رُؤى ثقافيّة «٧٩»

الحساسيَّة السرديَّة في تجربة الأعشى الشِّعريَّة

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

-1-

إذا كان من الدارسين من نفَى الموضوعيّة عن طبيعة الشِّعر الجاهلي، فهناك من نفَى الغنائيّة، وزعمَ أن الشِّعر الجاهليّ كان موضوعيًّا. وذلك ما يقول به (نوري القيسي)، و(عادل البَيّاتي)، و(مصطفى عبد اللطيف).(1) المفارقة هنا أنهم في الوقت الذي يَرَون فيه أنه يتعذّر إدراج الشِّعر الجاهليّ في عِداد الشِّعر الملحميّ، أو التمثيليّ، أو التعليميّ، إذا ما رُوعيتْ خصائص هذه الفنون الدقيقة، يرون أنه ليس بالضرورة غنائيًّا أيضًا، حسب المصطلح الغربيّ، Lyric. فما هو إذن؟‍‍! هو برأيهم «موضوعيّ» لا «ذاتيّ». ذلك أنهم لا ينظرون إلى مصطلح الموضوعيّة وَفق فنونها المعهودة، من ملحمة، ومسرحيّة، وقِصّة، وشِعر تعليميّ، .. إلخ.، بل يشيرون إلى موضوعيّة أخرى للشِّعر الجاهليّ، تكمن في ما يربطه من هَمٍّ مصيريٍّ واحد، وفي الخصائص الفكريّة والنفسيّة المشتركة التي يقوم عليها، وأن ذلك قد يتجاوز الحِسّ القَبَليّ إلى الحِسّ القوميّ للأُمّة العربيّة. و«أيّام العرب»- بحسب رأيهم- تمثِّل عملًا روائيًّا، يدور على صراع الوجود، في مقابل صراع الآلهة عند الأُمم الأخرى. لكنّ هذه الأعمال- أي أخبار العرب، وأيامهم، وسيرهم- لم تلقَ التشجيع سوى في الأوساط الشعبيّة، دون الأدب بلغته الفصحى. وكان يمكن أن يضيفوا- لولا أن هذا يُفسد عليهم ما يلتمسون- أن أيام العرب التي يتحدّثون عنها إنما هي نتاجٌ صِيْغَ في الإسلام لا في الجاهليّة، وأضفَى عليه القُصّاص في العصر الأُموي من تلقاء خيالاتهم ما حلا لهم، ما يزيد في إبعاده عن أن يكون مأثورًا فنّيًّا جاهليًّا موثوقًا به، ثم أن تلك الأيام- في نهاية المطاف- محضُ نثرٍ تاريخيٍّ متناثرٍ، معزَّزٍ بالشواهد الشِّعريّة، مهلهل النسج من الناحية السرديّة.

كما يذهب مؤلفو كتاب «تاريخ الأدب العربيّ قبل الإسلام» إلى أنها «قد رَدَّت الكشوفات الأثريّة، والدراسات العلميّة، والوقائع التاريخيّة، هذا الزعم [تقوقع الشِّعر العربيّ القديم في الذاتيّة]، حيث ظهر بأن سُكّان هذه المنطقة امتلكوا أقدم ثروةٍ شِعريّة وملحميّة في العالم، وأن أبطالهم الأسطوريّين نفذوا إلى العالم، حيث ظهرتْ نُسَخٌ لهم في مختلف المناطق، ولدى عددٍ من الشعوب.»(2) وكأنهم يشيرون في هذا إلى (ملحمة كَلكَامش) وغيرها، ممّا يتّصل بجاهليّات العرب الأُولى. وهذا ما كشفت عنه التنقيبات الأثريّة في الجزيرة، والخليج العربي، وبلدان الشام، والعراق، واليمن، ومِصْر. غير أن ما يعني الباحث هو شأن العرب الذين ظهر عليهم الإسلام، وورثت الأُمّة العربية تراثهم اللغويّ والأدبيّ، لا ما وراء ذلك من جذورهم الممتدّة عبر التاريخ البشريّ.

