بالعين المجردة إلإ قمراً واحداً داخل المنظومة الشمسية، ومع هذا وقع الخلاف في تحديد بداية اليوم الأول منه، وهذا عائد للمبنى الفقهي لكل فقيه والمحصور في أربع رؤى، الأولى: بالعين المجردة وتسمى الرؤية العينية، والثانية باستخدام أجهزة مراصد فلكية وتسمى بالرؤية المسلحة، والثالثة هي الرؤية الفلكية بالاعتماد على ولادة الهلال فلكيا دون رؤيته بالعين المجردة والمسلحة، والرابعة الرؤية الفلكية مع امكانية الرؤية بالعين المجردة، كما وقع الخلاف في تحديد الأفق في وضعين، الأول من قال بوحدة الأفق فإذا شوهد في أفق من بلد ما تحقق العيد في كل الكرة الأرضية، والثاني قال بتعدد الأفق أي أن لكل بلد أفقه، فبلحاظات هذه المباني الفقهية وقع الخلاف في تحديد الأهلّة ومطالع الشهور.
ويذهب الفقيه الكرباسي الى المبنى الأول القائم على الرؤية العينية ومفادها أنَّ: (المقصود بالرؤية هي الرؤية بالعين المجردة ولا يجب استخدام الأجهزة، ولا بأس باستخدامها لتحديد الموقع فقط) وكذلك جواز: (رؤيته بالأجهزة المقرِّبة والموضّحة للرؤية)، ويوسّع الفقيه الغديري في التعليق على المسألتين إذ: (يجوز الاستخدام للرؤية على الإطلاق وذلك لعدم ورود المانع عنه البتة والأدلة القائمة على الاختصاص بالعين المجردة لا تكفي ولا تفي بالمقصود، وبملاحظة الحال والمقام يتوجه التكليف، ولا يختص جواز استخدام الأجهزة لتحديد الموقع فقط كما أفاد المؤلف الفاضل) ويضيف الغديري: (قد يجب استخدام الأجهزة المشخصة لرفع الإبهام والخلاف).

وفي مقام وحدة الأفق وتعدده، يأخذ الفقيه الكرباسي بالرأي الثاني إذ: (كل بلد محكوم برؤية الهلال من على أفقه إلا إذا كان من رآه في شرقه فإنه حجة لمن هو في غربه، وليس العكس، ولكن في مجال ظهوره فلكيا)، من هنا: (لا معنى لوحدة أفق العالم كله، رغم أنَّ ولادة الهلال تحدث مرة واحدة لأنّ الأحكام منوطة بالرؤية).

ولكن لماذا الرؤية المجردة هي الأصل؟

يقول الفقيه الكرباسي: (إذا حاول المرء رؤية القسم المنير للقمر في أول ساعات ولادة الهلال بأجهزة دقيقة فلا يثبت هلال ذلك الشهر لأن الرؤية لا تتحقق إلا بعد انقضاء ثماني عشرة ساعة تقريباً من ولادة الهلال عادة، ولو شوهد بعد هذه الفترة بالعين المجرّدة او بالأجهزة فيثبت الهلال، وهذا هو المقصود من الرؤية بالعين المجردة)، ولا يعني الرؤية عدم الأخذ بقول المختص بل: (قول الفلكي المؤتَمن المجرّب والذي يوجب اليقين حجّة يمكن الإعتماد عليه) وعلى العكس من ذلك: (لا يجب العمل بحكم حاكم الشرع بثبوت الهلال أو عدمه وبالأخص إذا لم يحصل له علم بذلك، بل إذا تيقّن خلافه فلا يجوز له العمل بحكمه)، نعم يصح العمل بحكم حاكم الشرع: (إذا كان من وراء حكمه أمور اعتبارية أخرى سياسية كانت أو اجتماعية كالخوف من الوقوع في الفتنة وما إلى ذلك، فيجب اتّباعه حسب فتوى مَن يقلّده)، بل ومن أجل المصلحة العامة: (يجوز للفقيه الذي يفتي بتعدد الأفق أن يحكم باتحاده لظروف استثنائية بالعنوان الثانوي درءاً للخلاف بين الأُسر واتحاد الموقف)، وهو أمر على غاية من الأهمية كما يقرر الفقيه الغديري مضيفاً: (بل المؤكد اختياره ذلك لأجل دفع الفتنة ورفع راية الدين، فإذا أصرّ على موقفه الفقهي ووقع الخلاف بين الأبناء المؤمنين فالمسؤولية عليه كماً وكيفاً، زماناً ومكاناً، شدة وضعفاً، وقد شوهد ذلك في السنوات الأخيرة، والفتنة وصلت إلى حد ترك بعض الشباب التقليد وانحرافهم عن الدين، فعلى المرجع رعاية هذه الجوانب أكثر فأكثر).

وفي الأساس فإن: (مسألة ثبوت الهلال ليست من المسائل التقليدية التي لابد من رجوع كل مقلدِ الى مقلّده بل إذا ثبت عند أي مرجع وتيقن المقلد خطأه أو لم يثبت عنده ورأى الهلال بنفسه أو تيقن، لا يمكنه اتباع مرجعه)، نعم كما يضيف الفقيه الكرباسي: (يجب تقليد المرجع في مبانيه لإثبات الهلال).

ولا يرى الفقيه الكرباسي عبرة لمن يسكن المناطق البعيدة من الكرة الأرضية في الإعتماد على توقيت البلد الأصل الذي جاء منه، لأنَّ: (اعتماد المهاجرين والمغتربين في المناطق التي يطول فيها الليل والنهار على توقيت بلدهم الأول وبالأخص إذا كان بعيداً لا دليل عليه من الشرع والعلم، بل يجب على المغتربين الإعتماد على بدء إزدياد النور أيضا)، كما: (لا معنى للرجوع إلى البلد الذي يعيش فيه المرجع أو إلى البلد الأم) حسب تعليق الفقيه الغديري.
وهكذا هو الإنسان لا فكاك له من التأثر المباشر وغير المباشر بالشمس والقمر من قبل المهد وحتى بعد اللحد، ولعل قيمة التنظيم في الحياة اليومية هي واحدة من أسرار هذه العلاقة التي أشار إليها القرآن الكريم في بيان حركة الأجرام السماوية: (والشمسُ تجري لمستقرٍ لها ذلك تقديرُ العزيزِ العليم. والقمرَ قدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تُدرك القمرَ ولا الليلُ سابقُ النهار وكلٌّ في فلكٍ يسبحون) سورة يس: 38-40.