أفيون الحبّ

، بقلم موسى إبراهيم

عندما يُرخي الليلُ سدوله، يتوحّشُ الكونُ من حولها، تتوحّشُ الأشياءُ في حجرتها، يهوي قلبها في عمقِ الوحدة، وتشتعلُ نفسها بالأنينِ وبالألم. تُصادِفُهُ في أحلامها، في صحوها في يقظتها، تصادفه في الروايات المتكدّسة على مكتبها، في الأوراق المتجعّدة السطوح، في كلّ قطرة حبرٍ سقطت سهواً من دواتها، في كلّ الصور المصلوبة على جدران حجرتها، في كلّ الذكريات المتشبّثة بذاكرتها الصغيرة .. لم تُكمل العشرين من عمرها .. لم يكتمل طول شَعرها ولا حتى استقرّت ملامح فمها.. عندما استعمرها بالحبّ، مرّر أفيون كلماته إلى روحها الغضّة وترك على جدار قلبها آثار سياط الرحيل، لماذا رحل ونسي نفسه فيّ ؟ في أيّامي؟ في يومياتي ؟ في أنفاسي ؟ في أشلاء أشلائي؟ لماذا رحل عنّي وقد كنتُ جميلته وحبيبته ومدلّلته وصديقته وسيّدة قلبه الأولى ؟ أسئلة تدورُ وتدور في رأسها .. تكاد تثقب قلبها .. لم تجد الإجابة منذ رحل، ربّما لن تجد الإجابة للأبد .. لكنها تريد أن تمحوه من ذاكرتها .. تريدُ أن تزيل آثاره عن شفتيها وخدّيها وعنقها وأناملها وخصرها وشعرها وحروفها وأوراقها وأحبارها وأقلامها وأشعارها وقصائديها وأشيائها وحجرتها.. تتمنى أن تختفي عيناه عن سقف حجرتها .. فكلّما حاولت الخلود إلى النوم .. رمقها ولم يحضر.. كأنه يتلذذ بدموعها .. بعذابها .. بموتها. في تلك الليلة .. أسرجت أقلامها عند أوّل صفحةٍ بيضاء ثمّ انتفضت من سريرها .. وقفت عليه .. أخذت تقفز إلى الأعلى .. تحاول ملامسة السقف .. تحاول أن تفقأ عينيه .. لعلّه يرحل عنها .. هي تحبّه .. إنّها تحبّهُ تعشقه .. كأنّ في عينيهِ سرّ حياتها وفي حضوره خلودها! ظلّت تحاول بالقفز حتى قاربت على الثلاثين من عمرها .. حينها فقط .. كانت قد كَبُرَت .. وازداد طولها .. وازداد شعرها .. واكتملت أنوثة جسدها .. حينها فقط .. صار باستطاعتها ملامسة السقف .. وعينيه .. حينها خرج الليلُ من حجرتها .. واختفى خيال عينيه.. خلف عينيّ مروّجٍ آخر...