ولعلّ القارئ يلحظ مقدار حرص هؤلاء الدارسين على إيجاد مَخرجٍ من عدم مشابهة العرب سواهم: تارةً بإثبات الموضوعيّة لأدبهم- رغم نفي الفنون الموضوعيّة عنه- وتارةً بتصنيف أيّام العرب وأخبارهم في الأعمال الروائيّة، وتارةً بالتماس معوِّضات عن «الموضوعيّة» من الماضي السحيق، تُثبت للعرب من الملاحم والأبطال الأسطوريّين ما للشعوب الأخرى. ومن خلال هذا كلّه يطغى أسلوب المرافعة- ذات الحماس المنحاز المبيَّت- على الموضوعيّة العلميّة، ومنهاج البحث. وهذا ما كان يغلب على جُملة الآراء السابقة حول ذاتيّة الشِّعر الجاهليّ وموضوعيّته، وكأنها تقع بنفسها- أي تلك الدراسات- في الذاتيّة، مبتعدةً عن الموضوعيّة في تناولها وطرحها؛ فمنها ما نفَى الموضوعيّة عن الشِّعر الجاهليّ نفيًا، وهي الأغلب، ومنها ما أثبتها، أو بالأحرى تصنَّع إثباتها على أيّ وجه. إلّا أن الباحث لم يقف على دراسةٍ حاولت تقصِّي المسألة علميًّا، وفسَّرتْ نتائجها وعلَّلتها موضوعيًّا، بعيدًا عن الأفكار المسبقة، والأحكام الجاهزة، والعاطفة القوميّة.

-2-

هل حقًّا يجد القارئ في الشِّعر الجاهلي، والسبع المعلّقات تحديدًا أشكالًا فنّيّة موضوعيّة، كما تقدَّم من قول (البستاني) في مقدمة ترجمته «الإلياذة»، أو قول (نوري القيسي)، و(عادل البَيّاتي)، و(مصطفى عبد اللطيف)، في كتابهم «تاريخ الأدب العربيّ قبل الإسلام»؟
وعلى فرض وجود الموضوعيّة، أهي موضوعيّة أجناسيّة، على غرار تلك المعروفة عن اليونان، بحيث تمكن مقايسة هذه إلى تلك، أم هي محض آثار تنـزع صوب الفنون الموضوعيّة، دون أن تُقارب الكمال البنائي الذي يُعْتَدّ به؟ ذلك أنه يبدو- منذ (أرسطو)- أن هناك نظرية أجناسيّة، تتطلّب أن نتصوّر الأجناس الأدبيّة المختلفة منمازًا بعضها عن بعض بفروقات خاصّة، وإن اندرجتْ جميع فروعها ضمن عموميّة «فنّ الشِّعر»(3). ولقد تحدّدت الأجناس لدى أرسطو، بحسب طرائقها ومادتها، وفق التصنيف التالي الذي يقترحه (شيفير)(4):

الطريقة: دراماتيكي <--- سردي

المادة: سامية: التراجيديا <--- الملحمة

ـ ـ ـ ـ ـ وضيعة: الكوميديا <--- المحاكاة الساخرة

كما جاءت أنظمة تصنيفٍ شَجريّ لتمييز العناصر والأجناس الأدبيّة. وأشهر المؤلِّفين في هذا (ديوميد)(5)، (نهاية القرن الرابع)، حيث يميز بين ثلاثة أجناس وثمانية عناصر:

جنس مختلط: غنائي <--- بطولي

جنس السرد: تعليمي <--- حكمي <--- سردي

جنس المحاكاة: سيري <--- كوميدي <--- تراجيدي
فأين يقع الشِّعر العربي القديم، والمعلَّقات بخاصّة، وشِعر (الأعشى) على نحو أخصّ، من ذلك كلّه؟

[ذلك ما سنناقشه في الحلقات المقبلة، بإذن الله].